في فلسفة الإقلاع عن الكتابة

ابراهيم زورو
2016 / 12 / 21

السفسطائية خير دليل على انطباقية الفلسفة فأنها تكثر من الإيجاز، وهي تلك الحركة النابعة من البارمندسية التي تقر:إن الوجود هو كل ما يمكن أن يكون موضوع قول منطقي متماسك، وإلا فهو عدم.

إذن هناك تطابق بين القول, والفعل بين الوجود والخطاب، فهم يؤكدون بأولوية الخطاب على الوجود، فالخطاب في رأيهم هو الذي يضفي الحقيقة على الوجود .

برأي هذا كلام جميل، إذا ما عرفنا بأنه لن يكون عكس المادية، لنترك هذه القضية جانباً, بل الشيء الذي يهمنا في هذا المجال أنه قول منطقي متماسك, كم نحن بأمس الحاجة لتطبيقه عملياً, أي عندما يكون المرء نفسه في موضوع ما, ولم يبرح ذاته إلا سهواً، فيما إذا أخذنا بعين الاعتبار بأن الإنسان هو الكائن الأهم في الوجود، بصفته الناطق والمتلقي للكلام, وهو الذي يسيّر المواضيع الأخرى ويفهمها، فإذا أحس بعجز ما في فهم ما يتلقاه من كلام فانه لن يكون قولاً منطقياً, عليه أن يفهم ويبحث عن ذلك، والبشرية لن تطرح سؤالاً إلا كان له جواباً، بمعنى إن أي قبول بغير ذلك لهو لغو، ولكن القبول بالقمع, وما يرافقه : من استفزاز وتدمير للذات الإنسانية، هو أيضاً ليس قولاً منطقياً كون الذي يقوم بهذا القمع فأنه يعاني نقصاً في معرفته، وخصوصاً تلك التركة من المعرفة التي تركتها البشرية على مر القرون، فإن القفز من فوق هذه التركة هو أيضا مشكلة فلسفية ينبغي العمل على تفاديها، كون القفز يعني أن المعرفة قد تركته يرعى خارج أسوارها, ومثل هذه الجهالة بالموضوع قد أسقطت كل من الذات, والموضوع من حساب القضية المعرفية, لأن الثقافة هي كلية لا تتجزأ, فأي عمل من شأنه التفرقة بين الذات, والموضوع أو القول بأن الثقافة مجزئة هو قول اعتباطي لا يستند إلى أي مقومات الفكر القويم, وهو قول بأن الوجود قد لا يكون قولاً منطقياً متماسكاً, وهو بذلك قد دخل في مشكلة العدم بالمعنى الشارعي, ولأن العدم هو في نهاية المطاف مقولة فلسفية, وفكرية, و لا تحمل الجانب المشار على أنه قول غير منطقي، ولكنه متماسك في بنيته الشارعية، وهذا الكلام يطلق عليه هيغل (مثقف الشارع).

إن أي ابتعاد بين الذات والموضوع هو ضروري بنظرة أولية، وتبقى الذات متدلية صفحة بيضاء حين يكون الموضوع خارج أسوارها، ومتى ما كانت الذات قد أهملت موضوعاتها فأنه, والحالة هذه قد حرمت نفسها من السير في منطق سليم، وهذا ما لا يقر به أحد، والموضوع هنا يصبح ذاتاً عندما يكون الموضوع في قبضة الذات المفكرة, هذه الوحدة بينهما إنما وحدة ضرورية في وهلتها الأولى، وعلى الذات أن تتخلى عن موضوعها سواء أثمرت, أو لم تثمر، لأن بقاء الذات في وحدة مستمرة مع الموضوع لهو ضرب من المعرفة المبتذلة, وهنا قد ندخل في مشكلة، على أن الذات كانت، قبل أن يكون الموضوع, وهو فكر قد تفادينا الخوض فيه، كون أن أوغست كانط قد فصل في هذا الأمر منذ انطلاقته كفيلسوف حول الفكر الميتافيزيقي، ومنذ ذاك الوقت أصبحت المشكلة هي مشكلة المعرفة، واشترط فيها بصيانة أدوات التفكير, وسؤاله قبل الخوض في أي نقاش جدي، حول ما إذا كان بإمكانه أن يضيف الجديد على حل المشكلة، أو طرح سؤال جديد حول ذلك, أو أي شيء من شأنه أن يشارك بإضاءة الموضوع, ولو قيد شعره، وكأن الذات, والموضوع في وحدة مستمرة, والموضوع هنا كل شيء متعلق بالفكر الإنساني عدا جانبه الروحي، وهو منفصل عنه تماماً، كانفصال الأيمان عن العقل، وقد يكون جزءاً من الذات موضوعاً للذات القائمة بالنقد عندما تتحرك ملكة النقد لتصحيحه .

إذن كل شيء وكأنه بات في حكم قول منطقي متماسك، وهو قول صحيح كونه أن ملكة التفكير تمتزج به فتبدو الاثنتان, وكأنهما شيء واحد, وبدون أن يكون ظاهراً على مستوى الفيزيقي، لان التفكير كان غائباً عند الحديث، تبقى وكأن المعرفة في الهواء لا تمسها أي شائبة في الواقع، لهذا فأن اغلب الناس يتركون الكلام الممتلئ، ويستعملون في كتاباتهم الكلام الفارغ الذي ما هو إلا الاعتناء بالشكل دون المحتوى لذا فأنه لا شيء يوجد في الكلام الفارغ سوى الاستهتار بالكلمات, وإهدار للوقت، وإضاعة للوقت القارئ, ويشل تفكيره دون أن يحصل على فكرة, وهم يلعبون باللغة هكذا, أو يأخذونها تسلية .

وعلى الرغم من أن السفسطائية تحبذ الكلام الفارغ, ولكنها لا تأخذ بها كون أن يكون التفكير فناً يمارس بإتقان شديد, وأن يكون قول منطقياً متماسكاً, لهذا فأن اغلب الكتاب الذين لم يعد بإمكانهم إعطاء الجديد عليهم أن لا يجتروا، والأولى بهم أن يحترموا أدوات التفكير كما قال كانط, ويقلعوا عن الكتابة كي يبقى إرثهم ناصع البياض.