16 من المذهب الظني إلى التفكيك بين الإيمان والدين

ضياء الشكرجي
2016 / 12 / 19

16 من المذهب الظني إلى التفكيك بين الإيمان والدين
ضياء الشكرجي
dia.al-shakarchi@gmx.info
هذه هي الحلقة السادسة عشر من مختارات من مقالات كتبي الخمسة في نقد الدين، ونحن نقترب من نهاية المختار من مقالات الكتاب الأول «الله من أسر الدين إلى فضاءات العقل»، وهذه الحلقة السادسة والأخيرة لمبحث (المذهب الظني)، الذي يعرض لعقلاء المتدينين الذين يراوحون بين إيمانهم بإلهية الدين وبين احتمال بشريته، ثم سأنشر في ثلاث حلقات موضوعا استجد أثناء النقاشات، لنبدأ بعد ذلك بالتأسيس للاهوت التنزيه (عقيدة الإيمان العقلي اللاديني)، ثم لنبدأ بموضوعات الكتاب الثاني «لاهوت التنزيه العقيدة الثالثة».

الإنسان بين المسؤولية والمعذورية
عندما يزاول الإنسان أي عمل أو يترك عملا آخر، يحتمل في فعل الأول أو ترك الثاني المخالفة، إلهيا، أو دينيا، أو قانونيا، أو أخلاقيا، أو عرفيا، أي يكون قد ارتكب ممنوعا أو محرما أو ما يرجح له تركه، أو ترك واجبا أو ما ينبغي له الإتيان به، يكون عندها إما مسؤولا عن تلك المخالفة وتحمل تبعاتها، أو معذورا في فعله أو في تركه.
فالإنسان مكلف بأفعال وتُروك، إما على نحو الإلزام الذي لا رخصة فيه بالمخالفة، أو على نحو الترجيح المقترن برخصة عدم الالتزام، مما يجعله في الحالة الأولى مستحقا لثمة عقاب، وفي الحالة الثانية مستحقا لثمة عتاب، أو يكون معذورا، فيسقط عنه العقاب والعتاب. كما مر آنفا فإن هذا التكليف إما إلهي غير ديني، أو ديني، أو قانوني، أو أخلاقي، أو عرفي.
وهنا سيُقتصَر على المسؤولية والمعذورية على الصعيد اللاهوتي، وعلى الصعيد الأخلاقي البشري. وأهملنا البعد الديني، لأن الدين محكوم بالعقل والضمير، كما أهملنا القانون، لأنه من لوازم التكليفين الإلهي والأخلاقي، لما يمثل القانون من بعد أخلاقي وإلزام بحكم كونه عقدا اجتماعيا، كما أُهمِل العرف لأنه متحول ومتغير، ولأن العقلاء يقبلون العرف أو يرفضونه بمقدار ما يتفق أو يختلف مع قواعد العقل ومثل الأخلاق.
إذا تكلمنا عن كل من مسؤولية ومعذورية الإنسان أمام الله [طبعا لمن يؤمن بالله]، فإنما نتكلم هنا عن حجتين، حجة الله على الإنسان، أي ما يجعله مسؤولا ومحاسَبا أمامه، وحجة الإنسان أمام الله، أي ما يكون بموجبه معذورا بين يديه. ولنُسمِّ الحجة الأولى بالحجة (العَلـَيهِيّة)، أي ما يمثل بالنسبة للإنسان حجة (عَلـَيهِ)، والحجة الثانية بالحجة (اللـَّهُوِيّة)، أي ما يمثل حجة (لـَهُ)، فالأولى تدينه في حال التقصير، والثانية تبرئه. الحجتان الأساسيتان، سواء (العَلـَيهِيّتان) أو (اللـَّهُوِيّتان) هما حجة العقل وحجة الضمير، فالعقل أداة التصويب والتخطيء، من أجل تحقيق سلوك عقلاني، والضمير أداة التحسين والتقبيح، من أجل تحقيق سلوك إنساني. فهاتان حجتاه أمام الله، أو بالنسبة لمن لا يؤمن بالله، أو لا يؤمن بالجزاء، فهما حجتاه أمام نفسه، أي أمام عقله وضميره. وعندما نقول إنهما الحجتان الأساسيتان، فبمعنى أنهما ليستا الحجتين الوحيدتين، بل هناك حجج فرعية، منها حجج إدانة، ومنها حجج تبرئة عديدة، بما لا يحصيها عدد، فهناك عدد من عناصر الاختيار وعناصر الجبر، تدخل في تركيبة شخصية الإنسان وقدراته الذهنية والنفسية، بكل ما تحفل به شخصيته من عناصر القوة وعناصر الضعف، عناصر الإرادة وعناصر سلب الإرادة، كلها تدخل في تركيبة شخصية الإنسان إجمالا، وتدخل تفصيلا كمؤثرات في كل فعل وفي كل ترك، في كل إدراك وقصور في الإدراك، وفي كل عاطفة انجذاب وعاطفة نفور، سواء كان كل من الانجذاب أو النفور محمودا أو مذموما، إراديا أو لاإراديا. كما إن هناك حججا أخرى، كحجة القانون، والتعاقد، والتعاهد، وبقية الالتزامات الملزمة بحسب سِيَر العقلاء، الثابتة منها والمتغيرة.
هل يمكن التفكيك بين الإيمان والدين؟
هنا يراد أن تُطرَح تساؤلات، ويُحاوَل أن يُجاب عليها، ضمن مناقشة عقلية، أي في إطار ضرورات وممكنات وممتنعات العقل، أي بشكل محايد دينيا، أي مستقل عن مقولات الدين، دون إعطاء حكم، إثباتا أو نفيا، تجاه تلك المقولات الدينية، فهي تعالج القضايا المطروحة معالجة عقلية محضة.
التساؤل المطروح في العنوان يبدو للبعض للوهلة الأولى غريبا ومشتملا على ثمة تناقض. التناقض يكون حاصلا، إذا ما اعتُبِر كل من الإيمان والدين مترادفين، فنكون وكأننا نطرح السؤال عن إمكانية التفكيك بين الدين والدين، أو التفكيك بين الإيمان والإيمان، فيكون التساؤل ضربا من الهراء واللغو، أو لعله السفسطة. لكن عندما نعلم أن المعني بكل من المفردتين معنى آخر متفاوت عن الثاني، ولكن غير مناقض له، وأن العلاقة علاقة عموم وخصوص مطلقا، بمعنى أنه إذا كان الدين يعني في كل الأحوال الإيمان، لا يكون بالمقابل معنى الإيمان هو الدين في كل الأحوال، أي (كل دين إيمان، وليس كل إيمان دينا)، أو (كل دين إيمان، وبعض الإيمان دين). فمصدر العقيدة في (الإيمان) هو العقل، ومصدر (الدين) هو العقل والوحي عند العقليين، والوحي وحده عند الوحيويين، أو النقليين، أو النصيين. والمؤمنون اللادينيون يلتقون مع الدينيين العقليين على مشترك مصدرية العقل، ويلتقي الدينيون من العقليين والوحيويين على مشترك اعتماد مصدر الوحي حصرا، أو بضميمة العقل، ولا مشترك فيما يتعلق بفهم الإيمان بين الإيمانيين التفكيكيين العقليين والدينيين الوحيويين، إلا بكون كل منهما يمثل إيمانا، لكنه إيمان مغاير للآخر.
إذا كان بعض القراء قد أدركوا المعنى المقصود، فهناك آخرون ما زالوا ربما حتى هذه العبارة في ثمة حيرة. ومن أجل ألا تطول حيرة هذا القسم من القراء، لا بد من التقديم بتعريف أولي للمصطلحين، مرجئا تعريف بقية المصطلحات التي ستستخدمها المقالة. فنقول:
1. الإيمان: الإيمان الفلسفي بالله وما يترتب على هذا الإيمان بضرورات العقل من توحيد الله والإقرار بكماله المطلق، وبالتالي تنزيهه، وكذلك الإقرار بعدله، الذي يترتب عليه الإيمان الإجمالي - لا التفصيلي – بالمعاد [الأصح "الحياة الأخرى"] والجزاء. وعلى مستوى السلوك يكون ترتيب الأثر على الإيمان العقلي هو الإتيان بما يحسنه العقل والترك لما يقبحه العقل.
2. الدين: الإيمان الديني بالله والإيمان بالدين وما يترتب عليه من الإيمان بالنبوة العامة والخاصة بذلك الدين، والإيمان التفصيلي بالمعاد وبسائر ضرورات ذلك الدين من غيبيات هي من الممكنات العقلية، حتى لو كانت من الضرورات الدينية. وعلى مستوى السلوك يكون ترتيب الأثر على الإيمان الديني هو الإتيان بما يعتقدون أن الله أمر به بحسب الدين، وما يحسنه العقل (بالنسبة للدينيين العقليين)، والترك لما يعتقدون أن الله ينهى عنه بحسب الدين، وما يقبحه العقل (بالنسبة للدينيين العقليين).
وقبل مواصلة الموضوع، أقدم بتقديم ثان مهم للموضوع، ألا هو بيان الأحكام الثلاثة على المقولات المختلفة، أي الضرورات (الواجبات)، والممكنات، والممتنعات (المحالات)، ومن أجل ألا نكرر تعداد هذه الأحكام الثلاثة تجاه كل مقولة، سننعتها بالأحكام الثلاثة. فأقول إن الأحكام الثلاثة تتغير بتغير القاعدة التي تستند عليها، أو الميدان الذي تتحرك فيه وتختص به. فعندما نتحدث عن أحكام العقل، غير ما نتحدث عن أحكام الدين، أو أحكام أي ميدان من ميادين الفكر والحياة والعلوم. فضرورات الدين تكون بالنسبة للعقل من ممكناته، إذا كان الدين صادقا، أما إذا كانت من ممتنعاته، فالدين بالضرورة كاذب. كما إن هناك التقسيم الذي طرحه المفكر الإسلامي محمد باقر الصدر (الممكنات العقلية، والعلمية، والعملية) والذي قَسمتُ بدوري العلمية منها إلى نظرية وتطبيقية، فالنظرية منها أوسع من التطبيقية، وقسمتُ العملية إلى عامة وخاصة، والعامة أوسع من الخاصة، وأستغني عن تفصيل ذلك هنا. الذي أريد أن أقوله أن هناك ضرورات عقلية، وهي ضيقة، وضرورات ميدانية أو تخصصية، وفي بحثنا هنا تهمنا الضرورات الدينية. وهذه تتسع وتضيق، فهناك الضرورات الدينية العامة، كالإيمان بعالم الغيب (الميتافيزيقا) إلى جانب عالم الشهادة (عالم الطبيعة)، وهناك ضرورات الأديان الإبراهيمية أو التوحيدية، وأهمها الإيمان بالله الخالق لكل شيء وحصر الألوهية فيه، والإيمان بالحياة ما بعد هذه الحياة والجزاء، والإيمان بالنبوات والرسالات والأنبياء والرسل، ولعل من ضرورات هذه الأديان البعد الروحي (علاقة الإنسان بربه)، والبعد الأخلاقي (علاقة الإنسان بالإنسان) [ولو حسب النظرة الدينية التي نتفق مع البعض ونختلف مع البعض الآخر منها]. وهناك ضرورات دين محدد، كضرورات المسيحية التي منها الثالوث وبنوة المسيح لله، أو ضرورات الإسلام، كالإيمان بنبوة محمد وختم النبوات بها، أو الضرورات في الأحكام كوجوب الصلاة وغيرها، وهكذا هناك محرمات عامة لكل الأديان، وأهمها حرمة القتل والسرقة والكذب والخيانة والغش والظلم والزنا وإلى غير ذلك، بينما المحرمات الضرورية الخاصة بالإسلام مثلا، فهي حرمة أكل لحم الخنزير [كما في اليهودية] وشرب الخمر وغيرهما. وهكذا هناك ضرورات أضيق من ضرورات الإسلام، هي ضرورات مذهب من مذاهب الإسلام، كضرورات المذهب الشيعي، التي منها الإمامة الاثناعشرية، وما يرتبط بها من عصمة وشفاعة تشمل الرسول والأئمة الاثني عشر والزهراء، والمهدي والغيبة والانتظار، واتساع مفهوم السنة كمصدر ثان للتشريع، لتشمل سنة المعصومين بما هو أعم من سنة الرسول. والضرورات تارة تدور في إطار العقائد، وتارة في إطار الأحكام. وبالتالي ومن خلال التمييز بين أحكام العقل الثلاثة وأحكام الدين، نعرف أن ضرورات الدين أوسع من ضرورات العقل، وبعكسه ممكنات العقل أوسع من ممكنات الدين. وعندما نتكلم عن الضرورات بما هي أعم من الضرورات في مقابل الممتنعات، فنعني الضرورات الإيجابية والضرورات السلبية، أي الممتنعات، وبالتالي فممتنعات الدين أوسع من ممتنعات العقل [وإن كان بعض ممتنعات العقل الأخلاقية هي من مباحات أو واجبات الدين، كقتل ما يسميه الدين بالكافر]. وبالنسبة للدين في جانبه التطبيقي (الأحكام الشرعية)، فضروراته هي الواجبات أو الفروض: (الواجب)، وممكناته هي مباحاته: (الحلال)، وممتنعاته هي محرماته: (الحرام).
بعد هذا التقديم نعود إلى مفردتي (الإيمان) و(الدين)، ومفردات أخرى ذات علاقة بموضوعنا.
1. الإيمان = الإيمان بالله = الإلهية (Theism) بالألمانية (Theismus).
2. الإلحاد = عدم الإيمان بالله = اللاإلهية (Atheism) بالألمانية (Atheismus).
3. الدين = الإيمان بالدين/بدين، أو بالأديان/بأديان = الدينية (Religionism) بالألمانية (Religionismus).
4. اللادينية = عدم الإيمان بأي دين = (Areligionism) بالألمانية (Areligionismus).
5. اللاأدرية = (Agnostizism) بالألمانية (Agnostizismus).
وهنا تجدر الإشارة إلى أن كلا من مصطلح (Rligionism) بالإنڠليزية و(Religionismus) بالألمانية بمعنى (الدينية)، ومصطلح (Areligionism) بالإنڠليزية و(Areligionismus) بالألمانية بمعنى (اللادينية) هما من ابتكاري، مما استخدمته في كتابي باللغة الألمانية «Religion kontra GOTT»، وهما يقابلان مصطلحي (Theism) بالإنڠليزية و(Theismus) بالألمانية بمعنى الإلهية أي الإيمان بالله، و(Atheism) بالإنڠليزية و(Atheismus) بالألمانية بمعنى اللاإلهية أي الإلحاد.
بعد سرد هذه المفردات أحاول أن أشرح كلا منها بشيء أكثر من التفصيل، وذلك مع ذكر ما يلتقي منها مع غيرها، وما لا يلتقي، ضرورة أو إمكانا.
1. الإيمان: بالضرورة لا يلتقي مع الإلحاد، بينما يمكن ولا يجب أن يلتقي إما مع الدين، أو نقيضه اللادينية. فبعض الإيمان ديني، وبعضه لاديني، أي مستقل عن الدين، بينما كل دين إيمان، وبعض اللادينية إيمان. ومن المهم الإشارة إلى أن المقصود بالإيمان هنا ليس مرادفا للإيمان بالمعنى الديني، وهو الإيمان النسبي والخاص بذلك الدين، ويقابله الكفر النسبي، أي بضرورات ذلك الدين أو بإحداها.
2. الإلحاد: من غير شك وبالضرورة لا يلتقي بدوره لا مع الإيمان بعنوانه الأعم، ولا مع الدين بعنوانه الأخص، وهو بالتالي ملازم بالضرورة للّادينية وعلاقته معها علاقة عموم وخصوص مطلقا، فكل إلحاد لادينية، ولكن ليس كل لادينية إلحادا.
3. الدين أو الدينية: يلتقي بالضرورة مع الإيمان، وبالضرورة لا يلتقي لا بالإلحاد ولا باللادينية، وقد بينت في (أولا) العلاقة بين الدين والإيمان.
4. اللادينية: تلتقي إمكانا مع كل من الإيمان بعنوانه الأعم والإلحاد، وبالضرورة لا تلتقي مع الدين، فكل إلحاد لادينية، وبعض اللادينية إلحاد، وبعض اللادينية إيمان.
5. اللاأدرية: هو موقف عدم الحسم في معرفة شيء أو الإيمان بشيء، فصاحب الموقف اللاأدري من أمر ما هو الذي لا يتخذ موقفا معرفيا أو معلوماتيا أو اعتقاديا من ذلك الأمر، أموجود هو أم معدوم، أصادق أم كاذب، ولا يحدد موقفه منه مصدقا أو مؤمنا، أم مكذبا أو كافرا به.
6. اللاأدرية الإلهية: اللاأدرية (Agnostizim) وبالألمانية (Agnostizimus) استخدمت بشكل خاص فيما يتعلق بالموقف من الإيمان أو عدمه بوجود الله، أي ما بين الإلهية أو الإيمان (Theism)، واللاإلهية أو الإلحاد (Atheism).
7. اللاأدرية الدينية: هي موقف عدم الحسم إيمانا أو عدم إيمان بالدين بمعناه العام، أي بأصل النبوة أو (الوحي) مع الإيمان بأصل التوحيد، أو أصلي التوحيد والمعاد في ضوء ضرورات العقل المستقل دينيا، أي اقتصار اللاأدريين الدينيين على الإيمان بالواجبات العقلية كونها يقينية، وعدم حسم موقفهم من الممكنات العقلية من مقولات الدين، التي هي ظنية أو احتمالية، وقد يتوزع المؤمنون اللاأدريون بين احتمال صدق الدين بنسبة ما فوق الخمسين بالمئة إلى ما دون المئة بالمئة، أو لنقل 60 - 90% أو 55 – 95%، أو احتمال الصدق بما هو فوق الصفر بالمئة إلى ما دون الخمسين بالمئة، أو لنقل 10 – 40%، أو 5 – 45%، أو أن يكون الاحتمال لاأدريا مطلقا، أي بدون ترجيح لكفة الإثبات أو كفة النفي، أي بنسبة 50% تماما لكل من الكفتين. [واللاأدرية الدينية أيضا من مصطلحاتي.]
من مجموع المواقف الأربعة: الإيمان، الإلحاد، الدين، اللادينية، لنستخلص ثلاثية، لا بد من تحديد العلاقات فيما بين بعضها البعض؛ هذه الثلاثية هي:
1. الإيمان الديني Religionism [= الدين أو الدينية].
2. الإيمان اللاديني Areligionism [= الإيمان العقلي أو الإيمان الفلسفي = الإلهية اللادينية].
3. الإلحاد Atheism [= اللاإيمان = اللاإلهية].
ونطرح سؤال مدى التلازم بين كل من الإيمان والدينية من جهة، وبين اللادينية والإلحاد من جهة أخرى. الدين يقول بضرورة التلازم بين الإيمان والدين، والعقل يقول بعدم الضرورة، وعدم الامتناع [من حيث المفهوم المجرد عن مصاديقه للدين]، أي بإمكان الملازمة وبإمكان التفكيك بينهما. فالعقل المجرد يلتزم بألّا تلازم بين الإيمان والدينية، كما ولا تلازم بين اللادينية والإلحاد. ويطرح بالتالي الإيمان اللاديني باعتباره الخيار الثالث من وجهة نظر العقل، مع إبقائه على الإمكان العقلي للتلازم في حال ثبت صدق هذا أو ذاك الدين، لأن العقل يقول بإمكان صدق الدين، وبالتالي يبقي الباب مفتوحا للبحث والوصول إلى نتيجة الإثبات أو النفي أو اللاأدرية. والإثبات يعني التصديق والإيمان، والنفي يعني عدم التصديق وعدم الإيمان، واللاأدرية تعني اللاحسم. وقد يرى بعض العقليين المحايدين دينيا أن الخيار الثالث هو الأكثر انسجاما مع كل من عقل وفطرة الإنسان، وهو الأكثر قدرة على الإجابة على الأسئلة التي يرى هذا البعض أنها بقيت بلا جواب شاف من قبل كل من مدرستي الدين Religionism والإلحاد Atheism. وهؤلاء يقودهم هذا اللون من التفكير إلى اعتماد عقيدة (التفكيك بين الإيمان والدين)، إما كخطوة موازية لعقيدة الإيمان الظني، إذا ما كان تصديقهم للدين بنسبة 60 إلى 90%، وإما كخطوة متقدمة عليها إذا كان تصديقهم للدين بنسبة 10 إلى 40%. ويفترض أن تكون هناك مساحة مشتركة بين الدينيين العقليين التأويليين، وبين المؤمنين الظنيين، والمؤمنين اللاأدريين، والمؤمنين اللادينيين، ومن غير الصحيح قطع الجسور بالتكفير من هذه الجهة أو التخريف من تلك الجهة، فعلى الدينيين العقليين أن يدركوا أن ليس كل مؤمن غير ديني كافرا، وكما على المؤمنين غير الدينيين أن يدركوا أن ليس كل الدينيين خرافيين أو ظلاميين. وهنا تأتي العلمانية الفلسفية والاجتماعية كمكملة للعلمانية السياسية، لتجمع العلمانيين الدينيين والعلمانيين اللادينيين على المساحة المشتركة، وهذا لا يعني إقصاء الدينيين اليقينيين أو الملحدين، فالديني المنفتح القابل بالآخر القريب والبعيد على ضوء أخلاقية التسامح التي هي من أسس الدين في جانبه الأخلاقي والإنساني والعقلاني، هو جزء من المعايشة الفكرية والسياسية والإنسانية، ولكن حتى الملحد لا يكون مقصيا، لأنه ما زال يعتمد العلمانية العقلانية المعتدلة ويتقبل من الآخر إيمانه بما لم يصل هو إلى قناعة به، وما زال يتحرك على أساس المثل الإنسانية، فهو [حسب عقيدتي] قريب من الله بمقدار تجسيده من المثل الإنسانية، كما بينت سابقا في مقالتي (الملحدون الإلهيون والمرتدون المتدينون). فبحثي هذا لا علاقة له بقناعاتي الشخصية، بقدر ما هو معني بتأسيس قاعدة فلسفية للتعايش الإنساني والتعايش الوطني، وبالتالي بالسلام كقاعدة يقوم عليها هذا التعايش المنطلق من أساسي العقلانية (التي هي أعم من العقلية الفلسفية) والإنسانية [أو ما اصطلحت عليه بـ(العقلاننسانية) وتلفظ بكسر أول النونين، حيث تكون الكسرة بديلا أو تخفيفا لياء النسبة لكلمة (عقلاني) من جهة، ومن جهة أخرى إشارة إلى ألف أو همزة الابتداء المكسورة لكلمة (إنسان/إنساني)].
كتبت في 29/01/2008

درجات التفكيكية
التفكيكية، أي نظرية التفكيك بين الدين والإيمان، كممكن عقلي تتفاوت في درجاتها عند التفكيكيين، فهناك التفكيك المحسوم أو القطعي، وهناك التفكيك المحتمل، راجحا كان الاحتمال أو مرجوحا عليه. أو لنقل التفكيك إما محسوم وقطعي، وإما ظني راجح، وإما لاأدري، وإما محتمل ولو احتمالا ضعيفا. وفي كل الأحوال إن تبني التفكيكية بأي من درجاتها هو من لوازم العقلية، أي اعتماد مرجعية العقل في قضايا الدين والإيمان، والتي من لوازمها النسبية والتعددية. [كما إن التفكيك علاج من علاجات مرض التعصب والتطرف والتكافر، وكما هو إن الظنية علاج من علاجات هذا المرض.]
كتبت في 17/04/2009