17 الإيمان والإلحاد واللاأدرية بتجرد

ضياء الشكرجي
2016 / 12 / 21

قبل أن أنتقل من المقالات المختارة من كتابي الأول «الله من أسر الدين إلى فضاءات العقل» إلى مقالات الكتاب الثاني «لاهوت التنزيه العقيدة الثالثة»، سأنشر ثلاث مقالات استجدت أثناء المناقشات، مما سأضيفه إلى كتابي الرابع «الدين أمام إشكالات العقل».
وهنا أرى أن أسجل شكري بشكل خاص للقراء والأصدقاء الملحدين واللاأدريين، لأن إثاراتهم وأسئلتهم هي التي أوحت إليّ بفكرة هذا البحث، وحثتني على تناوله، مما جعلني أفكر بالثغرات الموجودة في أدلة وجود الخالق، والأسئلة اللامجاب عليها. وسأتناول هذه الثغرات بعد مقدمات رأيت أنها تمثل مداخل ضرورية للبحث.
أشرت في العنوان إلى أني أريد تناول الموضوع بتجرد، أي متجردا عن عقيدتي الإلهية اللادينية. والتجرد يكون بالتأكيد قدر المستطاع، وبكل تأكيد لن أوفق له بالمطلق.
أريد أن أتناول الإيمان، وأعني الإيمان بالخالق على وجه التحديد، والذي ينقسم إلى إيمان ديني، وإيمان فلسفي لاديني، وفي مقابله اللاإيمان، أو ما يسمى بالإلحاد أو اللاإلهية، وبينهما اللاأدرية، والتي تنقسم إلى اللاأدرية الإلهية واللاأدرية الدينية، وربما اللاأدرية المركبة، أي اتخاذ اللاأدرية تجاه وجود الله، وتجاه صدق الدين، أي الوحي الإلهي. واللاأدرية الدينية يمكن تقسيمها هي الأخرى باللاأدرية الدينية العامة، واللاأدرية الدينية الخاصة. وكذلك الإيمان الديني يمكن تقسيمه إلى إيمان ديني عقلي، وإيمان ديني وحيوي أو نصي. ولأمر بشكل سريع على كل هذه الاتجاهات.
1. الإيمان أو الإلهية Theism أو Deism: ويسميه البعض بـ(الربوبية)، والتي أراها ترجمة غير موفقة، والمقصود به الإيمان بخالق يمثل العلة الأولى اللامعلولة، والذي يطلق عليه بواجب الوجود، أو ضروري الكؤون، واسم العلم له بالعربية «الله»، مقابل اسم الجنس «الإله»، وبالإنگليزية God، وبالألمانية Gott، وبالفارسية خدا، مع وجود تسميات أخرى حسب اللغات والديانات، مع العلم إن اللغات الأخرى تستخدم نفس المفردة لكل من اسم العلم واسم الجنس، ولكن يتضح الفرق من خلال السياق، وعبر الفرق بقواعد الرسم أي الإملاء في بعض اللغات كالإنگليزية: (God, the/a god).
2. الإيمان العقلي أو الفلسفي اللاديني: هو الإيمان بالله وفق أدلة عقلية عند أصحابها، وإن كانت تلك الأدلة ربما غير مقنعة لغيرهم من ملحدين أو لاأدريين أو وثنيين.
3. الإيمان الديني المحض: هو الإيمان الذي يستند على نصوص ما يعتبره أصحابه كتبا مقدسة، أو نصوص تمثل الوحي الإلهي، أو نصوص نبوية ورسولية. وهذا الإيمان يستند على ما يعتبره وحيا، أو قولا نبويا معصوما من الخطأ ولا يعول على الأدلة العقلية والبحوث الفلسفية، بل قد يعتبر الفلسفة كفرا، كما عند المتطرفين من أتباع هذا الاتجاه.
4. الإيمان الديني العقلي: هذا النوع من الإيمان يحاول أن يزاوج بين النوع الثاني والثالث، وتختلف درجات اقتراب أو ابتعاد أصحابه من أو عن الإيمان العقلي والإيمان الوحيوي، فكلما اقتربوا أكثر من العقلية، زاولوا بقدر أوسع تأويل النصوص المتعارضة أو المتعارض ظاهرها مع المنهج العقلي إلى ما ينسجم معه، وكلما اقتربوا من النصية أو الوحيانية، كلما لجأوا أكثر إلى التبريرية (تبرير ما هو غير عقلي)، أو التوقيفية (اعتبار صحة المقولات متوقفة على نصوص الدين الثابتة، أو التعبدية القرينة للتوقيفية، أي اعتماد مقولة وجوب التعبد بالنص، أو الحكم الشرعي حتى لو لم تفهم الحكمة منه.
5. اللاإيمان أو اللاإلهية أو الإلحاد Atheism: وهذا يتفاوت في درجاته، بين عدم الإيمان بوجود إله، والإيمان بعدم وجود إله، فبينما يترك النوع الأول الباب مفتوحا أمام الاقتراب من اللاأدرية وعدم حسم نفي وجود الخالق بالمطلق، يكون الثاني حاسما وقطعيا.
6. اللاأدرية الإلهية: عندما يجري الحديث عن اللاأدرية Agnostic، فيقصد به اللاأدرية تجاه وجود أو عدم وجود الخالق، بمعنى إن اللاأدريين عندما يواجهون السؤال، هل إن الله موجود، يقولون: لا ندري، فلا هم هم قاطعون بوجوده، ولا بنفي وجوده. وربما تتفاوت درجة اللاأدرية بين أن تكون راجحة بدرجة أو أخرى، ولنقل بين الـ 55% إلى الـ 75%، أو تكون غير راجحة، أيضا بدرجة أو أخرى، ولنقل هنا بين الـ 45% إلى الـ 25%، مع لحاظ إن النسب افتراضية.
7. اللاأدرية الدينية: بمعنى إن هؤلاء مؤمنون بالله، لكنهم لا يعلمون ما إذا كانت الأديان تمثل حقا وحيا إلهيا، أم هي اجتهاد بشري. وهنا أيضا قد نجد درجات متفاوتة للاأدرية الدينية، كما ذكر بالنسبة للاأدرية الإلهية، وهذه اللاأدرية مثلت رؤية المذهب الظني.
8. اللاأدرية الدينية العامة: هي ما ذكر في النقطة آنفا، وذلك بالنسبة لعموم الأديان التي يؤمن بها أصحابها وحيا إلهيا.
9. اللاأدرية الدينية الخاصة: هنا عندما يحتمل معتمد هذا النوع من اللاأدرية الدينية إن دينا معينا على وجه التحديد، هو الذي يحتمل أن يكون وحي الله، كما وقد يكون نتاجا بشريا، مع عدم إيمانه بإلهية بقية الأديان.
10. اللاأدرية المركبة: وهي التي يجمع معها صاحبها بين اللاأدرية الإلهية واللاأدرية الدينية. ولو إني لم ألتق بشخص لاأدري من هذا النوع، ولكن يمكن افتراض وجود مثل هذه الحالة، وإنها إن وجدت فهي لا تخلو من غرابة.
والذي أريد تناوله هنا، هو ما يتعلق بالإيمان أو عدم الإيمان بالخالق، ولذا سأقتصر على تناول الإيمان واللاإيمان واللاأدرية بالنسبة لله، ثم قد أمرّ على الإيمان واللاإيمان الديني واللاأدرية الدينية، بمقدار ما له علاقة بالموضوع.
بالنسبة لي كإلهي لاديني، لا أرى أي مشكلة مع الإلحاد والملحدين، فمن يقتنع بعدم وجود الله، لا يضر أحدا، ولا يضر الله، ولو مع فرض وجوده، ولا يضر نفسه. وشخصيا أعتبر الملحدين أقرب إليّ لعدة اعتبارات. أولا إنهم لادينيون بضرورة كونهم لاإلهيين، ولأن الضرر على البشرية جاء، فيما جاء، حسبما إلت إليه من قناعة، من الدين، ولم يأتنا من الإلحاد. ثم الملحدون يكونون بالضرورة علمانيين، ويرون وجوب إبعاد الدين عن الشأن السياسي، والشأن العام، وهذا ما أتبناه كديمقراطي علماني ليبرالي. ثم إن التاريخ والواقع الراهن أثبتا أن ليس هناك من تلازم بين الإيمان والتدين من جهة، وبين إنسانية سلوك الإنسان المؤمن والمتدين، كما ليس من تلازم بين اللاإيمان واللاتدين وعدم إنسانية سلوك الإنسان الملحد أو اللاديني أو غير الملتزم، أي غير المتدين. وحتى إذا قلنا بوجود حياة بعد هذه الحياة، يكون هناك فيها ثمة جزاء إلهي، ثوابا أو عقابا، فالله الذي أؤمن به، بكماله المطلق، وبالتالي بعدله المطلق ورحمته المطلقة، والذي أنزهه، لا يعاقب إنسانا على أمر غير اختياري، ذلك أنه لم يستطع أن يقتنع بوجود الله، أو لم يقتنع بدين ما، ثم يتبين أنه الدين الحق، على افتراض وجوده، وإن كنت أقطع شخصيا بعدمه.
إذن لا مشكلة لدينا مع الملحدين. هل معنى هذا أن المشكلة مع الدينيين؟ بكل تأكيد لا، إذا ما التزموا بالمثل الإنسانية والقواعد العقلانية، ولم يتعصبوا، ولم يحملوا مشاعر الكراهة تجاه المغايرين لهم في الدين أو العقيدة، ولم يتشنجوا تجاه نقد الدين من قبل اللادينيين، سواء كانوا ملحدين أو إلهيين. لكن المتعصبين من الدينيين شكلوا، ليس حصرا بل بشكل أساسي، على امتداد التاريخ مشكلة من كبريات المشاكل للبشرية.
طبعا هذا لا يعني عدم وجود ظاهرة الإلحاد الأصولي التكفيري. وكمثال للأصولية الإلحادية أو الإلحاد التكفيري، أورد هنا ما علق أحدهم على الحلقة الأولى من مقالاتي، فجاء تعليقه بالنص الآتي: «الله مسكين لا حول له ولا قوة، وأنت تريد أن تجعل منه قوة جبارة قاهرة. دعك من هذه الخرافات وانظر للواقع كما هو موجود، لا كما تريد مخيلتك الخرافية أن تراه. متى تستيقضون من نومكم العميق، لقد نمتم طويلا، كفى غباءً واستسلاما للخرافات التي فتكت بالمجتمعات الدينية، وأنتم أيها المدعون بالثقافة، فإنكم لا تزيدون إلا في بقاء الفكر الخرافي. أنت لا تنتقد الدين، بل تدافع عن بقائه في المجتمع، كي يبقى في عمله الدؤوب، ألا وهو تحطيم العقل البشري. شكرا على هذا المجهود الجبار الناشر للخرافة والجهل.»، وعلق آخر قائلا: واصفا كلامي بـ «سفسطات» و«مفاهيم خرافية بدائية جدا».
مع إن هذا التعليقين قد لا يمثلان ظاهرة واسعة بين صفوف الملحدين، لكنها في مجتعاتنا أوسع منها في المجتمعات التي فرضت الثقافة الليبرالية نفسها على طريقة التعاطي مع الاختلاف، سواء عند الدينيين أو الملحدين.
وعلى أي حال فإني كإلهي لاديني لا يهمني إقناع اللاإلهيين (الملحدين) بقضية الإيمان بالله، بقدر ما يهمني تحريك عقول عقلاء ومعتدلي المتدينين، ليعيدوا النظر في المسلمات والنهائيات مما ورثوه ووجدوه في محيطهم.
لكني لا أستطيع أن أروّج إلى فكري اللاديني إلا عبر إيماني بالله، لأني صدفة مؤمن بالله، ولأن لي تجربتي الدينية الخاصة لثلاثين سنة، ولكوني أعتبر الصدق قيمة عليا، لذا لا أستطيع أن أكتب إلا من وحي ما أؤمن به، ولا أضع في الحساب، كم الذين سيرضون عني، وكم الذين لن يرضوا عني. مع إني دائما أكدت وأؤكد إن ما أطرحه، لا أدعي كونه الحقيقة المطلقة والنهائية، لأني مؤمن بنسبية الحقائق في عالم الإنسان.
ولكوني للأسباب التي مرت تناولت فكرة الإيمان بالله، عندما مارست نقد الدين ونفي دعوى إلهيته، جاءت مجموعة إشكالات واعتراضات وأسئلة متعلقة بقضية الإيمان بالله. طبعا الاعتراضات جاءت من طرفين يعتبران النقيضين لأحدهما الآخر، ألا هما الملحدون والدينيون، أو لنقل بالتحديد المؤمنون بالإسلام. وهنا رأيت إن الرد على الفريق الثاني وعلى أدلتهم أمر في غاية السهولة بالنسبة، فليس هناك من إشكال يثيرونه أو حجة يعتقدون بحجيتها يوردونها، إلا رددتها بأدلة في مقابلها، لا أدري، ألضعف أدلتهم، أم لإلمامي بها، كونها تمثل ثقافة عرفتها عن قرب وبتعمق لا بأس به لثلاثين عاما. بينما، وهذا إقرار مني، أني ألقى صعوبة أكبر مع الملحدين، لأنه ليس هناك إجابات مقنعة وحاسمة تجاه بعض إشكالاتهم. هذا بالرغم من أني مقتنع بأن أدلة وجود الله من المتانة، مما يجعلني أؤمن بالله، كما سبق وعبرت عنه، بنسبة 99,99%. لكن ما جعلني أقتنع به لا يجب أن يكون مقنعا لغيري، وما أجده دليلا حاسما لا يجب أن يمثل دليلا لغيري.
أهم الأسئلة التي يثيرها - محقين - الأصدقاء الملحدون، بل وحتى اللاأدريون، على الإيمان أو الإلهية، أو موضوعة الخالق هي أربعة:
1. غياب العدالة في هذه الحياة، وعدم وجود تفسير مقنع لما يسمى بالشرور.
2. عدم جعل الله طريقا ميسرا للإنسان لمعرفته والإيمان به.
3. عدم تدخله في دحض التقول عليه وادعاء النطق باسمه والتشريع إيجابا وتحريما وإباحة نيابة عنه من قبل الأديان والمدعين للنبوة أو المعتقد بنبوتهم. طبعا عندما أقول (المدعين) فبلا شك حسب قناعتي وقناعة عموم اللادينيين، سواء الملحدين منهم أو الإلهيين مثلي، وليس حسب قناعة المؤمنين بنبوتهم، مع احترامنا لهم، لاسيما لعقلائهم وإنسانييهم.
4. إشكالية أزلية الخالق، واللابداية واللاعلة لوجوده.
وسأحاول تناول هذه الإشكالات الأربع، لأرى ما إذا يمكن تصور ثمة إجابة، أو إجابات، إلم تكن مقنعة مئة بالمئة، فلا أقل من أن تكون قابلة للتأمل فيها، ومشتملة على قدر من المعقولية، أو لعله الانتهاء بالإقرار بالعجز عن إعطاء جواب على بعض التساؤلات، وما يترتب أو يمكن أن يترتب على هذا الإقرار بالعجز عن الإجابة.
یتبع في الحلقة القادمة.