عاشت دولة المواطنة المصرية

سمير أمين
2016 / 12 / 25


أثارت مجزرة الكاتدرائية القبطية فى يوم 10/12/2016 استنكارًا صارمًا من قبل الجميع – أو يكاد – فى المجتمع المصرى. فاشترك فى الإدانة متدينون مسلمون وأقباط على قدم المساواة إلى جانب شخصيات أبعد عن التدين. وفى خلال العقود الأخيرة تتابعت دون انقطاع اعتداءات اجرامية على كنائس ومحلات يملكها أقباط وأفراد عائلتهم، لاسيما فى صعيد مصر.

لذلك أصبح من الواجب إشهار مبادىء المواطنة المطلوبة لبناء مجتمع حديث متحضر.

تقوم الديمقراطية الصحيحة على مبدأ المواطنة. فلا يقر الفكر المتحضر الحديث انقسام المجتمع إلى “أغلبية” و «أقليات»، عدا فى الرأى. علمًا بأن الرأى قابل للتطور والتغيير، حيث إن أقلية اليوم يمكنها أن تصبح أغلبية الغد. فلا يقر المجتمع المتحضر مفهوم الانتماء بالتوريث.

تقوم الهوية الذاتية للإنسان الحديث المتحضر على تبنيه قناعات شخصية، وليس على قناعات “جماعية” مفروضة عليه فرضًا بمنهج أو آخر ويمثل التدين المحتمل للبعض وجها من أوجه هذه الهوية المركبة. فهو تدين ينبع عن قناعة فردية شخصية. ولا يختلف مقام هذا الوجه من الإشكالية عن الأوجه الأخرى المحددة للشخصية، أكانت تخص الانتماء الاجتماعى الطبقى أم الآراء الفلسفية أو السياسية. بحيث أن دولة المواطنة تحترم هذة القناعات المتباينة على قدم المساواة وتضمن حرية التعبير عنها. فالدولة الديمقراطية تقبل ألوان التدين – من التشدد إلى التخفيف أو حتى غيابه – كما تقبل الآراء السياسية المختلفة – المحافظة والتطويرية – على تباين التعبير عنهما. تنتمى المشاركة الجماعية الموروثة إلى أزمنة غابرة، تجاوزها المجتمع المصرى منذ آلاف الأعوام على خلاف مجتمع نجد مثلا فى الجزيرة العربية، وهو مجتمع قائم إلى يومنا هذا على القبائلية. فالإنسان هناك ينتمى بالضرورة إلى قبيلة من قبائل الجزيرة. وكما أن الانتماء القبائلى يُفرض فرضًا بالتوريث فإن مفهوم الاسلام يتقلص هو الآخر إلى مفهوم موروث، ليس مفهومًا نابعًا عن قناعة فردية. وتمثل السلفية هذا الخلط والجمع بين التوريث القبائلى والتوريث المذهبى. بيد أن هذا المفهوم الخاص والقاصر للإسلام لم يكن يومًا ما مفهومنا المصرى المتحضر.

نعم، نفتخر نحن المصريين بقدم حضارتنا. نحن جميعًا أولاد ذرية قدماء المصريين، أولاد مصر القبطية، أولاد مصر العربية الإسلامية. ولذلك لايمثل الأقباط «أقلية» بل عنصر مكونً للذاتية الوطنية المصرية العربية الحديثة المشتركة. فمقام الأقباط هو مقام المسلمين فى بلورة الوطن المشترك، وليس أقل.

نادت ثورة 1919 المجيدة بمبدأ المواطنة المصرية، بقولها المشهور «الدين لله»، الوطن للجميع». فبادرت الدولة المصرية الحديثة النابعة عن هذه الثورة الوطنية فى بناء مؤسسات دولة المواطنة فى مواجهة تحديات العصر. فكرست إرادتها الحازمة فى التحرير الوطنى وإنهاء سيادة الإمبريالية على البلاد. وشارك كبار مفكرى هذه الحقبة المجيدة فى تاريخنا – مثل على عبدالرازق وطه حسين وغيرهما – فى تكوين هذه الهوية المصرية المتحضرة المتجددة القادرة على الانتصار فى مواجهة تقلبات العصر. ففرض هؤلاء احترام سيادة مصر المستقلة على الصعيد العالمى. ثم تلت حقبة الناصرية لتكريس هذه المبادىء ودفع المجتمع المصرى إلى الأمام.

ظهرت منظمة الإخوان المسلمين بالتحديد لمقاومة تحرير وتقدم مصر. فتحالفت المنظمة مع نظام الملك فؤاد الرجعى والتابع ومع المفوضية البريطانية التى كانت تتحكم فى يوميات السياسة المصرية. وتبنت المنظمة نظرة سلفية ظلامية تناسب تمامًا أهداف الإمبريالية والرجعية المحلية الحليفة لها، حيث إن هذه السلفية قد حالت دون إنجاز نهضة مصر.

وتعبر كتابات سيد قطب التى دعت إلى العودة للمفهوم السلفى المعنى والموروث من عصور الانحطاط عن هذه الردة الفكرية ففتحت سبيل غزو الفكر السلفى، الذى أخذ بدوره يغذى المذاهب الجهادية المزعومة والإرهابية فى واقع أمرها.

كانت مصر قد حققت انجازات ظاهرة فى سبيل بناء دولة المواطنة المستقلة، وذلك خلال نصف القرن الممتد من عام 1920 إلى عام 1970. ثم انقلب اتجاه التطور انطلاقًا من تولى الرئيس السادات زمام الحكم عام 1970. فأعلن السادات إرادته فى التخلص من نمط الناصرية ولاسيما من ميولها الاشتراكية. وطلب مساندة الولايات المتحدة ودول الخليج والإسلام السياسى الرجعى التابع لها من أجل تحقيق أهدافه.

وقد ترتب على هذا الانقلاب:

أولاً : قبول حكومات مصر المتتالية مبادىء العولمة الليبرالية المنفلتة بما ترتب على ذلك من تدهور فى أحوال الأغلبية الساحقة المكونة من الطبقات العاملة والمنتجة.

ثانياً : إخضاع سياسة مصر الخارجية لمقتضيات تكريس سيادة الولايات المتحدة واسرائيل ودول الخليج فى الإقليم، وبالتالى تحويل مصر إلى مقام دولة تستجدى المعونة المالية الخارجية لمجرد البقاء على قيد الحياة.

ثالثا : فتح السبيل لتوغل أنشطة الإخوان وغيرهم من التيارات السلفية المرجعية واستيلائها على أجهزة التعليم والإعلام وتغلغلها فى صفوف أجهزة الأمن، الأمر الذى يفسر بدوره فشلها فى مطاردة المعتدين على الأقباط على سبيل المثال لا الحصر.

رابعا : فتح الباب لقيام أجهزة أجنبية – أمريكية وإسرائيلية وخليجية – بمناورات تسعى إلى هدم مؤسسات دولة مصر الحديثة، وجعلها فاقدة القوة فى مواجهة تحديات العصر.

ما العمل المطلوب فى هذه الظروف؟

يبدو أن نظم الحكم المتتالية منذ عام 1970 لم تدرك بعد خطورة التحدى. بدليل أنها تستمر فى ملاطفة الفكر السلفى، وهو مصدر تدهور وضع مصر وطنيًا واقليميًا وعالميًا. فالإخوان وغيرهم من السلفيين لم يتنازلوا بعد عن مشروعهم، وهو انفرادهم فى مزاولة السلطة المطلقة. علمًا بأن السلطة كلما كانت معادية لمشروع دولة المواطنة المستقلة الحديثة – تمثل أفضل الوسائل من أجل ضمان تحقيق أهداف الإمبريالية، ألا وهى تحويل مصر إلى شبه مستعمرة عاجزة فى مواجهة تحديات العولمة الإمبريالية.

وخلاصة القول إن التحدى يتطلب شجاعة فى مواجهة الفكر الظلامى وممارساته الإرهابية. الأمر الذى يتطلب بدوره العودة فى سبيل إعادة بناء دولة المواطنة المستقلة وليس أقل.