السعودية: العمالة الأجنبية كبش فداء الأزمة المالية!

ناجح العبيدي
2016 / 12 / 25

السعودية: العمالة الأجنبية كبش فداء الأزمة المالية!

وسط التطبيل والتزمير اللذين رافقا الإعلان عن ميزانية المملكة العربية السعودية 2017 قبل ثلاثة أيام لم تنل تبعات هذه الميزانية وإجراءاتها التقشفية على العمالة الأجنبية في المملكة المحافظة اهتمام المراقبين والخبراء. فأية قراءة أولية للتدابير الرامية إلى ترشيد الإنفاق وتعظيم الإيرادات تشير بوضوح إلى أن ملايين المقيمين غير السعوديين (أو الوافدون بحسب المصطلح السعودي) مقبلون على أوقات صعبة ستجعل من أوضاعهم أكثر سوءاً مما هي عليه الآن. بل ويمكن أن يتحول العمال الهنود والبنغال والباكستانيون والمصريون وغيرهم إلى كبش فداء للأزمة المالية الخانقة التي يعاني منها الاقتصاد السعودي منذ منتصف عام 2014 جراء انهيار أسعار النفط.
صحيح أن القيادة السعودية وعلى رأسها ولي ولي العهد محمد بن سلمان أصبحت مقتنعة بأن تجاوز الأزمة يتطلب إصلاحات جذرية في السياسية الاقتصادية، وبما فيها محاربة مظاهر التبذير وتخفيض الدعم للكهرباء والماء وتصحيح أسعار الوقود وفرض ضرائب ورسوم جديدة والسعي لتقليص الاعتماد الوحيد الجانب على النفط. بيد أن العائلة المالكة تدرك أيضا بأن الأعباء الاجتماعية لهذه الإجراءات التقشفية ستؤثر مباشرة على مستوى معيشة ملايين المواطنين من الفئات الفقيرة وذات الدخل المحدود، الأمر قد يهيأ أرضية مناسبة لاندلاع احتجاجات اجتماعية خطيرة قد تهز استقرار الممكلة الهش. ولهذا تسعى القيادة السعودية إلى إجبار العمالة الأجنبية على دفع ثمن هذه الإصلاحات وتحميلها أعباء لا تتناسب مع دورها الهام في الحياة الاقتصادية في هذه الدولة الريعية التي طالما اعتمدت على العمالة الوافدة في القيام بالأعمال والمهن الصعبة والشاقة التي كانت أغلبية السعوديين تنظر إليها بنوع من الاحتقار. ويقدر عدد الأجانب في المملكة بأكثر من 10 ملايين نسمة، أي ثلث عدد السكان، من بينهم بحسب بيانات منظمة العمل الدولية أكثر من 9 ملايين قدموا من دول آسيوية وفي مقدمتها الهند وباكستان وبنغلاديش والفلبين. ويبدو أن السعودية تريد الآن التخلص من قسم كبير منهم وإجبارهم بشكل مباشر أو غير مباشر على العودة إلى بلدانهم.
من أهم إجراءات الميزانية الجديدة هي فرض رسوم على العمالة الوافدة والتي ستطبق بدءأ من عام 2017. ومن الملفت للنظر بأن هذه الرسوم تصاعدية وتزداد من سنة إلى أخرى. ومن المقرر أن تصل في عام 2020 إلى 800 ريال شهريا عن كل عامل أجنبي. ولم يكتف صاحب القرار السعودي بذلك بل فرض أيضا رسوما شهرية باهضة على ما يدعى بالمرافقين والمرافقات، أي عائلة العامل الأجنبي. وترمي القيادة السعودية من وراء ذلك إلى صيد عصفورين بحجر. فهي تأمل أولا بزيادة الايرادات غير النفطية. وبحسب الخطط السعودية فإن وزراة المالية تتوقع جباية 65 مليار ريال (أي أكثر من 17 مليار دولار) في عام 2020 من هذه الرسوم. وبهذا تُطبق السعودية شعار تنويع مصادر الدخل، ولكن عبر استنزاف جيوب العمال الأجانب واستقطاع جزء كبير من دخلهم الذي يحصلون عليه بشق الأنفس . من جهة أخرى تعول العائلة المالكة على هذا الاجراءات في المضي قدما في ما يدعى بعملية السعودة، أي إحلال الأيدي العاملة السعودية محل الأجنبية، لا سيما وأن المملكة الثرية تعاني من بطالة كبيرة وسط الشباب تصل بحسب التقديرات إلى 30%.
بيد أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكا سافرا لمبدأ المساواة ولحقوق الإنسان وتتعارض مع كافة الاتفاقيات واللوائح الدولية ومن ضمنها معايير منظمة العمل الدولية. فهي تنطوي على تمييز واضح يقوم على الجنسية. وتأتي رسوم العمالة الوافدة لتشكل رافدا جديدا لاستغلال العمال الأجانب الذين يعانون أصلا من استلاب حقوقهم الفردية والاجتماعية والاقتصادية. وتجدر الإشارة هنا إلى استمرار العمل بما يدعى بنظام الكفالة والذي يكرس علاقة تبعية خالصة بين العامل الأجنبي والكفيل السعودي. وليس من المبالغة القول بإن مبدأ الكفالة يعتبر امتدادا لنظام الموالي الذي اعتمد في علاقة القبائل العربية البدوية مع "حلفائها" من غير العرب في العهود السابقة. ومن الواضح أن هذه العلاقة غيرالمتكافئة تقوم في أغلب الأحوال على الاحتقار والذل والقهر والاستغلال، بل وتصل أحيانا إلى العبودية. وهذا الوصف ينطبق بالتأكيد على مئات الآلاف من العاملات المنزليات أو ما يدعى بالخادمات من أندونيسيا والفلبين واثيوبيا وغيرها. من جهة أخرى بقيت دعوات ولي ولي العهد باستحداث ما يشبه "غرين كارد" لتنظيم تشغيل العمالة الوافدة مجرد وعود لم تجد طريقها إلى التطبيق.
وكان العمال الأجانب أول من شعر بتبعات الأزمة المالية. فقد تم تسريح عشرات الآلاف منهم وترحيلهم بالقوة من السعودية ضمن إجراءات تعسفية وفي ظل حرمان واضح من أبسط الحقوق. ولا يزال الكثير من العمال الهنود والبنغال والباكستايين والفلبينيين ينتظرون منذ أشهر طويلة استلام رواتبهم المستحقة. وبرزت هذه المشكلة بعد توقف الحكومة السعودية عن دفع التزاماتها المالية تجاه الكثير من المؤسسات والشركات الخاصة بسبب أزمة السيولة.
أما الإجراء الجديد الأكثر إيلاما للعمالة الأجنبية فيتمثل في فرض ضريبة على التحويلات الخارجية. وتهدف السعودية من وراء ذلك إلى تخفيف الضغوط عن ميزان مدفوعاتها الذي يعاني منذ عام 2014 من عجز كبير. وتشير بيانات منطمة العمل الدولية إلى أن العمال الأجانب في دول الخليج حولوا في عام 2014 قرابة 109 مليار دولار. ويحاول الجانب السعودي تبرير هذه الإجراء المجحف بالقول بإنه يهدف لتشجيع العمال الوافدين على استثمار مدخراتهم داخل السعودية. وهو تبرير يخلو من أي منطق نظرا لأن الجزء الأعظم من هذه التحويلات هو مخصص لإعالة عوائل العمال الأجانب في بلدانهم ولتوفير الحد الأدنى من متطلبات المعيشة لها وليس للاستثمار أو الادخار. بل وتعتبر هذه التحويلات الغاية الأولى من وراء مجيء هؤلاء العمال إلى السعودية وتحملهم ظروف العمل الصعبة. فمن الواضح أن الجزء الأعظم منهم لم يأت إلى السعودية حبا في الحياة في مجتمع منغلق ويفتقر لأبسط الحريات ويخضع لقيود دينية واجتماعية ليس لها مثيل في بقية أنحاء العالم.
من جانب آخر يتعارض فرض رسوم على التحويلات الخارجية مع مبادئ اقتصاد السوق الذي يدعي مروجو الإصلاحات الجديدة الالتزام بها والسعي لتطبيقها في مشروع تحديث الاقتصاد السعودي. من جهة أخرى يُتوقع أيضا أن يؤثر هذا الإجراء على الوضع الاقتصادي لدول المنشأ التي تعتمد في كثير من الأحيان على تحويلات المغتربين.
من الغريب حقا أن تطال إجراءات التقشف العمالة الأجنبية بهذه الشدة، بينما تبقى مجالات أخرى خارج نطاق اهتمام صانع القرار السعودي رغم أن مجال المناورة فيها أكبر. وتجدر الإشارة هنا إلى النفقات العسكرية والأمنية التي تصل بحسب بيانات وزارة المالية السعودية إلى نحو 300 مليار ريال (80 مليار دولار)، و تلتهم بالتالي ثلث ميزانية عام 2017. من جانبه يُقدر معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (سيري) النفقات العسكرية للمملكة العربية السعودية في عام 2016 بأكثر من 87 مليار دولار ما يعني أنها تأتي في المرتبة الثالثة في العالم من حيث حجم الإنفاق العسكري بعد الولايات المتحدة الأمريكية والصين وقبل روسيا ، القوة العسكرية العظمى الثانية، التي تكتفي باحتلال المركز الرابع.
أما الامتيازات المالية للعائلة المالكة التي تضم الآلاف من الأمراء والأميرات فتبقى في علم الغيب وسرا من أسرار الدولة لن يتجرأ أحد على طرحه للنقاش رغم تبجح الإعلام الممول سعوديا في الحديث عن الشفافية أثناء الإعلان عن الميزانية السعودية لعام 2017.

د. ناجح العبيدي
25/12/2016