البطل لمطلق في رواية -الأسير 1578- هيثم جابر

رائد الحواري
2016 / 12 / 23

البطل لمطلق في رواية
"الأسير 1578"
هيثم جابر
يقول الشاعر "محمد حلمي الريشة": "أن شهوة الجنس وشهوة النشر متماثلة" فما بالنا أن كان هذا الناشر معتقل، بالتأكيد سيكون هناك اندفاع أكثر نحو النشر، هذه الرواية كان يمكن لها أن تكون أكثر تألقا، لما فيها من صور فنية ولغة أدبية تؤكد قدرة الراوي على التعامل مع الرواية بلغة راقية، لكنه في المقابل يقدم لنا لغة عادية جدا، وكأن هناك كاتبان النص الروائي، الأول متألق والثاني مبتدئ.
من هنا انعكست لغة الراوي على المضمون وعلى سرده للأحداث، فكان بطل الراوية بطل مطلق، لا يشعر بالتراجع ابدا، ودائما يتقدم ويواجه، ولا يضره شيء، فيواجه قاضي محكمة الاحتلال بكلمات قاسية تشير إلى تهوره أكثر مما تشير إلى بطولته، "ـ أين محاميك؟ ألا تريد أن تقول شيئا؟
، ليس لي محام .. ولا أريد أن أوكل أي محامي، لأنني ببساطة قلتها لكم، أنا لا اعترف بشرعية هذه المسرحية التي تسمونها محكمة، ... أنتم القتلة الذي تلطخت أيديكم بدماء أطفالنا ونسائنا ... أريد أن أسأل هذا الجلاد الذي وصفني قبل قليل بالقاتل والإرهابي والمجرم، كم فلسطينيا قتلت من ابناء شعبي؟ ... احفر تحت بيتك الموجود الآن في أم خالد أو تل الربيع أو أم الرشراش أو غيرها من مدن بلادي التي استوليتم عليها بالقتل والإرهاب، أحفر هناك ستجد رائحة أجدادنا تفوح منن تلك الأرض" ص178 و179 بهذا الشكل يقدم لنا الراوي بطله، فهو بطل خارق، لكنه أيضا متهور، لا يحسن الحديث وتقدير الموقف، وهذا ما يحسب على الرواية، ونجده أيضا تعشقه الحبية إلى حد أنها قررت أن تنتظره بعد أن حكم عليه "بالمؤيد وعشرين عاما أخرى" ص180.
ما يحسب للراوية أنها تقدم تاريخ مفصل عن واقع الأسرى في سجون الاحتلال والنضالات التي خاضوها، كما أنها تقدم المرأة بشكل ايجابي وفاعل، وكما قلنا هناك صور فنية رائعة تمثل قدرة الراوي على استخدام اللغة الأدبية الجميلة.
المكان
لا يمكن أن يكون مكان الاعتقال مناسب للحياة، فهو خصص لإيقاع أكبر قدر من الأذى بالأسرى، "..عبار عن غرفة طولها مترين أو أكثر وعرضها متر ونصف بالكاد تتسع لشخصين، كان يوجد بداخلها "كردل" لقضاء الحاجة" ..فقد تم طلاؤها بلون الاسمنت القاتم وجدرانها خشنة، وبها ضوء أحمر خافت جدا" ص26، وصف المكان يشير إلى عدم تناسبه مع الحياة الإنسانية، فهو ضيق، لوانه قاتم، خشن الملمس، لا يوجد فيه ضوء، هذا هو مكان الأسير في سجون المحتل.
مثل هذا المكان لا بد أن يكون له تأثيرات على صحية على المعتقلين، يصف لنا الراوي هذه التأثيرات قائلا: "...تمكث فيه شهورا عدة لا تبدل ملابسك، حتى يصاب لأسير بالأمراض الجلدية في أغلب الأحيان" ص40، الكان في المشهد السابق يكون جلادا أيضا كما هو حال المحقق، فهو مؤذي ويسبب الألم للأسير.
ونجد تأثير السجن لا يقتصر على الأمراض الجسدية وحسب، بل يطال أيضا اللغة/الألفاظ/العبارات/المصطلحات التي يستخدمها لمعتقل، "أحيانا يمشي أسير مع أسير آخر ولا يجد ما يقولونه، ولا حتى كلمة واحدة طوال فترة الفورة، .. حيث لحروف واللغة محدودة داخل السجن" ص114، إذن التأثرات اللغة حاصلة في المعتقل، فهي تجعل اللغة تنضب كما هو حال الجسد الذي يتم اضعافه وارهاقه داخل جدار المعتقل.
الوقت والزمن
أيضا الوقت يشكل عامل ضغط وثقل على المعتقل، يصف لنا الراوي الوقت بهذا الوصف: "الوقت متوفر بالجملة داخل السجن... تتوقف الساعات والدقائق، حيث يدخل الوقت في مرحلة اللاوقت" ص50، فهنا الوقت يكون شكل من اشكال التعذيب التي يتعرض لها المعتقل، لعدم مروره، لبلادته، لتآمره على المعتقل الذي يريده أن ينقضي بسرعة والآن.
يؤكد الراوي على بلادة الوقت في المعتقل فيقول: "حيث يتوقف الزمن ويتوقف الوقت مع دخولك السجن، ويبقى عمرك هو عمرك، تدخل ابن عشرين عاما، يتوقف الوقت وتتوقف عقارب الساعة" ص90و91.
الوقت/الزمن من العناصر التي تؤذي الإنسان خاصة عندما لا يقدر أن يتحكم فيه، فيكون الوقت هو الحاكم والإنسان هو المحكوم، مفروض عليه أن يخضع له:
"لا عين لنهار .. ولا نور شمس
عقارب الساعة تأبى أن تدور
وزمن متوقف في صمت القبور
هن .. المكان مكفهر وقاتم" ص112، افتقاد الراوي لمظاهر الحياة الطبيعية، وما فيها من شمس تشرق كل يوم، وليل وما فيه من نجوم وقمر، كل هذا يجعل الوقت غير مجدي، لا يتماثل/لا يشبه الوقت الذي عرفه في الخارج، فهناك الكثير من الأمور التي يشير إلى مضي الوقت، لكن في المعتقل لا يوجد أي من هذه المظاهر مطلقا.
يختم لنا الراوي رؤيته عن الوقت فيقول: "والأصعب من الموت هو انتظار الموت، والأصعب من الشوق هو انتظار اللقاء" ص164، فالانتظار هنا هو الوقت، الزمن الذي يكون يجلد ويوجع عندما نريده أن يمضي هو يأبى إلا أن يكون بليدا، جامدا كصخرة في قعر لوادي.

التحقيق
من اصعب الفترات التي يتعرض لها المعتقلـ لما يواجه فيها من تعذيب بمختلف الاشكال والاساليب، يتداخل فيها التعذيب الجسدي والتعذيب النفسي، خاصة إذا عرفنا أننا أمام محقق يحتل الأرض ويقمع الإنسان، "مكبل اليدين منطفئ العينين، كان يغتصب النوم من جفن الليل الحالك يوقظه صوت محقق ضخم الجثة، حلق الرأس معكوف الأنف تفوح منه رائحة الحقد والإجرام والشماتة، .... حيث كان يقف أمام ضعفه وحيدا، في تلك الغرفة الصغيرة، التي لا شيء فيها سوى طاولة وكرسي، حيث كان مشبوحا، يداه إلى الوراء اضافة إلى تكبيل القدمين" ص3، أذا تمعنا في المشهد السابق نجد ضيق المكان، وصغر حجم المعتقل، وفي المقابل نجد ضخامة المحقق وبشاعته، فالصورة توحي بوجود شيء غير متجانس، الضخامة مقابل الصغر، ونجد بأن هذا الجسد الصغير مكبل اليدين والقدمين، مقابل الرجل ضخم حر اليدين والرجلين، مما يجعل الصورة توحي بالمفارقة بين الضحية/الصغيرة/المقيدة، وبين الجلاد الضخم والحر.
محاكم الاحتلال
العديد من الكتاب تحدثوا عن مسارح محاكم الاحتلال، فمحاكمهم ليست أكثر من قاعات مسرح يتم فيها التمثيل واعطاء كل شخصية دورها في المسرحية، حيث يكون المخرج هو ضابط التحقيق، هو لمؤلف والمشرف على العمل، يرسم ويوجه ويضع الحركات وما على الأعضاء الفرقة المسرحية إلا التقيد بما يكتبه/يقترحه ضابط التحقيق.
الراوي قدم لنا صور عن هذا المحاكم التي يعطي احكاما قاسية وبعيدة عن المنطق: "...الحكم على المتهم بالسجن المؤيد إضافة إلى عشرين عاما بتهمة القتل والتحريض والمس بالأبرياء العزل، إضافة إلى شهرين آخرين بتهمة اهانة المحكمة، رفعت الجلسة" ص180، ليس في هذه التهمة مبالغة، فهناك من حوكموا بأكثر من عشر مؤبدات، وهناك من تم اعتقاله لأكثر من ست سنوات دون توجيه أي تهمه له، وهو ما يطلق عليه السجن الاداري، الذي يحكم فيه على المعتقل ستة اشهر قابلة للتجديد، والتجديد قد يستمر لأكثر من عشر مرات.
المرأة
المرأة من العناصر الأساسية التي تخفف من حالة الضغط على الإنسان، لما فيها من نعومة قادرة علة إزالة القسوة والألم عن الرجل، ولا شك أن التفكير/استحضارها وقد الشدة يهدئ النفس، أكثر من تم الحديث عنه في الراوية المرأة، حتى أنها تجاوزت الأم، وتقدمت عليها في الحديث، وهذا يشير إلى تعلق الراوي المرأة أكثر من الأم، فالرسائل التي وجهها إلى الحبيبة في نهاية الروية تؤكد هذا الحضور والمكنة التي وضعها فيها.
يستحضر الراوي المرأة وقت الشدة وفي الوقت الذي يكون الضغط عليه كبير، فأثناء التحقيق نجد حضورها يبعده عما هو فيه، "لقد رحل بفكره وقلبه خارج تلك الجدران المعتمة وترك محققه يتحدث ويهدد ويتوعد وحده وكأنه تحدث مع جدران، وراح يتذكر أزل يوم له في لجامعة، حيث كان أسعد يوم في حياته حين التقى خطيبته التي يحبها ويعشقها" ص31، رغم أن المشهد يحمل شيئا من المثالية خاصة فيما يتعلق بالمحقق، فهو يعرف من يتكلم ومتى يمتنع، ومتى يكون الأسير قوي ومتى يكون ضعيف، مع هذا يؤكد لنا الراوي دور المرأة في التخفيف عنه أثناء التحقيق.
وأثناء السجن نجده يكتب لها رسائل غرام، وبلغة ناعمة وهذا الأمر يحسب للراوي، الذي تتحول لغته نصه إلى مكانة رفيعة عندما يكون الحديث عن المرأة "إلى قمري الذي غاب عني أياما وشهورا، وكأنه الدهر كله هذه المرة الأولى التي تغيبين عن عيني فترة طويلة، تلك الشهور كانت قاحلة" ص72، نجد اللغة هنا تأخذ في الرقي والرفعة، خاصة إذا ما قارنها بتلك التي نحدث بها في مواقف أخرى، وكأن استخدامه اللغة الجميلة قرين الحديث عن المرأة، ولتأكيد هذا الأمر نقدم هذا الشاهد: "هو يفرح بالبرق ويطرب للرعد، وينتشي قلبه برائحة المطر، وأريج الشوق الذي يجتاح النفس، خلف قتامة المشهد ينطلق شوقه في أثير المساء، يبحث عن وجهها الفتان في زحمة الصور.. عله يقتات من عيناها، ما يعينه على السير في تلك الطريق الطويل المؤذية إلى وجه الشمس الأخضر" ص84، في هذه الألفاظ ما يجعلنا نتوقف عندها، لكي نعرف/نحلل حالة الراوي، فهو يحب العنف، ولهذا وجدناه يفرح للبرق والرعد، رغم الصوت المزعج والضوء المؤذي والهما، لكنه أيضا يحب المطر، الخير، فسقوط لمطر يحمل صورة ناعمة ومحببة للنفس، فالراوي يعيش حالة متناقضة، تتراوح بين القسوة والنعومة، لكنه بعد هذا يكون منسجم تماما مع الطبيعة، مع الخير، مع الجمال، مع المرأة فيستخدم الفاظ ناعمة وهادئة وراقية، "يبحث عن وجهها الفتان في زحمة الصور.. عله يقتات من عيناها، ما يعينه على السير في تلك الطريق الطويل المؤذية إلى وجه الشمس الأخضر" إذا استثنينا لفظ "المؤذي" من المقطع السابق نكون أمام نص مطلق الجمال، بمعنى أن الالفاظ التي استخدمها الراوي تخدم الفكرة، فكرة النعومة والخير والحب والعاطفة، وهذا يشير إلى قدرة المرأة على تخليصه مما هو فيه، وعلى الأثر الايجابي التي تضعه وتركه في الرجل.
فهذا الرجل الذي تجتمع فيه حالات التناقض والذي يحمل شيئا من لعنف داخله، نجده بهذه النعومة وهذه اللغة الهادئة، فكانت تحويل لون الشمس إلى للون الأخضر أكبر دليل على هذا الأثر التي تركته في الأسير. فيا لها من كائن عجيب وعظيم ذاك القادر على خلق هذا التحول الايجابي فينا.
ونجده يهيم مع اللغة بحيث نستشف منها ـ دون متابعة المضمون ـ بأن الحديث متعلق بالمرأة فيقول "يمسك رائلها.. يقبلها.. يفتحها .. يقرأها .. يبحث عنها بين الكلمات العارية على شاطئ بحر فرحته المؤقتة" ص85، أيضا نجد لغة ناعمة وهادئة تعبر عن اللقاء/الانسجام بين المضمون والشكل، الفكرة الأداة، اللفظ والمعنى.
ننهي هذا الأثر للمرأة في لغة الراوي بمقطع من رسالة لعثها: ".. لك أن حرية الاختيار بين أزهار البنفسج وبين طول انتظار، ربما حان الوقت كي تتحرري من فضاءاتي المتعبة، وأزقة قيدي المرهقة,, ربما حان الوقت كي تحلقي بعيدا في الفضاء الرحب.
ولك الخيار أن تحط أشرعتك في أي مرفأ تختارين، ولك أن تحلقي شرقا وغربا يسارا ويمينا، وترتشفي الورود الشاخصة أبصارها نحو أجنحة الغمام يستطيع عطرك أن يقطف شذى ما يختار من أزهار" ص197 و198، اعتقد بأن أهم ما في الراوية الأثر الذي تركته المرأة على الراوي، والذي انعكس على لغة السرد، بحيث اطفى على الرواية لمسة جمالية، تخفف مما فها من قسوة ومغالاة.
الرواية من منشورات المكتبة الشعبية ناشرون، نابلس فلسطين، الطبعة الأولى 2016