لِمَاْذَاْ اَلْشَّبَاْبْ هُمْ أَمَلُ اَلْسُّوْدَاْنْ اَلْمُرْتَجَىْ ؟!

فيصل عوض حسن
2016 / 12 / 24


عقب نَشْرْ مقالي الأخير المُعَنْوَنْ (ثُمَّ مَاْذَاْ بَعْدَ اَلْعِصْيَاْنْ ؟!)، انهالَت مئات الرسائل على بريدي ما بين مُختلفٍ ومُتِّفق جُزئياً أو كاملاً، ولَفَتَ نظري تعليقات البعضُ بشأن مجلس الشباب (السيادي) الذي اقترحته لقيادة التغيير وإدارة البلد عقب اقتلاع الكيزان، وبصفةٍ خاصة الاستفسار عن مُبرِّراتي لاستبعاد الكيانات السُّودانية من العملية، وعن (قُدرة) الشباب على إدارة دولة في ظروف السُّودان الماثلة، بمعزلٍ عن تلك الكيانات وغيرها من الأسئلة في هذا الجانب.
من المعلوم أنَّ فئة الشباب هي الأكثر حماساً وحيوية، وتقبُّلاً للأفكار العصرية والتفاعل معها وتطويرها، وعدم التقوقُع أو الجمود والتوقُّف في مُعطيات الماضي، ولديهم القدرة على التعاطي مع ديناميكية الحياة بمُستجدَّاتها ومُتغيَّراتها المُتلاحقة والمُتسارعة، ويتمتَّعون بطاقاتٍ كبيرةٍ وإبداعاتٍ وطموحاتٍ عالية، مُقارنةً بغيرهم من فئات المُجتمع العُمِرِيَّة الأخرى، وهو ما تنتهجه العديد من دول العالم كأساسٍ للنهضة والتقدُّم، حيث أتاحوا فرصاً واسعة أمام شبابهم لإدارة وتسيير بلادهم في إطارٍ من الديمقراطية، المحروسة بالقوانين والتشريعات الرصينة، والمدعومة بالعلم والمعرفة والأخلاق والأمثلة كثيرة ولا تخفى على القارئ!
بالنسبة لنا في السُّودان، فإنَّنا ما زلنا بعيدون تماماً عن هذه المفاهيم والمُمارسات التي نهضت وارتقت بالعديد من الدول استناداً لسواعد وعقول شبابها، وجميع كياناتنا السياسية، دون استثناء، لا تعمل على بلورة الغايات لـ(واقع) مُعاش، إنَّما (ينتظرون/يأملون/يتوقَّعون) تحقُّقها، ولا يُميِّزون بين الوطن والحزب، ويخلطون (بكارثية) بين المصالح والغايات الذاتية وبين الوطن الذي يقع في آخر الاهتمامات. وبتعبيرٍ آخر، فإنَّ الصراعات السياسية القائمة في السُّودان منذ الاستقلال وحتَّى الآن سببها المنافع السُلطوية والمالية، وهي بعيدة كل البُعد عن نهضة الدولة وبقاءها وتطوُّرها واستقرار وترقية أهلها، ويتجلَّى الأمرُ بوضوح في (سيادة) قِيَمْ الـ(ولاء) وتقاطُعاتها الدائمة مع (الكفاءة)، وتركُّز كل أمور الكيان (مدني/مُسلَّح) لدى الهرم المُسمَّى مجازاً (قيادة)، وعدم مُراجعة ذلك الهرم والتعامل معه بصورةٍ أقرب للتقديس، رغم فشلهم (قادة الكيانات السُّودانية) الواضح في تقديم الجديد والمُفيد، وعدم مُراعاتهم لعوامل العُمر واختلاف الأفكار وأسلوب الحياة بين الأجيال، والأهمَّ من ذلك عجزهم عن مُحاكاة القادة العُظماء الذين يهتمُّون بتهيئة وتفريخ (القادة)، وليس الإبقاء على (التابعين) كما يفعل (ديناصورات) كياناتنا، وهي إشكالية تُعاني منها جميع الكيانات السُّودانية، وساهمت – بشكلٍ أو آخر – في قصور الأداء السياسي وتعميق سلبياته وتحجيم مُساهماته، وأفْضَت لتشرذُم عدد من كياناتنا. فالديكتاتورية والانفراد باتخاذ القرار هي السِمَة الغالبة، مع غياب الفكر والتخطيط الاستراتيجي (الرُؤى العلمية والعملية)، ويرفض (قادة) كياناتنا عمليات الإحلال والتجديد، ويُعرقلون جهود الأفراد ولا يعقدون اللقاءات أو المُؤتمرات التنظيمية لتقييم المسيرة وتقويمها والتخطيط للمُستقبل، وهو ما يتنافى مع مبادئ الإدارة العلمية، التي بدونها سيتعذَّر تحقيق أي تقدُّم في عالمٍ بات لا يعرف ولا يُقر بغير العلم وتطبيقاته في العمل.
وفي الوقت الذي يحيا فيه الموصوفين بقادة ورموز وأسرهم في دَعَّةٍ ورفاهية، انحصرت التضحيات على الشباب ولا نُبالغ إذا قلنا بأنَّ سُمعة ومنافع جميع الكيانات السُّودانية (مدنية/مُسلَّحة)، اعتمدت على الشباب الذين قَدَّموا الغالي والنفيس إيماناً بقِيَمٍ ومُثُل تَجاَوَزها الديناصورات والمُتاجرين، الذين استفرادوا بالسُلطات داخل كياناتهم دون إنجازاتٍ تُذكَر، واعتبروا الشباب مُجرَّد معابر لتحقيق غاياتهم المالية والسُلطوية، بما يعكس اختلالاً فكرياً وتربوياً (مُتوارثاً) يتحتَّم تعديله وتصويبه. وهذا هدفٌ يصعُب تحقيقه في ظل التكلُّس وقصور الطموح والتفكير المُلازم لقادة كياناتنا القائمة، وتمجيدهم لذاتهم وترسيخ تواجدهم وتوريث أوضاعهم لأسرهم، واستهلاكهم لطاقات الشباب في صراعاتٍ جانبية مع الآخرين أو داخل الكيان الواحد!.
من هذه المُنطلقات، طرحتُ فكرتي الخاصَّة بإنشاء مجلس الشباب، الذي لن يكون وحده كما فهِمَ البعضُ، وإنَّما سيُساعدهم نُخبة مُقدَّرة من خُبراء بلادنا (المُستقلين) في شَتَّى المجالات (وما أكثرهم)، بوضع وتحديد ملامح وأُطر وحدود الاستراتيجيات القطاعية، وبلورة استراتيجية السُّودان العامَّة في الفترة الانتقالية التي تعقب اقتلاع الكيزان، والتي ينبغي أن تنصبُّ جُهُودنا فيها على تحقيق هدفين رئيسيين، أوَّلهما ترقية (الوعي) بكافة صوره وحدوده، وعيٌ يشمل مناحي الحياة عبر نظام تعليمي (أكاديمي وتربوي/أخلاقي) رصين، ومدروسٌ بعناية من قِبَلْ المُتخصصين وذوي الشأن. والهدف الثاني، تحقيق التنمية المُتوازنة وترقية الاقتصاد لتخفيف مُعاناة الشعب وتفرُّغه للعلم والمعارف، وإنهاء حالة التهميش الذي استغلَّه واستفاد منه فقط المُغامرون، بينما الضحية الأوحد هم قواعد الشعب السُّوداني.
الحقيقة الثابتة في كل هذا، أنَّنا لم نَرْتَقِ بعد لمُمارسة العمل السياسي الرصين، ونحتاجُ لوعيٍ كبير يدعم مُمارساتنا السياسية عقب فشل الجميع في (المُحافظة) على السُّودان ناهيك تقدُّمه وتطوُّره، وعَجْزْ كياناتنا عن تقديم ما يُجدي في هذا الجانب، ودونكم فشلهم جميعاً في وضع دستور دائم للدولة منذ الاستقلال حتَّى الآن، وفشلهم في إيقاف التدمير الإسلاموي المُتواصل للبلاد التي باتت على حافة التلاشي، وهذا يكفي لنفي حاجة الشباب للموصوفين بـ(قادة ورموز)، وليس من الحكمة تجريب المُجرَّب، ولا يُوجد مُبرِّر لحَصْرْ وتحجيم الشباب تبعاً لأهواء ومطامع شخصية لثُلَّة من المُغامرين والمُتكلِّسين.
وليثق الشباب بأنَّهم قادرون على تحقيق التغيير المنشود وإدارة وتسيير السُّودان عقب اقتلاع، ولديهم الإرادة والعزيمة لبلوغ هذه الأهداف النبيلة في ضوء نضالاتهم المشهودة التي لا تُخطئها الأعين. وفي ذات الوقت، ليعلم شبابنا أنَّ إحداث التغيير (المنشود) له مُتطلَّبات بعيدة عن الهتاف والبيانات أو (التجزئة) والعمل بالقَطَّاعي، فهو عملٌ مُستمر يحتاجُ لتنظيمٍ وتخطيطٍ مُحكم، وقيادةٍ واعية و(أخلاقية) لا يعلو عندها أي شأنٌ آخر سوى السُّودان (الكيان) وأهله، وما لم تتوفَّر هذه العناصر يصعُب إحداث تغيير (جذري) حقيقي، وحتَّى لو حدث فسيفشل (إعادة إنتاج/تدوير الفشل). وليعلم شبابنا، أيضاً، أنَّ مرحلة ما بعد التغيير هي الأخطر، وتحتاجُ لرُؤيةٍ (استراتيجية) رصينةٍ وموضوعة مُسبقاً والبدء بتنفيذها فور نجاح التغيير، تلافياً لأي فراغٍ مُؤسَّسيٍ أو فوضوي قد يحدث فلا تُحمَد عُقباه، وستجدون معكم العديدين من خُبراء السُّودان (المُستقلِّين) في مُختلف المجالات، داعمين ومُرشدين ومُؤيدين لكم.
لقد أبليتُم يا شبابنا بلاءً حسناً حتَّى، وبذلتم جهوداً مُقدَّرة وأدخلتم الرُّعب في دواخل المُتأسلمين ومن والاهم، وما تهديداتهم وخُطَبِهِمْ وتصريحاتهم الجوفاء إلا دليلٌ على ذلك الرُّعب، أنكم فقط بحاجة للاتحاد والتنظيم وأنتم الحاضر والمُستقبل لكم.. سارٍعوا بتشكيل مجلسكم الشبابي القومي وتكملة الطريق لأجل أهلكم وبلادكم، ولا تلتفتوا لأقاويل المُخذلين الذين يُقلِّلون من نضالاتكم وجهودكم ويسعون لتثبيطكم، فأنتم أصحاب قضية وحق، وحتماً ستقطفوا ثمرة غَرْسِكُم المُبارك (قريباً) حريةً وعدالةً وعِزَّة.