من حشا الحزام الناسف بالشظايا؟

فاطمة ناعوت
2016 / 12 / 18

سؤالان:
الأول: من هو الشخص الذي نسج السترة الانتحارية ودسّ المتفجرات والكرات الحديدية في حشاياها، وحشا الشظايا والمسامير في خزائن حزامها الناسف وركّب صاعقها وأوصل أسلاكها، ثم ساعد الإرهابي محمود شفيق، على ارتدائها وتحزيم خصره بالحزام، ليفجّر الكنيسة البطرسية مُزهقًا أرواح خمسة وعشرين شهيدًا وشهيدة؟
الثاني:
ماذا كان يفعل ذلك الإرهابي التعس عشيةَ المذبحة، قبل أن ينام ليلته عاقدًا العزم على التوجّه إلى الكاتدرائية إن أصبح الصبح، ليضغط زر الصاعق في حزامة الناسف فيقتل نفسه ومعه أكبر عدد ممكن من المسيحيين العُزّل لحظة صلاتهم في دار عبادتهم صائمين ينتظرون عيدهم؟ وهل صادف أن قرأ آية في القرآن تقول: “ولا تعتدوا؛ إن اللهَ لا يحبُّ المعتدين"؟
أجابت جريدة الأهرام عن السؤال الثاني في عدد الجمعة 16 ديسمبر، فيما ورد في اعترافات أحد المتورطين في المذبحة، وهو المتهم رامي عبد الحميد، الذي آوى الإرهابي الانتحاري محمود شفيق داخل شقته بحي الزيتون. ذكر إن الانتحاري سهر ليلة الجريمة يستمع إلى فلاشة صوتية مسجّل عليها خطب "الشيخ" يوسف القرضاوي، الهارب إلى قطر، ويفتي فيها بأن العمليات الانتحارية ضد أقباط مصر المسيحيين وتفجير كنائسهم ونهب أموالهم واستباحة أعراضهم إن هو إلا نصرٌ مبين للإسلام، وأن مرتكب تلك الخسائس مصيره الجنّة بأنهارها وعسلها ولبنها وحور عينها. وأقر رامي عبد الحميد في ثنايا اعترافاته، بحسب جريدة الأهرام، بأن الانتحاري محمود شفيق بدأ منذ بذوغ الفجر في الحديث عن النعيم الذي ينتظره في الجنة، وبعدها تمنطق بحزامه الناسف وتوجّه إلى حرم الكاتدراية قاصدًا لقاء حتفه وتفجير الكنيسة.
هنا تتجلّى إجابة السؤال الأول. يوسف القرضاوي وأحمد النقيب وياسر برهامي ومحمد حسان وعمر عبد الرحمن ووجدي غنيم وأبو إسلام وخالد عبد الله إلى آخر القائمة التي نحفظها جميعًا عن ظهر قلب، لأنهم أثروا من دم مصر، وسكنوا القصور من قوت بسطائها الذين آمنوا بهم فصدّقوا أن المصريين جميعًا كفّارٌ مهدورة دماؤهم، فالمسيحييون مشركون بالله والمسلمون مرتدّون عن دين الله، وليس على دين الحق إلا هم: الفرقة الناجية التي تجاهد في سبيل الله بقتل المشركين والمرتدين، وفق مزاعمهم المريضة. لهذا كانت جريمة الجمعة في المسجد، ومذبحة الكنيسة يوم الأحد.
الجُناة في مذبحة اليوم وكل يوم هم من يصرخون في آذاننا: "المسيحيون مشركون كفّار. حرام أن تهنئهم في أعيادهم. حرام أن تترحم على موتاهم. حرام أن تودهم أو تحبّهم. ليس لهم إلا القسط والبرّ.”
أولئك هم القتلة الحقيقيون مفجرو الثماني وخمسين كنيسة التي انتهت بالكنيسة البطرسية الأحد الماضي وما قبلها من كنائس وما بعدها، لا سمح اللهُ ولا قدّر. أولئك "المشايخ" الذين يحرّضون على قتل المسيحيين من فوق المنابر وعلى شاشات الفضائيات وعبر مكبرات الصوت وفي شرائط التسجيل المدعومة التي تملأ الأرصفة والأكشاك، هم الإرهابيون الحقيقيون التي تغضّ الدولة عنهم الطرفَ، وتلقي القبض على أصابعهم من أمثال محمود شفيق ورامي عبد الحميد ومن شابههم، وما هم إلا أدوات رخيصة بلا عقل تتحرك بتوجيهات وفتاوى أسيادها. القاتل الحقيقي هم أولئك الآمنون في دفء وساداتهم في القاهرة وفي الدوحة، الذين من فوق منابرهم يملأون القلوب بالقيح والصديد والبغض، ثم يصعدون على شاشاتنا ليشجبوا قتل قتلاهم، وهم يظنّون أننا لا نرى الدم السائل من أنيابهم والصديد المتقيّح فوق ألسنهم. أولئك هم القتلة.
إن كنّا جادين في مجابهة الإرهاب، فعلينا محاصرة الإرهاب الفكري مُفرّخ الإرهاب المسلح. علينا الاقتصاص من القتلة الحقيقيين بدلا من أن نُرضي ضمائرنا ونكتفي بالقبض على منفذ فتاوى عرّابيه. علينا توقيف مخرج الفيلم الدموي الهابط وكاتب السيناريو المتكرر، وليس الاكتفاء بالقبض على الممثل الأجير. إن كنّا جادين في مكافحة الإرهاب فعلينا تنظيف مناهج التعليم من فخاخ الطائفية وسموم العنصرية المضفورة بين سطورها. فالإرهابي محمود شفيق، ومن على شاكلته، ليس إلا تلميذًا أتقن دروسه التي تلقّاها طفلا وطبقها شابًّا ككل تلميذ نجيب.
ثورة الشعب في 30 يونيو 2013 لم تكن اقتصادية أو اجتماعية إنما كانت ثورة ثقافية تنويرية تمردت علي التخلف والتطرف الديني الذي كانت تشعله الجماعات الإسلامية في وجوهنا. كانت ثورة ضد السموم التي كان مشايخ الفتنة يبثونها في عقول بسطائنا. والمغنم الرئيسي من تلك الثورة كان نجاة مصر من ويلات الفكر الجهادي التكفيري الذي كان سيحول مصر إلي مركز من مراكز تصدير الإرهاب للعالم، كما سمعنا من تسجيلات أحاديث مرسي العياط مع أيمن الظواهري وغيره من قيادات الجماعات.
أيتها الدولة المصرية، أنتِ تحاربين الإرهابيين ذوي الأسلحة، وتدعمين الإرهاب الفكري المتجسّد في تلك الأفواه الصدئة التي تنفث سموم الكراهية في مسامع الغافلين المجرمين الذين كالأسفنج يتشرب كل ما يغذيه من دنس وقذى، ثم يفرزه في وجوهننا رصاصًا وقنابل ودماء. أيتها الدولة المصرية أنتِ تؤّمنين من يحرّضون على قتل المسيحيين، وتسجنين من ينادي بحقوقهم.