19 الإشكال الأخير على أدلة وجود الخالق والخلاصة

ضياء الشكرجي
2016 / 12 / 24

19
بعدما تناولت الإشكالات الثلاثة على أدلة وجود الخالق، وهي غياب العدالة في هذه الحياة، وعدم وجود تفسير مقنع لما يسمى بالشرور، وعدم جعل الله طريقا ميسرا للإنسان لمعرفته والإيمان به، عدم تدخله في دحض التقول عليه وادعاء النطق باسمه والتشريع إيجابا وتحريما وإباحة نيابة عنه من قبل الأديان والمدعين للنبوة أو المعتقد بنبوتهم، أحاول مناقشة الإشكال الرابع، المتعلق بأزلية الخالق، واللابداية واللاعلة لوجوده.
رابعا: إشكالية أزلية الخالق واللابداية واللاعلة لوجوده:
هنا دعوني أستقطع مقطعا مما ناقشته في كتابي الأول من «كتب لاهوت التنزيه» في نقد الدين، ألا هو كتاب «الله من أسر الدين إلى فضاءات العقل»، وذلك تحت عنوان «الثغرة في أدلة كل من الإلهيين والماديين»، حیث کتبت الآتي: بالرغم من أن أدلة واجب الوجود - على حد تقديري - من المتانة، ما يصعب - ولا أقول يمتنع - دحضها بأدلة ناقضة لها، تبقى ربما هناك ثغرة إما في النظرية، وإما في الإدراك الإنساني. فدليل واجب الوجود، بعدما يورد دليل العلية، ودليل استحالة التسلسل، لينتهي بجواب ألّا بد من علة أولى مستغنية عن العلة، كونها واجبة الوجود، لأن الحاجة إلى العلة مقتصر على الوجودات الممكنة وحسب، مع هذا يستعصي على الإدراك الإنساني تصور اللابداية (الأزلية)، بعكس إمكان تصور اللانهاية (الأبدية)، الذي يسهل على الإنسان تصورها نسبيا. لأننا يمكن أن نتصور شيئا ينبعث في لحظة تقع على خط الزمن فيكون حادثا (أي عكس الأزلي)، ولكن يحمل معه شروط البقاء الأبدي، أو بتعبير آخر لا يحمل أسباب الفناء. ولكن أن يكون وجود أو كيان ما منوجدا أو كائنا منذ الأزل ومن غير علة، فهو ما يعجز الإنسان عن تصوره، ومن هنا نسمع دائما سؤال الأطفال البريء والبسيط، لكن المنطقي والفلسفي العميق، ألا هو «والله؟ من الذي خلقه؟»، ولطالما وقفنا كآباء وأمهات أو مربين مؤمنين حائرين أمام هذا السؤال، لا نعرف كيف نجيب عليه، ليس فقط لأنه من الصعوبة إيصال الجواب إلى الأطفال بشكل مفهوم لعقولهم، بل لأننا فعلا لا نعرف كيف نجيب. ولعلي أقول إن سبب كون تصور الإنسان للّانهاية (الأبدية) مع صعوبته أسهل عليه من تصوره للّابداية (الأزلية)، بسبب أنه وكل ما حوله من وجودات، إنما هي وجودات حادثة في نقطة على خط الزمن، مما يجعله عاجزا عن تصور وجود غير حادث في لحظة انبعاث من العدم إلى الوجود، بل أزلي ليس ذا بداية. أما كونه أقدر على تصور اللانهاية، فأولا لأن أي شيء عندما ينوجد ويمتد وجوده في خط الزمن، فيمتد وجود بعض الوجودات طويلا نسبيا، وبعضها الآخر أطول، فأطول، وهكذا، من هنا يمكن تصور الامتداد الزمني المابعدي، أي إلى الأمام امتدادا لامحدودا، رغم عدم إمكان تصور الامتداد الزمني الماقبلي، أي إلى الخلف امتدادا لامحدودا. وهناك عامل آخر يجعل الإنسان أقدر على تصور اللّانهاية (الأبدية) أكثر من تصور اللّابداية (الأزلية)، ألا هو غريزة حب البقاء التي تجعله يتطلع إلى لانهائية الوجود، وجوده الذاتي هو، وتمنيه ألا تكون هناك ثمة نقطة على خط زمنه تمثل النهاية لذلك الخط، هذه الغريزة التي لا تغير من حقيقتها الحالات الاستثنائية لتمني الموت انتحارا، أو تخلصا من مرض وشيخوخة مرهقة، أو تضحية من أجل بقاء ما هو أثمن عنده من وجوده، أو تطلعا إلى وجود أكمل وأجمل وأسعد وأبقى، ألا هو الوجود الأخروي في نعيم وخلود. نرجع إلى إشكالية الدليل على وجود واجب الوجود وأزليته، فيما يشكل ثغرة بسبب محدودية الإدراك الإنساني، فأقول إن هذه الثغرة الاستدلالية، الناتجة ربما عن عجز أو محدودية الخيال البشري، لا تقلل مع هذا من اليقين أو مقاربة اليقين لصحة دليل واجب الوجود، لأن الثغرة أو الثغرات التي تنطوي عليها النظرية المادية اللّاإلهية أشد لامعقولية بكثير، فهي تنتهي أيضا إلى نقطة لا يعرف مريدوها - في نظري - ما كان قبلها، بحيث لا يجيبون السائلين على سؤال من الذي أوجد المادة الأولى، أو الطاقة الأولى، مع فرض القول بأصالة الطاقة بدلا من أصالة المادة، وأن الطاقة استحالت مادة. ولا يبقى من خالق إذن لدى المادية إلا أصالة ثمة منفعل وثمة فاعل؛ المنفعل هو المادة أو الطاقة أو الطبيعة، والفاعل هو الصدفة، فسبحانها وتعالت من صدفة قديرة عليمة مريدة حكيمة، وإن كانوا لا يقولون بالصدفة، لكني أراها عندها نتيجة حتمية، وإلم يعترف بها. وقديما قلت لنسلم بكون دعوى الوجود الأزلي للعلة الأولى واجبة الوجود تمثل خرافة، فإن القول بخالقية الصدفة خرافة هي الأخرى، فلنسأل أنفسنا عندها ونحن نواجه الخرافتين، أي الخرافتين يا ترى أشد خرافة، وأيهما أقرب إلى قبول العقل بها، وإن كان ثمة سؤال يبقى بلا جواب. ومع هذا حاولت أن أفكر بكيفية الإجابة على سؤال الأطفال التقليدي «ومن الذي خلق الله إذن؟»، والذي هو في الواقع سؤالنا نحن الكبار، ولكننا نكابر وننسبه للأطفال، فأقول لنساير العقل الطفولي (أو المنطق الطفولي) فينا مع سؤاله هذا، فنقول، حسنا إن هذا الخالق المبدع القدير الحكيم العليم يحتاج إلى من يخلقه. فيُرَدّ على ذلك بردّين، هو إن افتراض وجود خالق للخالق سيجرنا إلى وجود خالق لخالق الخالق، وهذا يتسلسل إلى ما لا نهاية له في سلسلة العلل التي لا بداية لها، وهذا يعني الإقرار بتسلسل العلل اللامتناهي الممتنع عقلا، لأنه إذا صح لم يكن سيكون هناك أي وجود، بينما علمنا بالوجود لا شك فيه، لأننا نعيشه، وبالتالي هو ليس من العلم الحصولي، بل من العلم الحضوري، وبالتالي البديهي. أما الرد الثاني، هو أن خالق الخالق إذا كان بإمكانه أن يخلق خالقا يخلق كل هذه الأكوان، فمن قبيل الأولى أن يكون قادرا على المباشرة بنفسه في خلقها. وبالتالي ينحصر تفسير علة الوجود في واجب الوجود سبحانه. ولا أنفي إمكان وجود إجابات لبعض المفكرين الماديين قد تشعر إجابتي الباحثة عن جواب بالوهن أمامها، دون أن تنهار.
بعدما عرضت أهم الإشكالات على فرضية وجود الله، وأقول فرضية، رغم أنها تمثل بالنسبة لي حقيقة، ولكنها تمثل بالنسبة للملحدين وهما، من هنا ومن أجل أن أطرح الموضوع بطريقة حيادية، أقول إنها فرضية، حاولت كما مر آنفا عرض الإشكالات أو أهم أسباب التشكيك بصدقها، أحاول هنا أن أبين، لا من أجل إقناع غير المؤمنين بوجود الله، أو المؤمنين بعدم وجوده بشكل قطعي، بقدر ما أريد أن يفهموا مبررات إيمان المؤمنين العقليين به. هنا لا أريد أن أعيد ما طرحته سابقا من قانون العلية وامتناع تسلسل العلل إلى ما لا نهاية، واستحالة الصدفة، وما طرحته من تقسيم الوجود إلى حادث ممكن، وأزلي واجب، بل أريد تناول ما يراه المؤمنون به أدلة أخرى على وجوده، وأؤكد على عبارة "ما يراه المؤمنون به أدلة أخرى على وجوده"، لأني أعرف إني إذا قلت "الأدلة"، فسيعترض – وربما بحق – من يعترض، بقوله هذه أدلة عندك، ولكنها لا تمثل عندي أدلة. إذن أنا أتكلم عما نراه أو عما أراه من أدلة. إذا تأملنا بتجرد بالنظام والقوانين التي تحكم الكون بكل تفاصيله بهذه الدقة المتناهية، من مجموعات شمسية، وبالذات مجموعتنا، ودقة الحسابات لبعد الأرض عنها، ولسرعة دورانها حول الشمس، وسرعة دورانها حول نفسها، بحث لو اختل أي من تلك الحسابات، سواء في المسافة، وما يترتب عليها من تحديد درجات الحرارة على الأرض، وكذلك ما يتعلق الأمر بسرعة الدورتين، ولو تأملنا في جسم الإنسان وحده، بكل تفاصيله المتناهية في الدقة، وكل ذلك الضبط الدقيق لمهمة كل جهاز من أجهزة الجسم، ولو تمعنا تطور الجنين في رحم أمه، منذ اللحظة الأولى للإخصاب وعبر كل المراحل، حتى الولادة، ولو نظرنا إلى عالم الحيوانات، أكبرها وأصغرها حجما، لو نظرنا على سبيل المثال إلى عالم النمل، وهذه الهندسة الدقيقة في بناء بيوتها بطوابق عديدة تحت الأرض، وحجرات الخزن فيها، وما فيها من تقنية تكييف وتهوية، وتوزيع للمهام والأدوار بين مجموعات النمل، والقوانين التي تحكمها، ومثله أو شبيهه يقال عن النحل، ولو نظرنا إلى الطيور والأسماك وعجائب ما فيها، وهجراتها التي يكاد بعضها يكمل دورته أو نصف دورته حول الأرض، سواء في الهواء أو في عمق البحار، وغرائب الكون لا تعد ولا تحصى، عندها يضطر كل ذلك الكثيرين منا، وإن كان لا يضطرنا جميعا إلى امتناع تصورنا لكل ذلك من غير مصمم ومريد ومخطط عاقل هادف. أتذكر قبل أكثر من عقد من الزمن تقريرا في التلفزيون الألماني عن فصيل من الغربان، على ما أتذكر يسمى بالغراب الرمادي؛ هذا النوع كان أهم غذاء له هو بيض لنوع من النسور، كانت النسور الأمهات يتركن بيوضها أحيانا بلا رقيب في أعشاشها، فيستثمر الغراب الرمادي فرصة غياب النسر الأنثى (الأم) ليهبط إلى ذلك البيض، والذي يكون حجمه كبيرا نسبيا، وقشرته سميكة وصلبة، فيتناول بمنقاره حجرا ويرمي به البيضة، فيحدث فطرا في أحد جوانبها، ويتم كسر القشرة بمنقاره، ليقتات على تلك البيضة. لحد هنا قد لا توجد ثمة غرابة في الموضوع. لكن الباحثين أرادوا أن يقوموا بتجربة، فأخذوا بيضة من بيوض الغراب الرمادي قبل أن تفقس، ووفروا لها البيئة المناسبة لتصل إلى مرحلة الفقس، فتفقس ويخرج منها كتكوت الغراب، ويغذون هذا الغراب الصغير بعيدا عن أمه، وبعيدا عن بيئته وأفراد جنسه من الغربان، حتى يكتمل ريشه، ويكون قادرا على الطيران، فيتركونه يحلق طائرا في أول تجربة طيران له، فيشخص من أعلى وجود عش لبيوض النسر التي يقتات عليها عادة أفراد جنسه من الغربان الرمادية، التي لم يكن قد رأى حتى تلك اللحظة أحدا منها، ولم ير مم تقتات هذه الغربان، فيهبط إلى بيضة النسر تلك، ويزاول نفس التقنية التي يمارسها بنو جنسه، نعم مع تكرار وتحسين للطريقة في كسر البيضة بالحجر. عندها تساءل الباحثون، من أين علم بكل ذلك؟ وبقي سؤالهم آنذاك في ذلك التقرير بلا جواب. كل هذا وغيره مما لا يعد ولا يحصى، وما زال الإنسان لم يكتشف كل أسرار الطبيعة والكون، يجعلنا نقول إن عدم الإيمان بخالق مصمم مخطط مدبر قدير حكيم يضطرنا بالتسليم باجتماع مليارات الصدف، من أن أجل أن يكون كل ما كان وبحسب ما كان، ووفق هذا النظام وهذه الدقة المتناهية. ثم يقول الماديون إن العلم أثبت عدم وجود الله، وهذا خطأ، بل الصحيح إن العلم لم يثبت له وجود الله، واستطاع تفسير انبعاث الكون إلى الوجود من غير خالق، فنحن أمام مقولة علمية مفادها عدم الحاجة للخالق، لكن العلم لا يقول بالاستحالة العلمية لوجود الخالق. نعم العلم يرفض الخالق وقصة الخلق وفق تصور الأديان، وهذا شيء آخر تماما. مع كل ذلك نقول إذا كان إيماننا هذا، مع كل ذلك يُعَدّ خرافة، فهي خرافة مسالمة محبة للخير علمانية ليبرالية إنسانية، ولا تخلو من ثمة عقلانية، إن أبيتم أن تسموها عقلانية.
أرجع وأقول ما كررته مرارا، سواء في مقالاتي السياسية، أو الفكرية الميتافيزيقية اللادينية؛ الذي يهمني أن يلتقي عقلاء وإنسانيو كل الأديان، وعقلاء وإنسانيو الملحدين، وعقلاء وإنسانيو اللادينيين، وعقلاء وإنسانيو اللاأدريين بكل أنواعهم، على قاعدتي الإنسانية والعقلانية، مع إدراكنا إن كلا منهما في عالم الإنسان تبقيان نسبيتين، وأن ليس من حقيقة مطلقة نهائية لا تقبل المناقشة.
بدأت كتابتها في 09/12 وانتهيت منها في 11/12/2016.
الخلاصة:
سواء ثبت وجود الله، أو لم يثبت وجوده، كما لم يثبت عدمه، أو حتى إذا ثبت عدم وجود، فنفي الدين هو الثابت في كل الحالات.
إذا افترضنا إنه قد صح قول الماديين الملحدين بعدم وجود الخالق، فيكون الدين من قبيل الأولى منتفيا وجوده، لأن النتيجة منتفية تلقائيا بانتفاء مقدماتها. أما إذا افترضنا وجود الله كخالق وعلة أولى وإله أحد، والذي تسميه الفلسفة الإلهية بواجب الوجود، فالله هذا الذي يؤمن به الإلهيون العقليون وأؤمن أنا به على سبيل المثال، لا بد أن يكون مطلق العدل، ومطلق الرحمة، ومطلق الحكمة، ولكون الأديان كلها تنتقص من هذه الكمالات، ومن كمالات أخرى، مما يعد واجبا فلسفيا اتصاف لله بها، ومن هنا يكون من الممتنع صدور هذه الأديان عن الله. أما إذا افترضنا إن الخالق ليس واحدا، بل هي كائنات من كواكب أخرى خارقة، القدرات، وخارقة العلم، فكانت هي التي صممت الأرض، وجعلتها رحما خصبا لانبعاث الحياة بصورها البدائية الأولى، مع برمجة هذه الحياة، بجعلها قابلة للتطور، على وفق ما ذهب إليه دارون، أو على أي نحو كان، وعلى فرض إن هذه المخلوقات كانت هي الخالقة لنا، وللحياة من حولنا، وبكل هذا النظام وهذه الدقة، فإنه لمن المستحيل أن تكون هي التي أوحت بهذه الأديان، لشمول الأديان على ما يتناقض مع الحقائق العلمية، هذا إذا تخلينا عن مقولة ثبوت العدل المطلق للمخلوقات الخالقة المفترضة هذه، لعدم وضعها لضمانات ضد حدوث الشرور والظلم وما سواه، مما يمتنع صدوره عن واجب الوجود مطلق الكمال. أما إذا كان هناك ثمة خالق، هو ليس الذي نؤمن نحن الإلهيين به، وبصفات الكمال التي يفرضها المنطق، على الأقل منطقنا نحن، وبالتالي فإن هذا الخالق هو مصدر الخير ومصدر الشر في آن واحد، فعندها لا يكون لزاما علينا عبادة هذا الخالق، الذي هو غير الله، ولا طاعة أحكامه، إذا افترضنا أنه شرع لنا ثمة أحكاما، لأنه ليس خيرا محضا، بل خليط من الخير والشر، وبما أنه ليس كاملا كمالا مطلقا، فليس من الممتنع أن الإنسان عبر مراحل تطوره المستقبلية سيفوق خالقه في كماله، بما أودع فيه من قابلية للتكامل، على صعيد العلوم، وعلى صعيد مثل الخير، مما نسميه بالإنسانية، وعلى صعيد الحكمة والعقلانية. خلاصة القول: الدين فيه منافع، وفيه مضارّ، ومضارّه أكثر من منافعه، ومنافعه مما لا نحتاج لتحقيقها إليه، بل يمكن أن تستمد من خارج منظومته القيمية والتشريعية، فهو إذا غضضنا النظر عن مضاره، مما لا حاجة ولا جدوى ولا فائدة له.
سأنقطع لمدة أسبوع، لكوني سأنشر ثلاث مقالات سياسية، ثم أعود مع من يحب المتابعة إلى مقالاتي المختارة من كتبي الخمسة في نقد الدين.