الإنسان في رواية -وجوه في درب الآلام- مشهور البطران

رائد الحواري
2016 / 12 / 26

الإنسان في رواية
"وجوه في درب الآلام"
مشهور البطران
عندما تكون الكتابة نابعة من العقل الباطن تكون في أوجها، حيث يجد القارئ صدق وإيمان الكاتب بما يضعه في نصه، وكأن النص والكاتب هما شيء واحد، هما الكتاب/النص نفسه، هذه الرواية الثالثة التي اقرأها "لمشهور البطران" وجدناه فيها ناضج ومتألق، إن كان من خلال اللغة، أو من خلال طريقة تقديم المادة الروائية، أو من خلال الفكرة التي تحملها الرواية.
موضوع الراوية صعب وقاسي حيث تتحدث عن السجن والاعتقال والتعذيب، وهذه المادة في طبيعتها مؤلمة له لنا، لكن الراوي كتبها في ألا شعور، من خلال العقل الباطن، رغم أنه كان يقصد ومخطط ويهدف إلى تقديم تجربة الاعتقال لنا، لكنه عندما بدأ في الكتابة هيمن عليه العقل الباطن وأصبح هو المتحكم في طريقة تقديم النص/الفكرة، وتم تحيد العقل الواعي أثناء الكتابة.
وهنا قد يبادر البعض بطرح هذه الأسئلة: أين هو العقل الباطن في الراوية؟ وكيف يمكننا أن نجد تأثيره على النص الروائي؟ ومتى وأين كان يكتب الراوي من خلال العقل الواعي؟ وما هي الفواصل بين الوعي وألا وعي في الرواية؟، اعتقد بأن الرواية تجيب عن كل هذه الأسئلة، وتقدم لنا دلائل واضحة واجابات شافية.
الرواية قدمت في جزأين، الأول يتحدث عن الاعتقال والتعذيب والسجن والمعتقلين وشيء عن الحياة التي كانت قبيل الاعتقال، والجزء الثاني ـ هو لا يشكل أكثر من ربع الراوية ـ يتحدث عن "عبد القادر" بعد خروجه من السجن وكيف بدأ يرسم/يخطط لحياته بعد التحرر، الجزء الأول زاخر باستخدام لغة خاصة استثنائية، فالراوي يقدم الأحداث من خلال هذه اللغة، فهي الجسم الحامل للفكرة، فختار في العقل الباطن جسم جميل ومتألق ومبهر ليقدم لنا فكرة صعبة وقاسية ومؤلمة، وكأن الراوي أراد لنفسه ثم لنا نحن المتلقين للنص الاستمتاع باللغة الجميلة التي قدمها لنا، وفي ذات الوقت لكي تخفف عنه وعنا قسوة تلك الذكريات، وهذا الأمر وجداه في اكثر من موضع للرواية، فعندما يكون الحديث عن التعذيب والألم تكون اللغة الجميلة والمتألقة حاضرة، وعندما يكون الحديث عن موضوع عادي، لا يحمل القسوة تكون اللغة عادية، لكنها تبقى ضمن النسق الأدبي، سنختار شيء من المقاطع لتوضيح هذا الأمر، ونبد بالحديث عن المخيم وكيف تم اقتحامه من قبل جنود الاحتلال: "أفر من مخدعي المسكون بالأرق إلى شرفة الندية تلمس طراوة الهواء، يتراءى لي المخيم في غبش المساء مثل كومة من حطام و أرتال من الصفيح الصدئ أهلكته تعاقب السنين، ألقي نظرة على أفق المخيم الغافي، بيوت منسوفة تدلف حيطانها ذكريات الراحلين، ومحيط هائل من الأوجاع والمرارات، مسارب ضيقة مسكونة بالعذابات، جرحى، مشوهون لم تتجاوز أعمارهم سن الحلم يمشون على عكاكيز مثل قدامى المحاربين، يبحثون عن رض صغيرة تتسع أحلامهم الصغيرة" ص4، في المقطع السابق كانت اللغة هي العنصر الأجمل والأرقى، فالفكرة قاسية ومؤلمة، لكن اللغة الحاملة للفكرة كانت مذهلة ورائعة، مما يخفف من قسوة المشهد/الفكرة على الراوي وعلينا نحن المتلقين.
وعلينا أن نتخيل كيف يمكننا أن نتقبل مثل هذه الفكرة/المشهد لو تم صياغته بلغة عادية، أعتقد بأننا سنحجم عن الرواية وسيكون أثرها مؤلم ومؤذي لنا، ومن ثم نحمل على الراوي الذي يقدم لنا مشاهد/أحداث قاسية وبلغة تسهم/تزيد في جلدنا وتسبب لنا حالة من الكآبة.
المشهد الثاني القاسي كان الاعتقال، فكيف قدم لنا الراوي هذا الفعل العنيف والوحشي؟، "نعم كبرت وصرت شابا قبل أواني، لكني وجدت باب السجن في انتظاري، كانت ليلة بلا قمر عصفت فيها الريح التعاسة، ظلمة مستبدة، رياح صرصر تكاد تخلع الأشجار من منابتها، غشت البيت رعدة هادرة خلعت لو الصفيح من السقف، راح يصفق بصوت رهيب ورتيب، الكوخ يرشح، والريح الهوج تصفر في الشقوق، في تلك اللحظة اقتحموا البيت كقطيع نمور حطمت أقفاصها، وجوههم مدهونه بالفحم لا يبين منها إلا العيون التي تجوس في الظلام كأنها عيون قطط" ص12، كان يمكن للراوي ن يختصر كل هذا السرد ويحدثنا بشكل مباشر عن اقتحام الجنود للبيت، لكن عقله الباطن يرفض أن يستعيد ذكريات مؤلمة، فهي تسبب له الألم وتعيده إلى ما لا يحب، ولهذا وجدناه يستخدم هذه اللغة، وكأنه بها ومن خلالها يريد أن يهرب من تلك الذكريات المؤلمة، لا يريدها أن تكون موجودة حتى في الذاكرة، ولهذا وجدناه يؤنسن البيت والريح، وكأنه يتملص من الحديث المباشر نفسه، عما حدث له من ألم وخوف في تلك الليلة.
وهنا تكمن إنسانية الراوي في الرواية، فهو بشكل انسيابي يتجه إلى الخفيف عنا عندما يريد أن يحدث عن القسوة والألم، لا يريد أن يثقل علينا بها، ولهذا وجدناه ـ من خلال عقله الباطن ـ يميل إلى استخدام لغة متألقة تخفف من وطأة الحدث/المشهد.

قبل الحديث عن المشاهد العادية ننوه إلى أن الراوي في الجزء الأول استخدم الفصول، بحث نجد مجموعة شخصيات واحداث تروى لنا، فالراوي من خلاله هذه الفصول كان يقصد/يريد/بحاجة إلى الاستراحة من الارهاق والألم الذي يسببه له الحديث عن الاعتقال والمحتل والأهل المتعبين في المخيم، فختار هذا الشكل من التقديم، أما في الجزء الثاني فستخدم السرد المتواصل، فالموضوع بالنسبة له ولنا موضوع عادي، لا يحمل الألم، بل الفرح والنظرة الايجابية للمستقبل، فلا يوجد مبرر للاستراحة، فليس هناك أي ألم أو قسوة توجب/تستدعي الراحة.
وانعكست هذه (العادية) على طريقة تقديمه للمشاهد والأحداث فكانت لغة أدبية عادية، فالحدث/الموضوع لا يثير مشاعر الألم والقسوة في الذاكرة، فكان لا بأس من تقديمها بشكل طبيعي أدبي، "في احد الأيام أحضرت قوائم المفرج عنهم وعممت على أقسام المعتقل، وأعطوا الأوامر لتجهيز أنفسهم للإفراج، كانت القائمة تضم أسمي مع مجموعة من المعتقلين الذي على وشك إنهاء محكوميتهم كبادرة حسن نيه من إدارة السجن" ص138، في المقطع السابق لا نجد أي لغة/تصوير مميز، فكل ما جاء فيه من سرد ولغة لا تثير/تستفز المتلقي، فهو حدث وفكرة ولغة عادي، وهنا يكون الراوي اعادة السيطرة على نصه ممن خلال عقله الواعي، من خلال قدرته على التحكم بالحدث وباللغة وبالسرد معها، فلا يوجد أي أثر للمأساة، فقد تم التحول/الانتقال من الحالة الألم إلى حالة الأمل، فهي لا تستدعي من جهد/لغة/ الكثير، كما هو لحال في الحديث عن التعذيب والخوف.

المكان
بكل تأكيد مكان الاعتقال بحد ذاته يمثل حالة ثقل وألم وبشكل دائم يتم تناوله بالسلبية، فهو لا يتناسب وطبيعة الإنسان التواقة للحرية والتمتع بالفضاء الرحب، فالجداران وما تسببه من ضيق على الجسد والنقس تكون بحد ذاتها مؤلمة ومؤذية، "اشهر طوية مضت على اعتقالي، مرت بطيئة مثقلة بالهوم، خلال هذه الفترة لم يسترع انتباهي أنني أعيش وحيدا في غرفة بحجم قفص أرانب نصفها مرحاض، كثافة نوبات التحقيق عزلتني في المحيط الذي أعيش فيه، بمجرد انتهاء جولة التحقيق كنت أغط في النوم دون أن أنظر حولي " ص26، ثلاثة عناصر تجتمع لإلحاق الأذى بالراوي، الوقت، المكان، المحقق، ولكل واحد منها دور وطريقة تؤذيه.
فالمكان يسهم/يشكل حالة ألم وضيق، ليس لأنه ضيق فقط، بل لعدم تناسبه/توافقه مع الحياة الإنسانية، يضاف إلى ضيقه أمور أخرى منها: "في تلك الغرفة المزودة بكل أسباب التعاسة أوبئة لا يعرفها الناس، حشرات تتخلق في ثنايا الحيطان الرطبة، عفن يتنامى على الأرض الباردة، طحالب تتدلى من السقف، روائح وألوان تنكرها الحواس، في هذه الغرفة فقدت حاسة اللمس، صارت كل الاشياء ذات ملمس لوج، حتى صرت أتجنب لمس الأشياء كي لا تلتصق بي، فقدت كذلك الإحساس بالألوانـ صورة المصباح الأصفر المنحس المغطى بندب براز الذباب تكاد لا تفرق ذهني" ص27، فقدان حواس اللمس، الشم، بشكل كامل، والبصر بشكل جزئي، كل هذا يجعل من المكان يسهم وبشكل فاعل ومؤثر في الأذى الذي يقع/الحاصل للراوي.
وإذا ما توقفنا قليلا عن تفاصيل المشهد نجد هناك "الطحالب وبراز الذباب" كتعبير يضاف إلى الاشمئزاز والضيق الذي يحصل للراوي، فذكر الحشرات والحيوانات غالبا ما يكون تعبيرا عن حالة عدم الانسجام مع الواقع/الظرف الذي يمر به الراوي.
الوقت والزمن
الوقت ايضا يمثل حالة ضغط تضاف على المعتقل، فهو يتماثل مع حالة الضغط التي يمارسها الجلاد، وهو مؤذي في حالة التعذيب وفي حالة انتظار الحرية، ففي كلتا الحالتين يكون ثقيلا وبليدا يأبى أن يتحرك، "مضت الليلة الأولى وئيدة، لم يواجهني أحد، ولم أعلم أنني نمت، وكانت ليلة باردة، وكانت الزنزانة مظلمة، وقد شوش الظلام مفهومي للزمن، فلم أعد أميز إن كانت الدنيا ليلا أم نهار" ص15،ارتباط الظلام بالوقت يشير إنهما يتوحدان ضد الراوي، فهما يعملان معا، ويسهمان في اختلاط/تشابك الوقت، بحيث لا يستطيع تحديده/ فهو مبهم، يزيد من فقدانه السيطرة/التركيز، ويجعله اقل قدرة على الصمود والثبات.
أما الزمن الذي يقضيه الراوي في المعتقل فهو أيضا زمن موحش وكسول، "على هذا النحو تعين علي أن أقضي ست سنوات في السجن، أحصيت المدة دقيقة دقيقة، في غرفة مظلمة يختلط فيها الليل بالنهار، لا أستدل على دخول نهار جديد إلا من خلال صياح ديكة يأتي من الأحياء البعيدة، مع إشراقة كل صباح كنت أخط على الجدار شرطة بظفري بانتظار الصباح التالي، وتطول تلك الرحلة الرهيبة" ص3، يصف لنا الراوي الزمن بهذا الثقل، فهو يتداخل مع بعضه البعض لولا سماع صوت الديكة، ولولا تلك الشرطة على الجدران، لكان الزمن مبهم تماما.
وفي مشهد أخر يتحالف الوقت والزمن معا ليكونا على الراوي، ويسهمان في إلحاق أكبر قدر من الأذى به: "مضت الأيام الأولى من كانون الثاني باردة بطيئة مثقلة بهموم التحقيق ومآسيه" ص33، في هذا المقطع يجمع اوقات التحقيق الصعبة بحيث أخذت صفة الزمن، وهنا تكمن صعوبتها وأثرها عليه، إذا عرفنا انها اقترنت بهذا الأمر، "وقد ازددت ضمورا لا يسبب البرد والجوع وحسب، بل بسبب الشعور الطاغي بالهجرة والقطيعة اللذين استبدا بي خلال تلك لأيام" ص33، كل عناصر الضغط حاضرة في المشهد السابق، المكان، لوقت والزمن، القطيعة عن الناس، ظرف التحقيق، وحالة البرد القارس، كل هذا يتكالب على الروي، فيا له من إنسان عظيم هذا الذي يصمد أمام كل هذه الأهوال.
التعذيب
موضوع التعذيب الذي يمارس في اقبية معتقلات الاحتلال من العناصر الاساسية في راوية السجن، فهو يمثل حالة الألم التي لا يمكن أن تمحى من الذاكرة، لما تخلفه من آثار ة جسدية ونفسية على المعتقل، "عبد القادر" يحدثنا عن هذا التعذيب قائلا: "فرب السيجارة من جلدي دون أن تلامسه فبدا لسع حرارتها يسري كلسع السياط، ... وهكذا تحول جلدي بين ليلة وضحاها إلى منفضة للسجائر، كان يدعك السيجارة تحت إبطي ويتركها تغوص تحت جلدي حتى أسمع طشيش الدهن على جمرها" ص20، بهذا المشهد يبن لنا الراوي قدرته على تحمل الألم وعلى صموده من جهة وعلى وحشية المحتل الذي يستخدم هذا الشكل من التعذيب من جهة أخرى.
تحدثت اكثر من رواية عن كيس الخش الغارق بالبول والذي يضعه المحقق على رأس المعتقل، فهذا الشكل من التعذيب يمارس في كافة معتقلات الاحتلال، وكأنه كتاب مقدس يرجع إليه المحقق عندما يجد المعتقل صامد أمام رهبة وطرق التعذيب الأخرى، "ـ أربطوه فقط رؤوس أصابع قدميه تلامس الأرض، وأغطوا رأسه بكيس نفايات.
مع ذلك الكيس المغمور بالروث تنبعث في لنفس كآبة وغثيان" ص22، اعتقد بأن هذا التوثيق لممارسات الاحتلال ضد المعتقلين لا بد أن تكون لنا مراجع يمكننا من خلالها أن نحاكم كل من مارس التحقيق في معتقلات الاحتلال، دون استثناء، فكل المحققين يعملون بهذا الشكل القاسي.
التعذيب بالآخرين
من الطرق الجهنمية التي يستخدمها لمحقق، تعذيب المعتقل بالآخرين، بمعنى أن يأتي بشخص يعذبه أمام المعتقل، أو ن يأتي بامرأة ويعريها أمام المعتقل كتعذيب لها وللمعتقل، وهو من أشد أنواع التعذيب التي تمارس على المعتقل، لما فيها من إثارة للمشاعر والاحساس الإنساني، لكن المحتل لا يتوانى عن استخدام كل ما يمكن أن يصله إلى الاعتراف المعتقل، "...مد أحدهم يده إليها فانتفضت مثل نمرة، قال كبير المحققين بلهجته الصارمة:
سوف أعريها الآن أمامك حتى تعترف، ...كان علي أن اختار بين أمرين أحلاهما مر" ص 31، هذا الشكل من التعذيب يؤكد حيوانية ووحشية المحتل، فهو يمارس شكل بربري من التعذيب ضد المعتقل، وفيه انتهاك للمفاهيم الإنسانية قبل أن يكون انتهاك للإنسان نفسه.
المحقق
اداة لتعذيب، مصدر التعذيب هو المحقق، فهو الخصم المباشر للمعتقل، وهو من يقوم بعملية التعذيب الجسدي والنفسي، وهو من أوجد المعقل في هذا لمكان المؤذي، وهو من جعل الوقت ثقيلا وبليدا على المعتقل، بمعنى آخر المحقق هو سبب كل المصائب التي تقع على المعتقل.
من هنا ستكون تصورته بشكل دائم صورة بشعة، خلقا وخلقا، بهو بعيد جدا عن الشكل الإنساني، "...ولا أدري كم من الوقت مضى عندما أنشق باب الزنزانة للمرة الأولى عن ذلك الوجه المرعب الذي اندمغت صورته في ذاكرتي إلى الأبد، وجهه صفيق سنجابي اللون كثير التجاعيد، رأسه منتوف مثل دجاجة مسلوقة، مرعب كالمسوخ، لدرجة أن وجه دراكولا يعتبر وجه أم رؤوم قياسا إلى وجهه، له عينان وقحتان تستبيحان كل المحرمات، أما يداه فجارحتان كالنصل لا تتقنان سوى لعبة واحدة هي العذيب" ص 15و16، إذن المحقق بهذا الوصف هو كائن غير بشري، وهو اقرب إلى وحوش الغابة التي لا تعرف من الاجتماع الإنساني شيء فلا شكله/هيئته ولا سلوكه/مهنته تقترب من السلوك/المهن الإنسانية، وبهذا يكون الراوي قد قدم لنا المحقق على حقيقته وبصورته الواقعية كما هي لا زيادة ولا نقصان فيها.
أما نفسية هذا الوحش، كيف يفكر، كيف يتصرف، يجبنا "عبد القادر" قائلا: "مخلوق تعس استبدل رأسه "ببستار" من حديد يقوده في ردها السجون، رجل مفتون بالألقاب، بهرج الرتب يؤجج شهوته المريضة، فغاص في أوحال الرذيلة باحثا عن مزيد من الشارات، رافعا شعاره القذر: كل من يدخل ضيافة سيمون يجب أن يضع كل ما لديه على الطاولة، حتى لو لم يكن لدية يعترف بع، التهمة جاهزة: التحريض، تهمة فضفاضة تدقع كل يوم العشرات من الفلسطينيين إلى السجون" ص24، بعد الحديث عن شكل وهيئة المحقق كان لا بد أن يتم الحديث عن طريقو سلوكه في الحياة، مع الآخرين، طريق تفكيره، رغباته، طموحه، فمن خلال الوصف السابق ينجده مريض نفسيا، يعاني من جنون العظمة، سادي، لا يهتم بالنواحي الإنسانية بتاتا، ويقوم بعمله كمكنة.
أثر الاعتقال والتعذيب
أمام هذه الأهوال التي يعرض لها المعتقل لا بد أن تترك آثار جسدية ونفسية عليه، فهو أولا وأخيرا كائن بشري يتأثر بالأحداث وبالمحيط الذي هو فيه، " في هذه الغرفة فقدت حاسة اللمس، صارت كل الاشياء ذات ملمس لوج، حتى صرت أتجنب لمس الأشياء كي لا تلتصق بي، فقدت كذلك الإحساس بالألوانـ صورة المصباح الأصفر المنحس المغطى بندب براز الذباب تكاد لا تفرق ذهني" ص27، بهذا الشكل يحدثنا الراوي عن الإنسان الكامن فيه، فقد تم محو اشياء اساسية منه، فقد عناصر مهمة وحيوية في الإنسان، حاسة اللمس، الشم وشيء من النظر.
إذا كان المشهد السابق تحدث عن الأثر الجسدي على المعتقل، فهناك أثر نفسي لا يقل ضرر عن الجسدي، والذي يمكن أن ينهي فاعلية المعتقل الاجتماعية تماما، بحيث يكون جثة حية، "... مددت يدي كي تشدني إليها فإذا بي أمسك فراغا، فراغا رهيبا وظلمة طاغية، كان السجن كبيرا، كبيرا جدا أكبر من كل المساحات التي حلقت في وهم سماواتها" ص74، قلب المكان الضيق إلى مكان بهذا الاتساع يؤكد عدم سوية|/منطقية المتحدث، فهو يتحدث بطريقة غير منطقية بالنسبة لنا، لكنها نابعة من العقل والمنطق بالنسبة لقائلها، فالمكان والزمان طرق التعذيب التي تعرض لها جعلت الأمور تأخذ هذا المنطق عنده، فحالته تماثل حالة الضحك في حالة المصيبة، فعل لا يتماثل مع الحالة، لكنه يشير في حقيقة الأمر إلى حجم هذا المأساة عند هذا الإنسان، وهذا ما فعله "عبد القادر" عندما قبل ضيق السجن إلى هذا الاتساع.
محاكم الاحتلال
العديد ممن كتبوا عن رواية السجن تحدثوا عن المحاكم، وما فيها من مهازل، فهي بصورتها تبدو محاكم، فيها القاضي والشهود والمدعي عالم والمحامي والمتهم والحضور، لكن في مضمونها هي اقرب إلى العروض المسرحية، حيث يكون هناك نص ملزم لكل ممثل عليه الالتزام به، وإلا لن يكون العمل المسرحي ناجح، هذا هي محاكم الاحتلال، من قوانين هذه المحاكم هذا القانون: "ـ إن قانون "تامير" الجديد يتيح للقاضي أن يصدر حكمه من دون الحاجة إلى اعتراف المتهم مكتفيا بشهادة الجنود" ص75، هل يوجد قانون يسمح بسجن الشخص، ويمكن أن يكون هذا السجن لأكثر من عشر سنوات دون وجود اعتراف من المتهم؟ أعتقد هو موجود في دولة الاحتلال فقط، فلها أن تسن وتعمل حسب ما تريد وحسب رغبتها ما دام لا يوجد من يحاسبها أو يحاكمها على جرائمها بحق الفلسطينيين.
ومن مهازل هذا المحاكم هيئة القاضي، فهو رجل قانون بامتياز! "... دخل القاضي قاعة المحكمة، كان يلبس بزة عسكرية، وفي حزامه العريض مسدس وأمشاط ذخيرة، وعلى كتفيه ترقد أوسمة ونياشين، كان وجهه الأحمر يذكرني بوجوده مصاصي الدماء في أفلام هوليود" ص88، إذا القاضي هو عسكري، يدخل إلى قاعة لمحكمة كما يدخل إلى ساحة لمعركة، سلاحه على جنبه، رتبه العسكرية على كتفيه، الأوسمة تزينه وتجعل له هيبة عن الجنود وعند العدو، فقد خاضع العديد من المعارك ولها حصل على هذه الاوسمة التي تظهر قدرته القتالية في المعارك.
الآخر الايجابي
ما يحسب للرواية السجن الفلسطيني أنها رغم الألم والعذاب والقهر الذي يقع على ابطال الرواية إلا أنها التزمت الحياد حين قدمت الآخر، فقدمته لنا على حقيقته، إن كان سلبيا أو ايجابيا، وهذه القدرة عند الرواة على تجردهم وحياديتهم تؤكد على الحالة الإنسانية التي يتمتعون بها، فلم يجعلهم التعذيب والسجن يفقدوا شيئا من هذه الإنسانية، من هنا وجدناهم يقدمون لنا أفراد واشخاص يتمتعون بإنسانية مطلقة عند الطرف الآخر، "جوركي" يمثل شخصية الإنسان الفنان الذي يرفض أن يكون وحشا يمارس سلوكا يتناقض مع مفاهيمه الإنسانية، من هنا وجدناه بهذا الوصف: "...ثم سألنيس أن كنت احتاج شيئا، كان وجهه أكثر إشراقا من ذب قبل، لكن سلوكه بدا لي غريبا بعض الشيء في أجواء معتقل غارق في آهات المعذبين ، قلت له جاهدا للتغليب على عسر مفرداته:
ـ بعض السجائر.
مد يده إلى جيبه وأخرج علبة السجائر وناولني إياها غير منقوصة، ثم أغلق الباب مخلفا وراءه صدى ابتسامة مرحة" ص51 و52، إذن بهذا المشهد يقوم الراوي بتأكيد إنسانيته من خلال عدم الانغماس كليا في مشهد العذاب والألم الذي وضعه فيه الجلاد، وتجاوزه كل آلامه وبقى متمسكا بإنسانيته. وهنا تكمن عظمة الراوي، الحفاظ على حياديته عندما يريد أن يقدم معلومة أو يسرد حدثا أو مشهدا ما.
هذا السلوك الغريب والمتناقض مع واقع الاعتقال والجلادين أثار حفيظة "عبد القادر" مما جعله يدخل في حوار مع "جوركي" حول الدوافع التي تجعله يقدم على خرق القوانين المتبعة في معتقلات الاحتلال:
"ـ لماذا تفعل كل ذلك من أجل شخص لا تعرفه تماما؟
ـ لأنني إنسان
عندها أدركت معنى أن يكون الإنسان فانيا، تحدثنا طويلا عن الفن والأدب وخلصنا إلى نتيجة أن الفنان الملتزم لا يمكن أن يكون شريرا بعكس السياسيين الذين ملأوا العالم بشرور سياستهم السقيمة" ص62، عدم اكتفاء الراوي بالمشهد السابق وتحدثه عن طريقة التفكير عند "جوركي" تؤكد على الانفتاح المطلق التي يتمتع به، فهو يريدنا أن نتأكد بأن الفنان/الأديب لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يكون جزء من الشر، يمارس م يتعارض مع مفاهيمه أو أخلاقه، فالحالة الإنسانية تجعله متمسك بما يحمله من أخلاق وفكر ويقدم وبصدر رحب على ممارسة دوره كإنسان بصرف النظر عن المكان أو الظرف الذي يكون فيه.
الحديث عن "جوركي" لا ينتهي عند هذا المشهد، بل يتوغل الراوي أكثر مؤكد بأن الإنسانية رابطة عظيمة، وتصلح لتكون جامعة لكل الناس بصرف النظر عن معتقدهم أو قوميتهم، فنجد "جوركي" بعد أن يعود إلى وطنه الذي جاء منه إلى أرض العذاب والقهر "إسرائيل" يراسل "عبد القادر" كتأكيد على العلاقة الوطيدة التي نشأت في مكان وظرف غير مناسب.
الحيوانات
غالبا ما يأتي ذكر الحيوانات والحشرات كتعبير عن حالة عدم الرضى والقرف والغضب التي يمر بها الراوي، فهي ملجأ للراوي يلجأ إليها ليصب من خلالها لجام غضبه على الواقع الذي يمر فيه، فالحيوانات تأتي في النص الروائي عندما تكون الشخصية المركزية تمر بحالة الضيق والألم، وهذا ما أكده "عبد القادر" بكل رواية "وجوه في درب الآلام": "...فأرتعش جزعا وجزعا، ولطالما زارتني في الليل أشباح المضي في هيئة مسوخ، قرود سوداء بأذناب ملتفة على بعضها في مشهد يذكرني دوما بعناق الأفاعي" ص3، نجد خالة الخوف تبعها ذكر للقرود والأفاعي، الأول يمثل البشاعة والمسخ، والثاني البشاعة والغدر والموت، فالمعقل يعيش هذه الظروف، ظرف قاسي ويتعرض لمعاملة بشعة من قبل محتل قذر وغدار.
"كان اليوم الأول في السجن هو الأصعب، شعرت دبيب النمل يتسلق جلدي، وأطبق التوتر على خناقي" ص21، المكان يفرض هيبته على الراوي ويجعله يشعر بهذا النمل الذي يتطفل على جسده ويجعله مضطرب وفي حالة غير طبيعية.
أما عن المخيم الذي لا يصلح للحياة البشرية، فهو أيضا شكل حالة ضغط على الراوي، من هنا وجدناه يتحدث عنه بهذا الشكل: "في خضم هذا القرف تهب في عفونة الأمسيات المزرية أرتال القوارض وكافة أصناف البعوض التي ثير في النفس الشعور بالخيبة، بعد هجوم قطعان لبعوض وما تتركه في النفس من كدر يأتي دور الكلاب الضالة والقطط الهائمة" ص5، إذن الحيوانات والحشرات تمثل حالة الضغط وعدم الرضا التي تفرض على شخوص الرواية، فمن خلالها يعمق الراوي مشهد المأساة/الغضب/الحنق الذي يمر فيه، وفي ذات الوقت يقدم مشهد غير مألوف، مشهد حيواني غير إنساني، مما يجعل المتلقي يشعر/يتفاعل مع الحدث.
إذا كانت المشاهد السابقة ناتجة عن أثر المكان على الراوي، فكيف يكون أثر الجلاد على الراوي؟ "...اقترب من خطوات وئيدة وعيناه مركزتان نحوي مثل نمر يعاين فريسته، تضاعف إحساسي بالقلق، نظرت إلى ذراعيه فإذا جلده حليق أملس مثل جلد كلب البحر" ص16، هذا الوصف يؤكد الربط بين حالة الضغط وحضور الحيوانات، فيجد من خلالها الراوي متنفس له وأداة يستطيع من خلالها أن يعبر عن واقعه القاسي والصعب.
الأم
وهناك استحضار آخر لكنه إنساني في حالات القسوة والضيق، فالعديد من الرواة يستحضرون الأم أو المرأة أو كلاهما وقت تعرضهم القسوة أو الشدة، لما لهما من أثر يخفف من حدة المشهد الذي يمرون فيه، فالأم بشكل شبه مطلق تقدم بصورة ايجابية، ونجد هذا الحضور في العديد من الروايات، فالأم تبقى الإنسان الأهم في حياتنا، إن كنا صغار أم كبار، "..فضربه الجندي بعصا حتى تكوم مثل كمشة ثياب، يومها كنت صغيرا، ارتعب لرؤية المشهد، قفزت إلى حجر أمي مرتعشا سألتها بكلمات دامعة تحمل من الخوف أكثر ما تحمل من هم السؤال:
ـ لم يضربون هؤلاء الرجال؟
لم تجب وكتفت بالقول:
ـ عندما تكبر ستعرف كل شيء " ص10، الام هي من يلجأ إليها في حالة الخوف ، وهي من يمتلك المعرفة لتجيب عن الأسئلة التي يفرضها الواقع على الطفل، لكن هل الأم تقتصر حضورها ودورها على هذا الأمر، أم أن لها دور آخر، دور غير لجوئنا إليها وقت الخوف؟.
يجيبنا الراوي من خلال هذه الصورة فيقول: "أحببت هذا الوطن ... في مفاتيح دارنا العتيقة المعلقة في حزام أمي منذ أربعين عاما" ص11، الأم هنا تحمل رمزية الثبات على الحق وعدم التفريض به، رغم مرور الزمن، ورغم الظرف البائس الذي يفرض هيبته عليها، فهي امرأة متمسكة بحقها ولهذا نجد مفتاح بيتها ما زال في مكانه، وكأنها في رحلة قصيرة/زيارة لإحدى الجارات ومن ثم ستعود إلى بيتها.
ويضاف إلى دور الأم قدرتها على الجلد وعدم إظهار جزعها أمام المحتل، فهي ترفض أن تظهر ضعفها، وكأنها قائد في الميدان يرفض أن يظهر ما به من ألم أمام الجنود، فعندما جاء جنود الاحتلال للقبض على "عبد القادر" كانت أمه بهذه الصورة: "..غير أن أمي منعت من وداعي وسمعت نحيبها المجروح من الركن القصي للغرفة المجاورة" ص13، بهذا المشهد ترتفع مكانة الأم الفلسطينية إلى مصاف العظماء الذي يقودوا المعارك ويتحملوا كل ويلاتها، فهي تتصرف و هي حريصة جدا على مشاعر ابنها، ولهذا وجدنها تحجم عن توديعه وهي تعلم بأنه ذاهب إلى الجحيم بعينه، إلى أقبية المعتقلات وما فيها من تعذيب وألم.
بعد هذا الحديث الواقعي عن حضور الأم يحدثنا الراوي عن حضورها الوهمي/الخيالي، حضورها غير ملموس على أرض الواقع، لكنه فاعل ومؤثر كما هو الحال أثناء وجودها كجسد وكروح.
يقدم لنا الراوي مشهد من اصعب مشاهد التعذيب الذي تعرب له، مما جعله يشعر بحالة ضعف كادت أن تسقطه أمام الجلاد، "...وربطي في عامود لنور ووقف ينتظر إعلان استسلامي.... شعرت بالموت يدنو مني مثل سحابة سوداء، في ذلك الفجر القاسي أسدلت جفني لأحضر كلمات اعترف تخفف من وقع هزيمتي، لأخفف عن نفسي وطأة إثم كان سيحل بي إلى الأبد.
حينها جاءتني أمي على عجل، تركب برقا يشق طريقه في السماء بين سحب من فراشات ثلجية، وقفت أمامي بهيبتها التي يستحيل تجنبها وبدأت تتحدث بصوت عذب رائق أثملني بدفئه، صرخت في إعياء لا حد له: أماه فكي قيدي" ص 23، هل هذا الأثر له تفسيرات مادية/جسدية، أم أنه مجرد وهم/خيالي ليس أكثر؟ اعتقد أن هذا الحضور للأم يشير إلى أنها حاضرة حتى في حالة غياب جسدها، فهي التي تنقذ الراوي أثناء الضعف، وتجعله يتماسك من خلال طيفها الذي أتى كملاك يركب السحب.
وإذا ما تأملنا الألفاظ التي استخدمها الراوي نجدها فيها العلو والسمو والبياض والطبيعة وكأنه تخلص/انتقل من مكان التعذيب إلى فضاء رحب وواسع وجميل، فنجد ألفاظ "برق يشق، السماء/السحب/ فراشات ثلجية/ عذب/ رائق/أثملني/بدفئه" هذا الأمر يشر إلى قدرة الام على نقل الراوي من عالم بائس إلى آخر رحب وبهي، فهي تمتلك قدرات خارقة تحول الأسود إلى أبيض.
المرأة
من العناصر التي تخفف حالات الضغط والقسوة، المرأة، فهي تسهم في رفع الثقل عن كاهل الرجل، لما تمتلكه من مؤثرات وحوافز جسدية/جمالية تجعله يشعر بالارتياح والسكينة، فهي تسهم في تشكيل حالة من الاتزان من خلال بث الأمل بالمستقبل، جسيدها/وجهها/عيناها/قوائمها، كل تثيره ايجابيا، وتجعله ينتقل من حالة البؤس إلى حالة من الأمل.
ننوه هنا إلا أن حضور المرأة/الحبيبة يكون بعد حصول الشخص على شيء من الراحة، وليس اثناء القسوة الشديدة، فتلك من مهام الأم، وهذا ما اشار له الراوي عندما حدثنا عن "فاطمة" محبوبته: " في تلك الليلية جاءت معذبتي بعد غيبة طويلة، كان وجهها ندي مثل وجه الأرض المعشوشب تضع على رأسها تاجا من نوار اللوز بدا في انسجام كامل مع ثوبها الأبيض الذي يشف عن نهدين نافرين، دخلت الزنزانة فهبت رياح خفيفة بددت الرطوبة الخانقة" ص71 و72، هل هذا تخيل أم واقع، اعتقد بما أن الراوي انتق من حالة سيئة إلى أخرى جيدة فهذا بالنسبة له واقع، ولهذا نجده يستخدم ألفاظ ناعمة "وجهها ندي/لأرض المعشوشب/نوار اللوز/ثوبها الأبيض/نهدين نافرين/ريح فخيفة" إذن اللغة تعكس الأثر الذي خلقته المرأة على الراوي، وهذا الأثر مفرح له وللمتلقي، الذي يخرج من أورقة السجن وعفانة الجداران إلى هذا العالم الفسيح والجميل.
الصور الفنية
قدرة الراوي على التصوير تسهم في تقدم/اعجاب المتلقي بالنص، فالتصوير الفني يمثل فاكهة في العمل الأدبي، لما له من أثر جمالي، وإذا ما تتبعنا ما كتبة "مشهور البطران" من روايات نجده متخصص في استخدام الصور الفنية خاصة عندما يكون الحدث/الشخصية تمر بأزمة قاسية، فمن خلال هذا التصوير يخفف من حدية المشهد على المتلقي ويجعله مستصاغ رغم ما فيه من قسوة وألم، وهنا يكمن ابداع، عدم جعل النص قاتم تماما، فمن خلال التصوير الفني يكون هناك شيء من الجمال يسهم في الخروج من منطقة السواد ولو مؤقتا.
المكان، المعتقل قاسي ومخيف، لكنه أدبيا جاء جميلا ومبهرا، " رأيت دوني السجن، مقرا رحيبا وكئيبا يبدو مثل سفينة راسية في بحر بلا روافد، يعوم على آهات المعذبين شوقا واحتراقا، رأيت سجينا عاريا مربوطا على السياج دامي الجفنين ينظر نحو مطلع الشمس ويغني للرياح الحاملات وعود البشارة والفرح، طارت بنا الغمامة على طول البلاد وعرضها، رأيت أشياء كثيرة" ص72، يكمن ابداع الراو ي في الانتقال من الجداران وما فيها من عذاب إلى عالم الطبيعية وما فيه من جمال وبهاء.
فحتى عندما أراد الراوي أن يتحدث عن بشاعة المحقق قدم لنا صورته بشكل فني: "في هذه الأثناء اشتد أوار الريح في الخارج فيما كانت عيناه تثقبان وجهي، فجأة اقترب مني كأنه جمل هائج، بدا لي وجهه المشوه مثل خربة مهجورة" ص16، اعتقد بأن هذه الشكل من الصور يسهم في تخفيف من قسوة النص والمشهد، ويجعل الحدث مقبولا برغم سلبياته.
وعندما يأتي المحقق بالمرأة التي يريد أن يعريها أمام "عبد القادر" قدم لنا مشاعره بهذا الشكل: "...ثم صرخت في وجهي محذرة: إياك أن تعترف.
كانت صرخاتها عنيفة بتجمع بين الحب والغضب، شعرت بثقل الضمير يحبس أنفاسي، أغمضت عيني ولم أعد أسمع إلا أنبنها الخامد يثير عاصفة في دمي، وأحسست وخزا في قلبي، وطعما علقما في فمي" ص31، مشهد قاسي ومؤذي ليس للراوي وحسب بل للمتلقي أيضا، ورغم هذه القسوة إلا أن طريقة تقديمه كانت فها ابداع وتألق وهذا ما خفف من حدة المشهد على المتلقي.؟
وعندما يصف لنا اراوي حالة "رؤوف" الذي تعرض للتعذيب حتى الموت يقول: "فقد كان المريض يرتجف كشجرة على الشاطئ" ص66،
وقدم لنا مشهد الجنازة بهذا الوصف: "... وقد راعهم كيف كان الجثمان عاريا منصهرا على أحقاده المكبوتة قابضا بطواحينه القوية على محرار موته" ص70، اعطاء الميت اعمال الأحياء يعد تجاوزا للمألوف، وهنا يكمن تألق الراوي الذي قديم مشهد الجنازة إلى فعل حي ومؤثر.
وهناك استخدام فني جاء عندما بزغ الأمل من بعد اليأس، فيصور لنا "جوركي" الجندي الإنسان بهذا الشكل: "بدا لي مثل زهرة ذابلة اقتلعت من أرض خصبة وزرعت في أرض يباب" ص51.
ومن المشاهد الرائعة وصف عملية حرق الكتب من قبل جنود الاحتلال، والتي جاءت بهذا الصورة: "كنت اراقب احتراق الكتب وأنا احترق معها، أحسست ضرام القصائد يشرئب في بدني، وغشتني ساحبة من رماد الكلمات المتفحمة، كان لكل كتاب حياته الخاصة، الكتب تفحمت وبقيت حيواتها تمور في اعماقي" ص13، من اهم المشاهد التي تربط القارئ بالكتاب، فالكتاب كائن حي كما هو الإنسان، ولا يمكن التعامل معه كجماد من قبل القارئ، لما يتركه فيه من أثر وفكرة ومشاعر.
الحكم
الحكم تمثل خلاصة تجربة رؤية الراوي للحياة، للأحداث الروائية، فمن خلالها يعبر عما اختزنته الذاكرة من أفكار يقدمها لنا بشكل بكلمات مختزلة ومكثفة، "لا يفغر الخطايا الجسام إلا الموت" ص 41، كلمات جاءت على لسان عاطف الذي تعامل مع المحتل في انتزاع الاعترافات من المعتقلين/ وجد بالموت تظهير للجسد وللروح من الآثام التي علقت به.
"الفنان الملتزم لا يمكن أن يكون شريرا" ص62، جاءت على لسان "جوركي" افنان الذي اجبرته الظروف على التواجد في المعتق. فاستعان بمفهومة للفن لكي يتخلص من دوره كجلاد.
"عندما لا كون الجسم قادرا على تحمل الألم تصبح الغيبوبة ملاك الرحمة" ص82، جاءت على لسان "عبد القادر" عندما تعرض لهجوم عملاء المحتل "العصافير" الكي يعرفوا إلى أي تنظيم ينتمي.
"واقتنعت أن العزلة عن البشر هي أشد أنواع العذاب فتكا بالإنسان" ص28، جاءت على لسان "عبد القادر" بعد أن وضع في السجن.
" ـ يا أخي كيف تريد لأمة أن تنتصر وهي مدججة بكل أسباب الهزيمة" ص108، جاءت على لسان "سعيد الأعرج" كتحليل لما جرى من احتلال اميركي للعراق.
"أن الحب والمرأة والفكر منظومة تشبه المثلث المتساوي الأضلاع، إذا عاب منها ضلع تشوه باقي عناصر المنظومة" ص117. رؤية "خالد الصواف" عن الحياة.
الرواية من منشورات دار البيان، بيت لحم، فلسطين، الطبعة الأولى 2002.