اللاوعي... هل يمكن أن يتأرخ؟!

سامي عبد العال
2016 / 12 / 23

على غير المألوف سأتحدث عن الوعي لتحديد ما يعنيه العنوان. فاللاوعي لا كيان له ولا يجري كموضوعٍ نستطيع إمساكه. ولهذا تكمن خصوبته في تلك الظاهرة التي بلا ماهية. إنه يدخر فائضاً غريزياً في رغباته. ويضمر تتابعاً لأمواجه التي تغمر مساحة الواقع عادة. وفوق هذا وذاك يكثف زخم الحياة في إيقاعها الأصلي، العنيف والقوي.
إن حفراً في تكوين الوعي وأشكاله يعرفنا ضمنياً ماذا لو تأرَّخ اللاوعي. وما إذا كان التأريخ له قابلاً للتعميم أم لا؟! والتساؤل يتجاوز ما لدى التحليل النفسي بهذا الصدد. عندما اعتبره فرويد جانباً مظلماً من العقل البشري. ليقبع ضمن الكواليس متسرباً مع زلات اللسان والطرائف وهوامش اللغة وتداعيات الخواطر. وحتى بخلاف قول جاك لاكان: اللاوعي هو خطاب الآخر. فالرغبات تحمل بذرة التكوين تجاه الآخرين ووجودهم داخلنا.
هكذا تحتاج ثنائية: الوعي/ اللاوعي... إلى تفكير أعمقٍ. لأنَّها اشكالية معقدة جداً من جهةٍ. ومن جهةٍ أخرى تشير إلى انفصال وهمي ليس إلاَّ. كما أن ثراء الاثنين يكمن في تجليات أحدهما داخل الثاني. فالوعي يعيد انتاج الدلالات لشذرات اللاوعي سامحاً بسريانه الخفي. وبالتزامن يختزل اللاوعي جوانب تلك الدلالات تبعاً لرغبة الأفراد عبر خطاباتهم وأفعالهم. وبما أنَّ الأفعال لا تُصنف ولا يُستطاع تحديدها من هذا الجانب، فطرفا الثناية يختلطان بدرجة كبيرة.
ربما يقال إنَّ تاريخ اللاوعي- جرياً على ما سبق- يفضي إلى القضاء عليه. لكنه لا يبدو كذلك، دائماً هناك الانكشاف الرغبوي والنفسي للإنسان من تلك الزاوية. فالجنون-على سبيل المثال- هو محض انكشاف متواصل لهذا اللاوعي. فحيثما لا يجد الإنسان بُداً من التعري الباطني يخترق المعتاد. يجد نفسه خارج قوانين الوعي الغُفل في الحياة العامة. وقد تلاحقه كل الأوصاف المشينة جرياً على أن الوعي هو الأساس. باعتبار أن المجتمعات تجمد مؤشرات التفكير والمعرفة داخل قوالب وعيوية ثابتة لا تبرحها. وعليه يصبح تفريغ الكتلة الاجتماعية الثقافية(المسماة بالوعي العام) من مضمونها بمثابة الجنون. خطورة اللاوعي ليست في تكوينه من عدمه إنما كيف يخرج على صعيد عمومي. كان كانط مشغولاً بجرأة استعمال العقل في المجال العام. لكن بأية طريقة يجرؤ العقل وهو يحتاج حيل اللاوعي لتجديد طاقته إزاء المجتمع؟!
ولنلاحظ أن الرأيين السابقين – فرويد ولاكان- يهتمان بالماهية الممتلئة لطرفي الثنائية. بينما المهم أنهما يحملان تاريخاً ما، علاقات ما، مظهراً لأحداث مفقودة وغير ممتدة بالضرورة. فليس اللاوعي جوهراً ولن يكون. إنه علاقة متعددة المتغيرات. بحكم كونها ذات طبيعة منتجة للمعاني والتأويلات. أي أن اللاوعي بمثابة أصداء اللغة وتحولاتها لا الخطاب فقط. علاوة عن أنه يولد أدوات التعبير الخاصة به. كما ينتشر بمساحة الفضاء الدلالي المفترض. وفي هذا تختمر عناصر الوعي بوجوده المتحول على ذات النطاق داخل عالم الإنسان.
هنا يجب علينا النظر إليه بكل اختلاف ممكن. إذ ذاك لا يتميز الوعي بالحضور رغم القدرة على التواصل ومعرفة الأشياء. فعمليات الوعي تستعيد المفقود، الباقي، المتناثر من اللاوعي. لأنه في الغالب ليس وعياً ماثلاً لذاته. وقد لا يكون هكذا بالقريب العاجل رغم التأكيد على أهميته مع التحولات الاجتماعية والسياسية. فالوعي يمثل مرات العودة المتفرقة لما هو غائب من أسئلة أو معرفة أو إدراك للأمور. وفي هذا دوماً نطالب الآخرين بضرورة الوعي لتجاوز المشكلات. ومن ثم لم يكن ليوجد أي وعيٍّ إلا بذلك التوتر الإنساني نحو مسألة ما.
من جانب آخر عندما يتأرُخ اللاوعي يعدُّ مسألة مهمة في تطور المجتمعات. فمع كل هذا التراكم المعرفي والفكري غير أن هذا التأرُخ لا يتحدد كما هو. بل هناك –كما في الثقافة العربية- ما هو مقموع ومكبوت مما لا يلتقطه الوعي المباشر. ويخضع لعمليات غربلة مستمرة بحيث يتجنب الفهم الاعتيادي. أما ما يميز المجتمعات المستنيرة عن سواها فكونها تتيح تاريخية الوعي بكل أخطائه وأعماقه وأسراره المسكوت عنها. إن عمومية اللاوعي مسألة تحتاج إلى طرح جذري. فالديمقراطية هي لون من تقنين الطرح السياسي له. كما أنها الاعلان بقبول نزقه التكويني فوق الأكف المتظاهرة وتحت جلد الأحزاب والحريات العضوية من خلال تمرد الأجسام والمناداة بالحقوق الغائبة.
أتصور أن هذا التأريخ سيحفر دهاليز اللاوعي داخل بنية الوعي على نطاق عام. لأنه الأخير لن يكون صورة زجاجية على كل حال. فقد امتلأ بمتاهات وفضاءات وظلال على غير المعروف به. وقد يعكس كل نقائضه بشكل متنوع. ذلك ما اسميه ترحال العودة إلى الوعي. ويبدو أنه لن توجد أزمة بالنسبة للفرد والمجتمع عندما يجد اللاوعي مساراً إلى الحياة العامة بشكل مقبول. لأن حياتنا الإنسانية القريبة للتلقائية لهي أكثر انماط الحياة التي تفسح للجانبين بالظهور.
يصعب أن نسلك طريقاً لعودة الوعي، دون المرور بثلاث نقاطٍ. تعبر عن شيء واحد.
الأولى: الوعي مستوى من الفهم للأمور الجارية. وبالتالي تتاح الفرصة لمواكبة الأحداث وتداعياتها. وهو بهذا ذو طابع حياتي. وقد لا يوجد فهم كامل لأن جوانب الغموض أكثر من عناصر الوضوح.
الثانية: الوعي قدرة على التكيف وامتصاص الأفعال. لكونه يرتهن بشروط الأفعال الحادثة, ومدى تحول القدرة إلي مواقف وسلوك. وعلية يظل تحت التهديد بالإخفاق. ليس بفعل عوامل خارجية إنما بحكم طبيعته العملية.
الثالثة: أن الوعي دالّ على الوعاء. أعنى ما يمكن استيعابه بواسطة قالب يحتويه. ومنه أتى الوعاءُ المعرفي الذي قد يُمتلئ أو يفرّغ أو يستخدم لأغراض من هذا القبيل, سوي أن الإشارات المتفرقة قد تلتئم في أداء التفكير، عن طريق الثقافة السائدة التي تنتج القوالب الجاهزة. فيغدو الفهم(أو بالأحرى التفهم) ممتداً إلي التكيف لينتهيان بدورهما إلي الاستيعاب. كما رشحت المعجميات العربية النقطة الثالثة كمعنى من معاني الوعي. وفى ذات الوقت انحرف المعنى نفسه ليطاول الفعل, فأمسى"رد فعل". وليس فعلاً على الأصالة في قطاعات كثيرةٍ من حياتنا الراهنة, دائماً نعرف بعد فوات الأوان، ونمارس ردود الأفعال لا الأفعال!!
هناك سمة تطبع آفاق العقل العربي الاسلامي بمدي قدرته علي الامتلاء وعياً, رغم نقصانه الشديد في بعض المواقف. ففي ضوء "رد الفعل" يكون الوعي غائباً. هو يقبع في طور العودةِ إذ قد لا تأتي إلاَّ متأخرةً. وعليه يعبرُ عن حركته ارتدادياً. فكثيراً ما نقول "إلي أن تكتحل العمشة كان السوق خرب" تعبيراً عن نكوص وعيوي, يجعلنا - نحن والعمشة- ننهمك في التوافه دون المهمة الأساسية, أو ننسى الزمن حتى نستفيق على المفاجآت وما أضخمها دوياً، و ربما لا نعي ذلك أيضاً.
يتأكد هذا في الثقافة العربية, حياتياً, حيث درجات الاختلاف في الاهتمامات الواعية. وتُجسد بوضوح حدود الوعي كمجال للامتلاء الذي فات أوانه. فإذا بالوعي يشكل قفزة للخلف. ويُعد إيقاظه مفاجأةً ما بعدها مفاجأة. هكذا ربما تجري عملية المعرفة كارتباك وظيفي نتيجة ارتباك التفكير. تتضارب الأزمنة، وتقف الإمكانيات، وتتعطل الأعمال, رغم أنها مرتبطة بمسؤوليات. نعرف أن التنمية تمر بمراحل زمنية كي تكتمل, إلا أننا نقفز إلي الوراء في انتظار المستحيل أن تكتمل التنمية من تلقاء نفسها دون إستراتيجية.
جوهر الفكرة إذن عبارة عن غياب المستقبل. على أننا نظل نردد كلمة "المستقبل" ليل نهار. لكونه حضوراً إلهيا وليس صناعة بشرية. حيث يربط المسلمون كل قول بعبارة" إن شاء الله". وبالرغم من أنها أمر ديني لكنها لا تتحول إلي وعي حياتي متصل. وقد يطلقها البعض نكايةً في آخرين لتبديد الالتزامات ولعدم الوفاء بالعهود. وبالتالي تمثل صكاً لضياع المسؤولية. وهي التي تركن إرادة التغيير جانباً. يعلقها المسلم في عنق الأقدار التي قد تأتي أو لا تأتي. وهذه أكبر بصمة لا واعية في الأحداث العامة سياسياً واجتماعياً لدى المجتمعات العربية.
مع وفاة نبي الاسلام, سمع عمر بن الخطاب آية القرآن "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل. أفإن مات أو قتل انقلبتم علي أعقابكم ومن ينقلب علي عقبيه فلن يضر الله شيئاً". سمعها ابن الخطاب بحسب تعبيره كما لو لم يسمعها من قبل في حياته. لكن الآية تشير إلي :
1- سياق زمني (في كلمتي "خلت" و"قبله") للإحساس باتصال انقطع فجأة لدى وعي ابن الخطاب. وكأن الموت لم يكن وارداً بالأساس. ولم يكن ثمة مجال لرسالات سالفة. وهو ما كان فاعلاً كلاوعي داخل ذهنية الجماعات الارهابية. حينما يقتلون أصحاب الديانات الأخرى. ناهيك عن التكفير والفتك بالمختلفين في الأيديولوجيا والمذهب.
2- حادثة موت النبي وقد فهمها ابن الخطاب بمنطق القطيعة. لأنه لم يكن مهيئاً لها إلا باستحالة القطيعة, فوقعت من بعدٍ وغاب الاتصال بين الماضي والمستقبل. أي ما لم يكن الاسلام يجب ما كان قبله لما انعدم أي بديل آخر.
3- الانقلاب الذي قد يحدث من بعض الناس. وهو نكوص الوعي حين لا يكافئ حركة الحياة. وهو هنا يعد ارتداداً سلفياً إلي الوراء، تحت فكرة مؤداها أنه في حالة موت النبي نصبح كما لو كنا من قبل.
4- الاحتمال في "ومن ينقلب..." يفيدُ مستقبل الزمن. فالأولوية لدى الله الاتصال بالمستقبل الذي تكرر في الماضي من جهة الإيمان به. ويلفت الإله نظر القارئ إلي حضور الوعي. لأن الزمن لديه حاضر باستمرار. بينما يأخذ الإنسان طريقاً مغايراً. من ثم يظل الدين محفوفاً بالتناقض وقائماً على المفارقات.
في ذات المجال خرج أبو بكر أول الخلفاء على الناس قائلاً: "من كان يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت". ما فعله أبو بكر هو الأتي:
1- دعم المفاجئة بإحداث مفاجأة أخرى أثناء الإشارة إلى قيومية الإله بكونه لا يموت، من أجل إقناع الناس باتصال الوعي. مع أن الأولوية في هذه الأثناء لحركة اللاوعي. وهي الغاصة بالظروف الاجتماعية والتحولات عن التعاليم الدينية والأفكار التي كانت في عهد النبي.
2- وجود الرسالة لا يعني انقطاعها بانقطاع صاحبها. وهذه فكرة قائمة على الإيمان الشخصي لا تعميمه. لذلك عادة ما يجعل الإيمانُ وعي الإنسان متوتراً. عكس ما نراه بادياً لدى بعض المؤمنين الذين يخدرون وعيهم التساؤلي، ظناً منهم أن ذلك يتفق مع الإيمان. وعليه فكثيراً ما ينحدر بهم إلى الذلة والمسكنة. والرضى بالأمر الواقع. وتلك كانت أرضية "السمع والطاعة" و"اجماع الأمة".
3- تفريغ الوعي من أية إمكانية سوى تلك المفاجأة. فأين كان الأمس؟ وأين سيكون الغد؟ لذلك نظل ننتظر أن تقع الواقعة المذهلة التي ستغير حياتنا إلى الأفضل، لكن كيف؟ وبأية وسيلة؟ لا ندري وهذا أساس استعارة خوارق الاعتقادات في إدارة الحياة التي لا تعترف بغير التخطيط والممارسة الفاعلة.
تتشكل بنية التاريخ العربي بتلك الطريقة، فغياب الاستراتيجية والتخطيط، دفع الوعي الجمعي لأن يمارس الانقلاب على نفسه. أو هكذا تشوف إلى ذلك. وهذا له علاقة بتفسير كثرة الانقلابات السياسية العاصفة، وسرعة تحولات القيم لدي الفرد أو الجماعات من النقيض إلى النقيض على صعيد الممارسة. بينما تتعايش القيم السائدة ونقائضها على صعيد المباهاة والتفاخر، وله ارتباط وثيق بانقطاع التقدم الحضاري في عالمنا العربي. فكما أن الذاكرة الكلية خضعت لفكرة القطيعة. تقرر بذات التاريخ – وهذا قانون يقايضه التاريخ لمن يلعب معه هذه اللعبة- ضرورة أن يكون التطور بالقطيعة حتى غدت أداءً عاماً. وهنا يمثل الوعي لا وعياً عميقاً ينضح في فترات الأزمات ويخترق قوانين الحياة والتعايش الإنساني.