أمريكا.. البحث عن عبدالله إبن سبأ

جعفر المظفر
2016 / 12 / 20

أمريكا.. البحث عن عبدالله إبن سبأ
جعفر المظفر
إذا صح ما يقوله الرئيس أوباما حول قيام روسيا بالتلاعب بنتائج الإنتخابات الأمريكية الأمر الذي ادى إلى فوز ترامب في الإنتخابات الأخيرة على حساب المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون فإن ذلك معناه أن أمريكا برمتها, وليست ماكنتها الإنتخابية باتت على أبواب فواجع خطيرة. أما إذا كان الأمر برمته يشكل محاولة إحتواء الصدمة التي خلقها فوز ترامب المدوي على منافسته العتيدة ثم إيجاد مخرج ينقذ الديمقراطيين من ورطة هزيمتهم المرة عن طريق إلقاء تبعية هذه الهزيمة على الشيطان الروسي فإن ذلك معناه أن الأمريكيين وقعوا أيضا في ورطة نظرية المؤامرة تلك التي تعود العالم الثالث على إمتهانها للتهرب من محاسبة الذات عن طريق إلقاء تبعات الهزيمة على العدو الخارجي.
في الأصل لا أعتقد ان نظرية المؤامرة هي إختراع أمريكي أو إسرائيلي, ولمن يعتقد أن العرب ليسوا عباقرة في علم السياسة سيكتشف خطأ إعتقاده هذا لو أنه قرأ ولو بشكل عاجل بعضا من التاريخ القديم, بل لعله سيعلم بأن العرب هم من إكتشف هذه النظرية حينما أكدوا على أن مقتل الخليفة عثمان كان بسب مكيدة دبرها عبالله بن أبي سبأ, اليهودي الذي إستطاع لوحده أن يؤلب الصحابة, وخاصة العشرة المبشرين بالجنة, على بعضهم البعض, مما أدى إلى الفتنة الكبرى التي ما زال المسلمون يتلظون بنارها.
أوباما يقف اليوم على رأس قائمة من الديمقراطيين الذين يحاولون الهرب من مجابهة المحنة التي خلقها فوز ترامب المفاجئ والذي أتى بمستوى جعلهم غير قادرين على البحث عن اسرار الهزيمة على يد رجل كان مقدرا له أن يخسر السباق بالحتمية التي جعلت فوزه الحاسم مدعاة حقيقة لإعادة مراجعة, ليس أخطاء الديمقراطيين وحدهم, وإنما مسار الأمة الأمريكية نفسها في عالم ما بعد غياب الإتحاد السوفيتي.
لقد فرض عليها هذا المتغير الجوهري تغيرا مرافقا على مستوى شكل نسيجها الإجتماعي نفسه الذي أظهر إنفتاحا إيجابيا على الخطاب الأوروبي المتأثر بصعود الأحزاب والأفكار اللبرالية المتفتحة كان من ضمن تداعياته الإستجابة لتغيير نمط الثقافة الأمريكية ذات الأصول الأنكلوساكسونية التي تعيد أمريكا وفق ما شاء لها عتاة المنظرين من حزب الشاي الذي نشأ بدعوى الحفاظ على الهوية الأمريكية الأصيلة والهادف لضمان إستمرار مفاهيم العظمة الأمريكية كما في سابق عهدها. وبلا شك فإن عودة كهذه لن تتحقق بسهولة وإنما هي تستدعي العودة عن مناهج سياسية وإقتصادية وإجتماعية تم إرساء دعائمها في فترة ما بعد نهاية الحرب الباردة.
في عصر ما قبل ترامب كان تغيير الرئيس من جمهوري إلى ديمقراطي وبالعكس لا ينال من جوهر السياسة الأمريكية التي ترسمها المؤسسة القيادية المشتركة والمتأسسة على الخطاب المشترك بين الحزبين والقيم الأساسية للدولة العميقة. إن ذلك لا يعني عدم وجود فوارق حقيقية بين الحزبين كما قد يتخيل البعض إذ ثمة تفارق يمكن أن يدلك عليه الموقف من طرق تنشيط الفاعليات الإقتصادية وتنظيم الضرائب وقضايا ذات علاقة بتنظيم المجتمع والحريات الإجتماعية , وفي الأخير لعب الموقف من المهاجرين وحرية الإجهاض وحقوق المثليين دورا واضحا في تحديد حجم الإصطفافات حول الحزبين يماثله على الصعيد العالمي الموقف اليميني الرافض لسياسة أوباما المهادنة في الساحات العالمية الساخنة وخاصة طريقة التعامل مع ظاهرة الإسلامو فوبيا والموقف من حلف الناتو ومن مجموعة الحلفاء التقليدين وسياقات التعامل معهم, أو مع الملف الإيراني والكوري وقضايا تسلحهما النووي والتخلي عن سياسة شيطنة روسيا , كما وصعدت إلى واجهة التأثير قضايا ذات أهمية عالمية مثل الموقف من تلوث البيئة وقضايا الإحتباس الحراري.
إن كل هذه الفوارق كان يمكن تدجينها في لعبة التنافس بين الحزبين بما يجعلها تتناغم وأصول اللعبة, وبما يجعل الصراع الإنتخابي بين المرشحين قائما على طرق تصريف الخطاب الأمريكي لا على الخطاب نفسه, وسيكون هذا الصراع مغلقا على النخبة التي تتمثل فيها اصولية هذا الخطاب وبالشكل الذي يحول دون صعود مرشحين من خارجها, لكن الأمر خرج على السياق هذه المرة.
المثير في الإنتخابات الأخيرة أن فوز ترامب جاء على خلاف أكثر المراقبين والمحللين السياسيين, وحتى الجمهوريين أنفسهم فإن البعض من قيلداتهم قد أخذته المفاجأة, وحتى أنها لم ترضه بحساب ما يعنيه فوز هذه الشخصية المثيرة للجدل على صعيد هزيمة قياداتهم التقليدية, وبالنتيجة فإن هذا الفوز الذي تحقق ضد الديمقراطيين لم يكن بالضرورة نجاحا للجمهوريين أنفسهم الذين يؤمنون أن ترامب لم يفز بفعل زخم برامجهم وإنما بفعل قدرته على العزف المنفرد.
بالنسبة لأوباما والقيادة الديمقراطية التي يمثلها لا يعني فوز ترامب خسارة للمرشحة الديمقراطية وحدها وإنما خسارة لهذه القيادة, اي انها خسارة برامج وإستراتيجيات من شأنها أن تعيد امريكا, داخليا وخارجيا, إلى مربع كانت قد غادرته من خلال تحولات ليس من السهولة العودة عنها دون تضحيات كبيرة, ويوم ينشد الناخب الأمريكي إلى شخصية بديلة من طراز ترامب فلا بد وان يؤدي الموقف إلى صدمة من الصعوبة تفسيرها دون اللجوء إلى تهريب أصل المشكلة على الطريقة العالمثالثية, أي عن طريق البحث عن إبن أبي سبأ من خارج البيت الأمريكي نفسه.
لكن محاولة الخروج من هذا المأزق بإمكانها أن تدخل أمريكا في مأزق أخطر. إتهام روسيا بهذا الإختراق يعني بالنتيجة أن العظمة الأمريكية باتت على ابواب خسارة كبرى ذات علاقة بقدرتها على الحفاظ على متانة أنظمتها الأمنية, فالأمة التي لم تعد لديها قدرة الحفاظ على أمنها الألكتروني لن يكون في مقدورها أن تعيش في عالم مبرمج ظنت لوهلة أنها باتت تهيمن كاملا على مفاتيح برمجته