الشنطة بيني وبينك

فاطمة ناعوت
2016 / 12 / 27

أول درس نتعلّمه في أول امتحان ندخله في أول عام دراسي بالمدرسة الابتدائية المصرية، هو أن تضع "الحقيبةَ المدرسية" بينك وبين من يجلس إلى جوارك فوق طاولة الدرس "البنش". لماذا؟ لكيلا يكون بوسعه أن ينظر في ورقة إجابتك وينقل "المعلومة" من ورقتك، تلك التي سهرت ليالي إثرَ ليال حتى "تحفظها" عن ظهر قلب، حتى تحينُ لحظة "سكبها" في ورقة الإجابة. صحيحٌ أنك تخرج من الامتحان، وتتدرج في سنوات الدراسة، وقد "نسيت" تماما تلك "المعلومات"، إلا أن هذا ليس مهمًّا، المهم أنك انتقلت من الصف الثاني إلى الصفّ الثالث فالرابع فالخامس، حتى تتخرج من كليتك، إلى الحياة العامة، محاميًا، أو طبيبًا، أو محاسبًا، معك شهادة من الدولة بأنك أهلٌ لذاك.
دعك من كمّ الكلمات "المُفخّخة" في صدر المقال مثل: (معلومات- تحفظ- تسكب- تنسى )، فهذه ليست موضوع المقال. لهذا سأمرُّ عليها بمِشرط النقد السريع؛ لأنتقل بعدها إلى "الفخّ النفسي" الأهم والأخطر، موضوع المقال، وعنوانه. ذاك أن "العلم" و"الدراسة"، ليسا معلومةً؛ فالمعلوماتُ كما قال الجاحظ: “مُلقاةٌ على قارعةِ الطريق"، وأصغرُ شريحة موبيل بوسعها أن تحوي جميعَ موسوعات العالم. وليس عليك كدارس أن "تحفظ" المعلومة كما ببغاء. بل أن تدخل المعلومةُ رأسَك لتخرج "فكرة"، وتتحول الفكرةُ إلى "وجهة نظر"، أو "رأي" أو "ابتكار" أو "اختراع". وفي الامتحان ليس عليك "سكب" المعلومة، كما يُسكب الماءُ من كأس، بل أن تُبدي حلا لمعادلة أو رأيًا في مشكلة، أو فكرة مدهشة لم يسبقك إليها الأوّلون. وحين تتدرج من مستوى تعليمي إلى آخر، يكون أمرًا محزنًا، أن "تنسى" ما احتشد به رأسُك، وروحُك، من رؤىً، من المفترض أن تشكّل شخصيتك وتحدد سلوكك، وتصنع منك إنسانًا ممتازًا، ومواطنًا فعالا؛ يفيد مجتمعه، ويساعد العالمَ، ثم يُثري الإنسانيةَ جميعها.
تلك الحقيبةُ التي تضعها "حاجزًا" بينك، وبين زميلك، لن تمنعه وحسب من "نقل" المعلومة من كراستك، إنما ستمنعك أنت من التواصل النفسي معه، اليوم وغدًا، وحتى نهاية عمرك. تلك الحقيبة شكّلت بينك وبين "الآخر" حاجزًا نفسيًّا مُستدامًا لن تُسقطه السنواتُ ولا الخبراتُ ولا تراكُم الصداقات. تلك الحقيبةُ علّمتك درسَك الأولَ في الحياة. “أن نجاحَ الآخر" "بالناقص من نجاحك". لكي تنجح أنت لابد أن يرسب جارُك. لكي تثرى أنت، لابد أن يفتقر سواك. عند أقدام تلك الحقيبة ينهدم أول حجر في جدار "العمل الجماعي" الذي لن تتقنه حين تكبُر. تلك محنة التعليم في المجتمع العربي. لأنه قائمٌ على "الحفظ" و"الترداد"، و"سكب" "المعلومة" في ورقة الإجابة، من أجل "النجاح" أو "الرسوب". كل الكلمات المقوّسة السابقة لا محلّ لها في معجم التعليم الغربي. التلميذ في المجتمعات الراقية لا يحفظ المعلومة، بل يعرفها، لتكون "وسيلة" لا "غاية". وسيلة لبناء المنطق العلمي والفكري. فإن تكوّن لديك منطقٌ علمي، كان بوسعك أن "تفكر"، فإن فكرت "أبدعت". المعلم الغربي يشجع التلميذ على العمل الجماعي Team Work فيتعلّم الطفل أن نجاحه مرهونٌ بنجاح زميله، فلا محلّ للحقيبة بينهما، لأنه لن يُمتحن في المعلومة التي يحاول إخفاءها عن زميله. المعلّم يشجع الطفل الغربي على التفكير. لأن الفكرَ أبُ الإبداع. بينما لدينا في مجتمعاتنا العربية نسخر منك إن فكّرت. فإن تماديت في غِيّك وأنتج فكرُك "وجهة نظر" مغايرة للسائد، قوضيتَ وسُجنت أو قُتلت. هكذا تتكوّن ثقافة القطيع ونصير جميعًا نسخًا نمطية من بعضنا البعض. جميعنا متشابهون. والمتشابهون لا يبتكرون، بل "يقلّدون". وحين يحتاجون إلى "ابتكار" يُسيّر حياتهم، ينظرون حولهم إلى الدول التي تفكّر، لنستورد منهم ما ابتكروا واخترعوا، فنستورده، ثم نسيء استخدامه. فيخترعون الحاسوبَ لكي يدرسون أحوال المجرّات وعناصر الكيمياء التي تُشفي الأمراض، وهلمّ جرا، فنشتريه نحن لندخل غرف الدردشة التي "تقتل" الوقت وتزيل الضجر. وكأن "الوقت" عدوٌّ نريد قتله، بينما هو أثمنُ ما لدينا. هو أعمارنا، التي إن تبدّدت منها لحظةٌ لا تعود.