كُدْتُ أغرق في فنجان !

ليندا كبرييل
2016 / 12 / 23

لليوم الثالث على التوالي لا تَحْظى الشمس برؤية وجْه " مينامي " *.
كانت زقزقة حذائها الرياضي مع ظهور خيوط الفجر، إيذاناً للطبيعة بأن وقت الاستيقاظ حان، فتنهض المساحات الخضراء والملوّنة على لمساتها الحانية لِتستقبل وجْه سيدتنا إلاهة الكون : شمس.

في الصباح الأول كان سبب غياب " مينامي " مفهوماً ؛ إنه يوم الصلاة لوطن الشمس المشرقة ( يوم الرياضة )، الذي يقام في اليابان في أكتوبر ــ تشرين الأول من كل عام . وبعض المدارس تحتفل به في الربيع . في هذه المناسبة بالذات تصبح البيوت شبه خالية من سكانها . فالشريحة العاملة في أشغالها، والأهالي جاهزون كالعادة للمشاركة في الفعاليات الرياضية، وتشجيع أولادهم طلبة المدارس الابتدائية.

أنا أيضاً حضرت مهرجان الصحة والفرح هذا.
أردتُ أن أشاهد بأمّ عيني كائنات لم أعرفها في بلدي إلا منحدِرة من صلْبِ أبي الهول، ومتستِّرة بقناع الآلهة، كيف تقفز وتشجّع وتجري وتناور ! ذهبتُ لأساهِم وأرى مدير المدرسة بجلال قدره وعلو شأنه، كيف سينافس زملاءه الأساتذة برِفْعة مَقامهم في الجري ! وسيشاركون الطلاب في مختلف المسابقات والعروض الترفيهية !! فتحسّرتُ كثيراً على حال الرياضة العربية وأبطالنا.
إييـــــه ~ أنا أيضاً كنتُ مشروع بطلة رياضية لولا ..
يميناً ! لو ربحتُ ورقة اليانصيب لعمّرتُ مدرسةً في وطني بنفس هذا النظام، فتجوب سمعتها الآفاق، وتكون مثالاً رائداً لمدارس أخرى .. طيب والتمويل ؟ .. نشفت الأرض ؟! عندك اليانصيب .. المكافآت .. التبرعات .. عطايا الكرماء، هذا مشروع لصالح أبنائهم ! تمام ، عليكِ وعلى أحلامك العافية ، عودي إلى رفيقتكِ الغائبة.
ليس على الله بكثير ..
عودي .. إلى .. رفيقتك الغائبة !!!

في الصباح الثاني زجرْتُ قلقي ؛ الصحة دَيْن .. اَعْطِ جسدكَ الراحة والرحمة الواجبة ، يُعْطِك نصيبكَ من مكارم الحياة، وإلا ؟!
هل جهد يوم أمس الرياضي قليل ؟ من الصباح إلى المساء ؛ استعراضات راقصة، مسابقات حامية، منافسات طريفة ...
أطِيليْ حبل صبركِ يا بنت أيوب إلى الغد، ستظهر " مينامي " حتماً . الأشجار والأزهار في سُباتها، تنتظر لمسات مينامي الحنون لتصحو .. أمَا قالتْ لكِ بالأمس القريب :
ــ ليس من مشهدٍ أكثر سذاجة من طبيعة صامتة لم يُضْفِ الإنسان عليها إبداعه .. وحْدها يَدُ الإنسان ( العاشقة) منْ تمنح الطبيعة : الحياة، وترفعها إلى مستوى الجلال الذي تستحقّه !

ولكن الطبيعة لم تحظَ لليوم الثالث على التوالي بأشواق الأم الرؤوم وبركاتها : مينامي.
آه !! تذكّرتُ .. بلّغوني أن واحدة من أشهر فرق قارِعي الطبول* ستقيم عرْضاً مجانياً اليوم، احتفالاً بافتتاح خطّ سكّة حديد، بدءاً من الساعة الثامنة صباحاً ويستمر إلى الظهر . الكل ينتظر بشوق هذا العرض الرائع.
أنا أيضاً أودّ الذهاب إنما ~ كان يجب أن أسأل مينامي عن رقم هاتفها عندما تعارفنا قبل أسبوعين . يللا ~ إلى بيتها كالطير الطاير ! أطمئن عليها ثم أتوجّه إلى الحفل.
هذا هو لقائي الرابع مع " مينامي "، وأزور بيتها أول مرة . كانت الساعة التاسعة صباحاً.

حملتُ لها هدية : فطائر بالجبنة، واللحمة، والزعتر، وقطايف بالجوز.
ذهبتُ وأنا أتخيّل ضحكتها حتى ضرس العقل، وسعادتها بتذوّق طعام الأجانب اللذيذ . ستجِد موضوعاً جديداً لتحدّث الجارات عن الكرم العربي، كما فعلتْ عندما حدثتْهم عن الدولما والهامبورجر العربية !*

ها هو البناء رقم 10 والبيت رقم 3 .
قرعت الجرس، وأنا مستعدّة لأفاجئها بمشهد تمثيلي يضيف سروراً جديداً إلى قائمة يومها . لم يفتح أحد . لمحتُ إعلاناً عن اجتماع اليوم الصباحيّ لأهالي المنطقة لمناقشة أساليب إدارة الأبنية السكنية . اليابانيون عادةً يحرصون على المشاركة في هذا الاجتماع لعرْض مشاكلهم وتقديم مقترحاتهم.
يبدو أن مينامي لن تظهر اليوم أيضاً .. فهي إما في الاجتماع أو في الحفل.

وأنا أستدير للعودة، سمعتُ همهمة خفيّة من داخل بيت مينامي وما يشبه الأنين . شهق قلبي . أعدْتُ القرع بيدي بشيء من الوجل وأنا أذْكر اسمي، فسمعت خربشة على الباب، تهيّأ لي أنها طالت، فتناوشتني الظنون، وابتعدت عن الباب لخوف اعتراني وأنا أنظر من خلف درابزين الدرج، كأني ألوذ به من خطر محتمل ؛ فما زالت الأنباء في وسائل الإعلام المحلية وعلى مدار الساعة، تؤكد أن هارباً من العدالة ما زال طليقاً، والشرطة تحيط بمنطقتنا وتحذّرنا من فتح الباب لغريب.

أخيراً فُتِح الباب !
فرأيت صبياً كأنه استيقظ لتوّه من النوم، وقف في العتبة يبحث بعينين زائغتين عن الطارق.
اقتربتُ منه بحذر وتوجّس، وقد زاد قلقي عندما حمل الهواء من الداخل رائحة مقزِّزة، ثم ركعت حتى يقارب وجهي وجهه، وبصوت خفيض ملهوف سألتُه :
ــ أين ماما ؟
فمدّ سبابته إلى الخلف وردّ بصوت مجروح وهو يتأتِئ :
ــ ن ن ن نائمة على الأرض أووو أناديها لكنها لا ت تجيبني ..
ثم شهق شهقات متتالية بتوجّع وقال بهلع :
ــ ك ك كأنها .. م ميّتة !
هالني الخوف في أعماق عينيه فسألته هامسة :
ــ هل دخل بيتكم غريب ؟
هزّ رأسه وعيناه تنذران بالبكاء، وإصبعه تشير إلى الداخل !
تراجعْتُ خطوات حتى وصلت إلى باب الجيران دون أن يفارق نظري داخل شقة مينامي، وبأصابع مرتبكة بحثتُ عن الجرس وقرعتُه بشدة، فلم يردّ أحد ولا في البيت المجاور.
غريب، وإنذارات الشرطة، ورائحة منفّرة، وصبي ضعيف ..
إشارات غير عادية توقِظ من أعماق النفس القلقة الحدْس بالشرّ .. وأنا الأجنبية التي لم تسبر غَوْر هذا المجتمع بعد.
هل الغريب مختبئ داخل الشقة ؟
بأعلى صوت صحتُ مرتين :
ــ أما من أحد ؟
وكان الرد سكوناً عميقاً . الكل غائب اليوم ؛ إما غائب عن الآخر أو في الاجتماع أو في الحفل .. مينامي والولد في محنة، والشرطة تحذّرنا من قاطع طريق وقاطع أرزاق، فهل ستُعينني شجاعتي على ارتكاب ( الشرّ ) في لحظة مرعِبة لو رأيت سكيناً مشهراً في وجهي ؟ .. أرتعد من فأرة . قيلَ لي : لا تقتلْ ؛ فهل أحْجِم عن ارتكاب الأذى، إذا وُضِعتُ في موقفٍ يهدّد كياني لا يحتمل التردد أو التراجع ؟ وتَفضَّلْ هذا خدّي الأيمن ثم الأيسر ومن بعده رأسي حلالاً زلالاً .. ويا رب اغفرْ له لأنه لا يدري ماذا يفعل ؟ سيقودني مبدئي الأخلاقي إذاً إلى الفناء لو التزمتُ به ! أنا متمسّكة جداً بحقّي في الحياة الذي يعادل في قوّته، قوةَ قانون المجرم في الإفناء والإعدام وإنْ كان يعاكسه في الاتجاه ..
هوهووووووه ~ !! عملتِ من الحبة قبة، الاحتراس واجب، ولكن لا تهوِّلي الأمور يا شيخة .. ها هو الصبي حيّ أمامكِ ، فعلامَ الخوف ؟

سرعان ما سيطرتُ على نفسي، فقبضْتُ على شجاعتي، وقد ادّخرتُ لها قلباً مدفوعاً بإحساسِ منْ يريد الانقضاض على شعور الخوف انقضاض العقاب على فريسته.
في تلك اللحظة بالذات، أسْلسَتْ شجاعتي قيادتها لي، فنفختُ فيها من حرارة قلبي ما أسَالها في عروقي.

أوْمأتُ بإشارة من يدي للولد ألا يتحرك من مكانه عند مدخل البيت . انتزعت قدميّ من الأرض، ثم خلعت حذائي وحملت الفردتين بيديّ وقد أشْهرتُ كعبهما ! يا إلهي .. ماذا لو دخل كعب حذائي الرفيع في نافوخ المجرم فقتله ؟ أو في عينه ففقأها ؟ يا أمي ~ كيف تجرّأتُ على تخيّل هذه الصور ؟ إن مجرّد تخيل مشاهد القتل هذه، تساوي عندي القتل نفسه، وليس أشدّ عذاباً لي من تصور إجراءات قتلٍ حتى لو كان قتل الشيطان.
اِمْضي بعون الشرّ !! فأفانين لغة الشيطان لا تدركها الآلهة، وإذا الشيطان احتلّ الميدان، فلا بدّ أن يختلَّ ميزان السلطان.

دخلت بحذر رابطة الجأش، أمشي على رؤوس أصابعي، أختلس النظر إلى يميني ويساري . وما هي إلا خطوات حتى تعثّرت قدمي بكرسي، فاختلّ توازني وسقطت مطروحةً على الأرض الخشبية اللامعة ! وطارت الفردتان من يدي، واحدة منهما حطّتْ قرب مينامي ! فنهضْتُ مرتبكة أتطلع حولي فلم أجد غريباً.
قومي قومي .. لمّي سلاح المعركة .. على المستعدّ لمواجهة بطوليّة أن يحتاط جيداً، لا أن يدخل بجرابات نايلون ليزلق من أول خطوة !

وجدتُ مينامي في غرفة الطعام نائمة على الأرض على بساط رقيق، ووجهها تعلوه حمرة شديدة، وبجانب فراشها كيس تفوح منه رائحة قيء . رميت ( سلاحي ) جانباً، وركعت عندها أهزّها من كتفها، فانشقّ الجفنان عن عينين متورمتين من شدة الاحمرار ثم أغمضتْهما.
ــ هل تسمعيني ؟
لكنها لم تُجب واختلج جسدها بتشنّجٍ عنيف، ثم فغرتْ فمها وصدَرَ عنها شهقة حادة فشخير قوي.

التفتُّ مُرْتاعةً إلى آهات ابنها المكتومة، فطمأنتُه إلى أني لن أتركه، وسنطلب الطبيب فوراً . فقال لي بصوت مرتعش :
ــ ججج جائع .. أأأ ~ أنا جائع.
صوتٌ ذبذباته ترجّ الحجر، وحرارته تذيب القلوب بين الضلوع.
حضنْتُ وجهه بكفيّ، وبلهجةِ ودّ حرصتُ أن أجمّلها بعذوبةٍ تُشيع الاطمئنان في نفسه قلتُ باسمةً :
ــ حزرْتُ إذاً ! جئتُ خصيصاً لأني أعلم أنك جائع فحملتُ لك ما سيعجبك حتماً، انظرْ انظرْ !
ــ ول ل لماذا لم تأتي يوم أ.. أمس ؟
نام جائعاً ؟
تحجّجتُ بأني كنت مشغولة ليلة أمس، ثم وضعتُ العلبة على طاولة الطعام، فوضعها الولد في حضنه، ووضع عينيه في العلبة وبدأ يأكل بنَهَمٍ، فهرعتُ إلى الهاتف أطلب الإسعاف.

كنت أجيب على أسئلة الممرِّض عندما رأيت الصبي يحاول وضْع لقمةٍ في فم أمه الفاغر والمُغمَى عليها ! فرميتُ السماعة جانباً وسارعت أحمله لأبعده عنها، وهو يحاول التخلّص من بين يدي مصِرّاً أن يُطعِم أمه الجائعة، ثم عدت إلى الهاتف أعتذر إلى الممرض، فرجاني أن أهدأ وأتمالك نفسي وأعيد العنوان بوضوح .. في الوقت الذي كان الولد يتلوّى بين ذراعيّ وهو يمدّ يده نحو أمه، ولما وجدني أضمّه إلى صدري بشدة خشية أن يفلت مني، اجتاحه الغضب، فأخذ يناور بقدمَيْه خبْطاً ركْلاً وضرْباً على رأسي بما في يديه من طعام وعلى وجهي بلعبة الروبوت وهو يصرخ وأنا لا أسمع صوت المتكلم فأخذتُ أصيح بالممرِّض بكل قوة أن بين يدي ولداً مضطرباً جداً والحالة لا تسمح بإفلاته وأعدْتُ العنوان مرتين بصوت عالٍ يختلط مع صراخ الصبي وزعيقه في أوْجِهِ وضرْبه ينهال علي طلباً للنجدة من هذه المعتدِية الغريبة !
كانت دقائق عصيبة . ولم أُنهِ المكالمة قبل أن أتأكد من أن المُسعِف قد فهمَ العنوان بوضوح، وهنا فقط أطلقْتُ سراح الولد.

وما زال يصرخ ~
لم أجد وسيلة للسيطرة عليه إلا أن أفتح التلفزيون على برامج الأطفال الرائعة، ورفعتُ صوته إلى أقصى حد كي يجلب انتباهه، فانْدار الولد مأخوذاً بهذا الضجيج المفاجِئ، وبذهول التفتَ يتأمل الأطفال، مقتحِميْ ثورته في اللطْم والغضب والصخب بحفلة رقصٍ وغناء !
انبعاثٌ وانعكاسٌ .. أخَذا يمتصّان الهياج الصارخ فيسْكن رويداً رويداً، ليصبح شهيقاً يتردد في صدره، وأمارات العصبية على وجهه ترتخي، وإذا بالذعر يختفي فتنشدّ العينان إلى بهجة ترْدمُ ذيول الخوف فينْزوي القلق .. وإذا بالجسد يتمايل شيئاً فشيئاً وهو يحاول أن يوائم حركته مع حركة الأطفال، ثم يتوغّل في نشوة جامحة تكاثفتْ حتى أصبحتْ رقصاً وبدأ يقفز في مكانه ! ولا يدري إلا ويده تمتد إلى علبة الطعام تتناول فطيرة بالجوز .. وهو يتابع !

الأمّ جهادٌ شرس طويل النفس . شكراً يا البرنامج التلفزيوني صانع النشْء السعيد ! وأنتِ أيضاً ؛ لا تنتظري الثناء إلا من ضميركِ ، شكراً لفؤادك أيتها الحنون ، هيا اِمْضي وراء شعورٍ نبيل يغمر كيانك يليقُ بقلب الأم ، فالآتي ينتظر همّتكِ العالية . لا تأْبهي للجرح الذي سبّبه الولد بلُعبته تحت عينك ، ولا لشعْرك المنكوش الذي تناثر عليه الزعتر وفتات الفطائر ..
ــ ففف فطيرة لذيذاااة !!
صَيْحتك بديعة يا ولد !

سارعتُ إلى فتح الباب الخارجي، وإخلاء الطريق المؤدي إلى غرفة مينامي لأسهّل وصول الطاقم الطبي، ثم هرعتُ إلى الخارج وأخذت أصرخ بأعلى صوت :
ــ أنْجِدوني .. أغيثوني ..
وقف أمامي ثلاثة مذْهولين وست عيون جاحظة، وأكثر من صوت من بعيد يسأل عما جرى !
أين كنتم يا خبايا الأرض !؟
شرحتُ لهم الأمر، فطمأنني المشرف على البناء أنه سيقوم بواجبه، فيتولّى إغلاق باب البيت بمفتاح خاص بعد خروجنا، كما سيتولّى إبلاغ الأخصائية الاجتماعية المسؤولة عن الولد بالموضوع . واتفقتُ مع الجارة على أن نتقاسم الإشراف على مينامي حتى الساعة الثامنة مساء موعد انتهاء الزيارة في المستشفى.
وفي دقائق معدودة، كان صوت سيارة الإسعاف يقترب.

سُمِح لي بمرافقة مينامي إلى المستشفى بعد التأكّد من هويتي وعنواني.

داخل سيارة الإسعاف، لم يُبْدِ الولد حركة عند قياس ضغط مينامي، ولكن في اللحظة التي أراد المسعِف أن يضع كِمامة الأوكسجين على أنف وفم المريضة، فاجأنا الصبي وهو ينطّ من فوق جسد أمه ليضرب المسعِف، ولما حاولتُ منعه، وصلتْني إحدى ( بركاته ) على وجهي، ثم تحوّل بالضرب إلى الممرض الآخر الذي كان يستعدّ لحقْنها بإبرة في العضل، وهو يزعق في وجهه : للل لا تضرب أمي يا غ غ غبي . ولم تفلح تهدئته وهو يشدّ بنطلون أمه يطلب منها العودة إلى البيت، وإذ بشباك صغير مربّع من قمرة قيادة السيارة ينفتح علينا، وصوت جاف صارم يسأل :
ــ منْ هذا الذي يثير الضجيج والإزعاج ، أنتَ ؟؟
بلغ الولد من شدة الدهشة للظهور المباغت للوجه المربع، أن انعقد لسانه وتدلّى فكّه .. ولبث وهلةً كأنه غائب عن نفسه، لا يستوعب من أين خرجت عليه هذه الهيْأة الغاضبة، ولما ثاب إلى الواقع، أجاب بصوت خفيض يستَرْضي به المُستاء ويستثير عطفه، بأن السيّدَين يضربان أمه . لكن اللسان الحازم أفهمه بأنهما يقومان بواجبهما لتعود أمه إليه سالمة، وضجيجه هذا لا يساعد على العمل . ثم بلهجةٍ لا لِين فيها ولا تساهل ولا تنتظر احتجاجاً آخر قال :
ــ مفهوم ؟
بالكاد هزّ الصبي رأسه وقد جمدت علامات الذهول على وجهه.
ــ ألم تدرس في المدرسة مَهامّ رجال الإسعاف ؟
عاد الصبي وهزّ رأسه ونظرته توحي بالبكاء.
ومن خلال الحاجز الفاصل بيننا وبين مقدمة السيارة، مدّ ذو الوجه المربّع يده يقدّم له كيساً من البسكويت، فكان هذا التعبير الإنساني كافياً ليستثير رغبته في البكاء، فتناول الكيس وهو يقول بصوت دامع : شش شكراً . فعاد الصوت الحازم يسأله عن اسمه، فردّ الصبي وقد بدأ يتماسك :
ــ اِاِ اسمي هيكارو ، عمري ع ع عشر سنوات ، في الصف .. الرابع الابتدائي شش شعبة ج.
ابتسم الرجل ابتسامة مقتضبة وقال :
ــ حسناً " هيكارو كونْ Hikaru kun " *، آمل أن تساعدنا من أجل أمك، راقبْ عملنا لكي تكتب عنه في وظيفة المدرسة.
ثم مدّ كفّه فصفّق عليها هيكارو بكفّه تحيةً.

كان الطريق مزدحماً . فرأيت من خلال الفرجة الضيقة كيف راح بحْرُ البشر والسيارات ينشقّ فتمخر سيارة الإسعاف في نهر الشارع بعظَمة.

البقية غداً.

مينامي : اسم صديقة يابانية، تناولتُ سيرتها في مقالاتي السابقة والحالية.
دولما والهامبورجر العربية : جاء ذكرهما في المقال الماضي .
الرجاء التفضل بالعودة إلى المقال السابق وما قبله لربط الأحداث، وشكراً.

القدرة على التعبير : قرع على الطبل .
https://www.youtube.com/watch?v=veTnLnkW-oY


قرع على الطبل مع العزف على آلة الشاميسين ( Shamisen )
https://www.youtube.com/watch?v=_M4K5wk9DCM

Kun:
لقب يضاف تحبباً إلى أسماء الأطفال الذكور والمراهقين.
Chan :
لقب يضاف تحبباً إلى أسماء الإناث.