التساؤلية: نحو فكر فلسفي جديد( ج3)

سامي عبد العال
2016 / 12 / 18

تستدعي الثقافةَ العربيةَ -بتكوينها التراثي الماضوي- استفهامات حول ما ليس مُتاحاً. لأن الثقافةَ تقومُ على حذفِ ما تُريدُ إهمالَه بيد فاعليها وبقوة الأفكار الغالبة. على طريقة الكمبيوتر، فإن زر "الدِلِيت"القائم بتلك المهمة لا يستأصل محذوفاته، إنما يُرسِلها إلى سلة المحذوفات التاريخية. وتلك العملية إعادة إلحاق للموضوعات المراد حذفها بالكل الثقافي. هذا الذي يحكم طرق التفكير. إنها آلية حذف كي يسري تماسُك الثقافةِ العربية ويضمن تكرارها طالما وُجِدّ تراث ذو طابع استباقي له خريطته المستقبلية. ومع ذلك لا يختفي أي استفهام، بل لا ينتهي تماماً كما سنرى.
• الأسئلة المحذوفة
يعبر هذا "الحذفُ" عن حركةٍ تجاه كون التراث معيشاً في عصور المجتمعات العربية. ذلك بطريقةٍ تُقاربُ بينه وبين مراحِله وحلقاته. ويتسق الحذف مع أفعال عامة ظلت عالقةً بأصولها التاريخية ارتباطاً بالكل أوثق الارتباط. وليس ذات الاتساق عملاً مقصوداً لذاته، لكنه يُشكلُ مساحات فكرية وسياسية وحياتية مهمشة. يبدو ذلك جلياً إذا تأملنا بعض معالم التراث العربي الخاصة بالجانب السياسي والأخلاقي والديني. وهي معالم تشكل أسلوباً من أساليب الرقابة الصارمة ثقافياً على الأفراد والجماعات والطوائف. فإذا بها تهمِل مالا يتفقُ والأصول التكوينية المعمول بها. مع التأكيد أنه لا تصبح هذه الأصول موجودة هكذا من تلقاءِ نفسِها. بل بفضل النسيجِ التاريخي لفئة أو لطائفة ما.
إذن القضيةُ المطرُوحةُ: أنَّ هناك أشياءً تُهمل من دائرة الثقافة العربية في مجملِها. أشياء متعلقة بالآخر أو بالإرادةِ العامة أو الاختلاف أو التنوع العرقي والديني. لأنَّها تتكون وضعياً تبعاً لنمط الاعتقاد والممارسات الإقصائية المعيشة. بالتالي تستغرقُ الثقافةُ تراثها بتكوين الجوانب المؤكدة لإخفاء هذه الأشياء. لا مبرر للزعم بأنها أشياء لم تكن معروفة، بل كانت مستبعدة بفعل واقعٍ إنساني بائس يتركزُ حول موضوعاتٍ بديلةٍ. فمثلاً يعتمدُ تكوين الطابعِ العام للأنظمة الاجتماعية على بناء النسق الاجتماعي وفق الثقافة الدينية السائدة.
وسواء أكانت ثقافةً حضريةً أم بدويةً أم غير ذلك، يخرج التكوين ليعيد توزيع مفردات الواقع السياسي والأخلاقي تبعاً لإيقاع الثقافة المغلق. وبخاصة أن هناك طابعاً اسلامياً معيناً توظفهُ القُوى السياسية المهيمنةُ لصالحها. كحال المذهب الوهابي في الثقافة البدوية داخل الجزيرة العربية، ولا تنتهي تلك العملية دون أنْ تترسخ في كافة مظاهر الحياة الاجتماعية إلى أنْ تشكل السلوكيات إجمالاً.
من جانبٍ آخر، استطاعت أبنية السلطة في تاريخ الثقافة العربية أخذ زمام المبادرة بإعادة رسم صورة التراث في مجالاته اللغوية والسياسية والفكرية. مثل ظاهرة انتشار بعض النصوص الفقهية المتشددة وشُرُوحاتِها على خلفية الوهابية والسلفية الجهادية والمذاهب المتطرفة. بينما ما تبقى منها يمثل خيطاً لفهم ما جرى تاريخياً. لا يعنى ذلك أنَّ الحذف المشار إليه بمثابة الاستراتيجية المساعدة لتقوية بنيةٍ سلطويةٍ قاهرة. لكن الشيء الأغرب بصدد التراث العربي أن تنسحبَ هذه الاستراتيجية على مجُملِه. وهو وضع ثقافي لا يقبل بسهولةٍ ما لا يُساير نسيجَه من اتجاهاتٍ وحركاتٍ دينيةٍ. هو في خطوطه العامة وضع فارز لكل ما عداه. لدرجة أنَّ معظم تاريخ الثقافة العربية كان تاريخاً ذات توجهات طاردة لغيرها. نتيجة العلاقة القائمة على التواطؤ المتبادل بين السياسة والدين. وهنا ننوه أن الحركات السياسية كانت ذات جذور دينية. والعكس صحيح أيضاً بنفس القوة والأهداف.
إذ لم تَخلُو حقبة عربية من التوائم بين تأويل معين للدين واتجاه سياسي يؤكده. من هنا لم تكن حياة الإنسان العربي "إعطاء ما لقيصر ما لقيصر وما لله لله" كما فعلت بعض المسيحية السياسية. كان الأمير العربي يفوق القيصر نفوذاً. وبالتالي يطلب العطاءين معاً، ويتحول ما لله إليه. لأنَّه حامل لواء الدين والشريعة. وهو وضع منحَ السلطان السياسي صولجاناً مُقدّساً. فأصبح الناطق باسم المُطلق في الدين والسياسة الاجتماع. نفس الخطوة التي دفعت الحجاج بن يوسف الثقفي عشيةَ توليه أمور المسلمين أنْ يقرأ القرآن لمرة واحدة. ثم يضع يده فوقه قائلاً: هذا آخر عهدي بك. ليُمسِي القاتل الأشرس في تاريخ المسلمين.
هذا مع أنَّه أحد جامعي ومدققي القرآن. لكن قبل ذلك وبعده: كيف اجتمع الحجاجان في حجاجٍ واحد؟! أمر أتاح للحاكمَ احتكار الحقيقة الدينية والحقيقة السياسية منقطعاً عن إحداهما وموغلاً في الأخرى. لأنه ما كان ليتمسك أي حجاج بهما إلا لتوظيفهما لمآربه الخاصة. إذا ما أوصلته الواحدةُ إليها كفّ عن اللصيقةِ بها ظاهرياً. لكن طبيعة التكوين الثقافي لهما(تدقيق القرآن – السلطة) يعنى اختزال الواحدة للأخرى. وتقليصها تماماً بصيغة يفرضها الواقع. فيمارس هذه كأنه ينهمك في تلك، ويأخذ مبرراته منها، بل يستمد القوةَ تحديداً من هذه الحقيقة المستبعدة بحسب قناعته ومآربه التي هي عندئذ كل الحقيقة.
1- سؤالُ النشأةِ والتكوين.
عادة ما كانت النشأةُ على مستوى الثقافة العربية بعيدة عن الاستفهامِ. فالتراثَ العربي ظل ممتداً في مراحله وفق أصوله التاريخية. ومع ذلك كان الوعي الحياتي بها جارياً بطريقةٍ تنحرف عن الأصول في أشكالها المختلفة. ولم يتعامل الإنسانُ العربي مع أصولهِ بقدر ما استغرقته التحولات المتداخلة مع أشياءٍ مغايرةٍ. حتى غدت التحولات أصولاً أو كأنها أصول. لهذا تُحيي الأسئلة القدرةَ على رصد تلك التحولات رجوعاً إلى مصادرها وأسبابها.
أقرب ما يوضح ذلك فكرة "المُوقِعِين عن ربِ العالمين" الذي شرحه ابن القيم الجوزية في كتابه" إعلام الموقعين عن رب العالمين". فالموقِعُون هم الناطِقُون عن رب السماء الذين يستلهمون أفكارَهم من آياته. حتى إذا قالوا كلاماً ظَنّ الناسُ أنهم يتحدثون عن اللهِ مباشرةً. وكأنهم يأخذون علومَهم من لدنه. هذا التحول الذي يجعل منهم وسطاءً بلا مُساءلةٍ. أما حرف "عن" بالعنوان فلا يفيد النقلَ، وذلك لأنهم، وفق قوانين اللغة التي هي الثقافة، يتوسطون لاستعمال اللغة كأنها الأصل، و إن لم تكن كذلك فعلياً. فبالثقافة الجارية كنمطٍ حياتي له صفة الإلزام.
والذين يحتلون تلك المكانة يؤكدون بالمفارقة أنهم يَحمِلون أقلامَهم، توقِيعاتهَم، لكن تبقى اللغةَ في طريقِها إلى إقرار التوقِيعات بالتفويض العام، نظراً لأنها تسجله في عمليات الفهم والتواصل. ومن خلال التصديقِ الذي يجري على تفسيراتِهم وتأويلاتِهم للحقائق الإلهية كابن القيم نفسه إذ يحظى بحشدٍ من المؤيدين يزداد عددُهم إلى الآن. وهؤلاء أنفسهم لا يَعِرفون شيئاً عن الأصولِ الدينيةِ. ولا اطلعوا علي تحولات سياقها.
وتكشف القراءة التساؤلية هذه المحددات الأساسية. ففي المقام الأول ثمة تحولات تقارب الأصول سواء للتطبيق أو معرفة الحقائق. بيد أنها محض أفعال ناتجةً عن الاعتقادِ فيها، كالممارسات الشعائرية والأخلاقية والاجتماعية. وهي بالمناسبة أفعال لا تتحقق في نقائِها، ولئن أردنا تحديد ماهيةَ هذا التحول أو ذاك، فيجب العودة خلفاً وبصحبتنا مفاهيم حفرية حول الثقافة واللغة وأساليب التفكير، التي هي إفراز لبناء الحقيقة الاجتماعية بكافةِ جوانبِها. والعودة إلى الوراء تطرح استفهاماً جوهرياً: كيف يحدث التحولُ حيث يترك آثاره في الوعي؟! وما هو منطِقه، ناهيك عما يجعله مقدّماً في سياقاتٍ كثيرةٍ على الأصول؟!
وتعني الأسئلة أن التحولَ ليس شكلياً، لكنه بنيوي؛ أي داخل تاريخيةِ اللغة والخطابات والمفاهيم والوقائع الاجتماعية بوصفها نماذجَ لأصداءٍ دينيةٍ وفكريةٍ وغيرها. ويحتاجُ التتبع في كل لحظةٍ إلى معرفة كيف تأخذ الصورُ والأنماطُ مكانَ الأصولِ الثابتةِ؟!
القضية المهمة إذن: أن التحول بمضمونه السالف كثيراً ما شكّل جوهرَ الثقافةِ العربيةِ. إذا رصدنا علامةً ذلك، فما أكثر مَنّ أخذ مكاناً ليس بمكانهِ على مستوى السلوكِ العامِ. جرى ذلك على نطاق الفكر وداخل التنظيم الاجتماعي والسياسي. وهذا يبرز أن المجتمع العربي "مجتمع أبوي"، بطريركي، وليس التعبير في معناه مثولَ المجتمعِ برمته أمام أبٍ بيولوجي، إنما يقف مفهوم الأب رمزياً بالوضع الفوقي المتسلط الذي ينتظم تحته أفراد المجتمع وفق التراتب السياسي أو الاجتماعي القائم. وهو ما من شأنه أن يُرسِخ تُراتباً ممنوحاً مجانياً إلى أفراد وجماعات دون غيرهم. كما لو كانوا قد عقدوا تفويضاً مع الآخرين لنيل تلك المكانة. وكما لو كانوا وثّقُوا هذا التفويض لدى قوى غيبيةٍ بأختام مقدسة!!
حقاً يُكمل "التفويض" السري تلك الحالة التي يتركها التحول. فبفضل أن هناك اتساعاً لحركة الفعل بالإنابة، تتبلور تاريخياً بنية اجتماعية غامضة تترك فراغاً للمعنى المرغوب مشكلاً الصورة العامة للحياة، لدرجة أنه لا يتم هذا المعنى تلقائياً، فيبقي قيد الفهم من أفراد المجتمع بل ويمارسون حياتهم في ضوئه، ويدورون شؤونهم على النتائج المترتبة عليه. وإذا كان منطقُ التفويضِ يستند ضمنياً إلى قوةِ السلطة السائدة، فإن هناك إقراراً بذلك يصدر عن التأويل الشائع للنصوص الدينية، التي أفرغت الإنسان العربي من إرادته الفاعلة، وجعلته إرادة منفعلة، تنتظر من يعطيها ثِقلها وامتلاءها.
في المقابل لم تتوان الأنظمة السياسية في استغلال تلك الإرادات الشاغرة، لتعطيها توجهاتها. ولم يتم ذلك بخطوةٍ غير محسوبةٍ، بل هناك قواعد للتفويض في المجتمع العربي الاسلامي. هي غالباً قواعد أخلاقية ومعرفية تنحرف بأهدافها. نظراً لأنها مشدودة إلى مضامين سياسية واجتماعية. مثل ماهية التقدير والاحترام وقبول الآخر. وهي حقيقة ذات أبعاد إنسانية غير أنها تضل طريقَها لتصبح تبجيلاً لأصحاب السلطان والصولجان دون مطالبةِ بالمسؤوليات المعطاة لهم. وعليه يغدو التفويضُ "عقدٍاً سرياً" كما أشرنا يفهم طرفاه مهامه بالضبط، ويتم تدوينه بالأعراف والتقاليد ورؤى العالم.
والتفويض يجعلنا نغفل - في مواقف كثيرة- نشأة الظواهر والأحداث، والأشكال التي آلت إليها. فهؤلاء الموكُول إليهم مسؤولية السلطة السياسية يعبرون عن قوى غالبةٍ بكل ضرورتها. إذ تخفي جذور الأوضاع التي تأرّخُوا فيها. ثم إنَّ عدم التثبت من الحقيقةِ(حقيقتهم)، ولماذا تعد حقيقةً على نطاق عام؟! أتاح للآخرين تصديقاً ايمانياً بهم. لدرجة أنهم وُضُعوا فوق متناولِ الأسئلة، بينما المهم إطلاقها إزاء مدي واقعية هذا الواقع الذي يُشبِعِه التراثُ. وقد أخذ التفويضُ خلاله شكلاً جمعياً كالمبايعة والاجماع. وهى التوثيق العام للموافقة على حاكمٍ بعينه في تاريخ الدولة الإسلامية الأولى كما حدث مع الخلفاء الراشدين.
فالمبايعة ميثاق سياسي ديني له طابع التفويض ومعطياته. ذلك من حيث احتلاله لمعاني الإرادة العامة. ناهيك عن إمكانيةِ التعلق بالأصول. وهو ما يخلع على المُفوّض سمات الأصول. وتدريجياً يأخذ قداستها وسريانها القابل للاستمرار دون عوائق. لهذا أخذت الحقبةُ الأولى في الخلافةِ الإسلاميةِ شكلَ التفويضِ بالمعنى الذي يُبَرِر ذاته بذاته. بفضل القرب زمنياً من مصادر الدين الإسلامي، الرسول كنموذج أساسي لتاريخ الإنسان الجديد. وهو الأمر الجاري بالاستناد مرجعياً إلى القرآن ككتاب للقوانين الرمزية التي تصوغ لغة سياسية مختلفة. وتنبثق الشرعية المتوقعة للمُفوّض من هذين الناحيتين. ولعلنا نراقب شيئاً ملخصه أن التفويض سيتحرك - بحكم الزمن والأوضاع السياسية- نحو تبديل معين. ليس في الظاهر فقط، بل في المضمون بذات الدرجة.
فلم تكن دولة الخلافة هي نفسها دولة الرسول. بل ازدادت رقعتها المادية نتيجة اتساع الفتوحات وانتشار الدعوة الإسلامية. وبالمثل ازدادت رقعتها الفكرية السياسية والفقهية، ولاسيما مع ظهور قضايا جديد على هذه المستويات احتاجت بطريقة ملحةٍ إلى تصورات مختلفة. صحيحة أو خاطئة ليست تلك القضية، إنما كان لا مفر من إحلال شيءٍ محل شيء سابق، وتأكيد لحالة مكانٍ حالة أخرى. فالحركة الاجتماعية تتغير لكن تبعاً لهياكل شبه ثابتة وطويلة الأمد، ناشئة عن الفهم المنحرف للمرجعيات إزاء المشكلات الطارئة. ثم أصبح التغير في المجتمعات العربية ينطوي على نفس الإيقاع الحركي تاريخياً.
2- سؤال الحقيقة
نادراً ما تم التساؤل حول الحقيقة في التاريخ العربي بشكلٍ جذريٍ. لسبب موضوعي أن الحقائق بنفس عصيانها على التَكّشُف ظلت مغطاةً بكمٍ هائل من عمليات التحول والتفويض والتبديل. بحيث يستحيل العثور عليها واضحةً كما هي. فضلاً عن استحالة التنقيب عنها دون رؤية فكرية نافذة تخلى بيننا وبين الانجرار معها. وتلك النقطة جزء لا يتجزأ من طبيعة الثقافة العربية. فلم يُوجد قِطاعُ من قطاعاتها البدوية أو الريفية أو الحضرية وقد أعطى نفسه أولياً لقارئ دون ممانعةٍ عنيفةٍ. ويمكن القول إنه عُقِدت أزمنة بمجملها طي التكتم. وهي تتسع أو تضيق بقدر سرية التعبيرات والحيوات المختلفة في المجتمع العربي. من ثم تبقى الحقيقة غير ممكنة إلا إذا أزحنا ذلك التراكم من داخلها. وليس ذلك بسبب قلة الحيلة الفكرية، بل بسبب "قهر الواقع" الموروث. حتى لو كان بالأمس القريب، زيادةً عن تسلطه، ثقوبه السوداء التي تمثل فوهات مفتوحة على الاحتواء. وهذا الوضع مثل شكلاً استباقياً لتراثية المستقبل.
في المجتمعات العربية دوماً الحقيقةُ صعبةُ المنالِ. لأنها تعني معرفةَ الأصولِ عن قربٍ. كما أن وسائط التزييف لا حصر لها. لقد نوهت منذ قليل إلى أن الأصولَ تتحول صورتُها. حتى تنال منها الأزمنة فعلاً لأنها تعدِدها. ولهذا تكون الأصول الثقافية والدينية والفكرية في وضعٍ مُؤوّل. كما أنَّ هناك حصاراً معرفياً حولها غير قابل للاختراق بكل ترسباته الدينية والسياسية والأخلاقية. ولا يسمح لأي شخص أن يقتحمَ هذا الحصار دون أن تلاحقهُ لعنات بوصفه قد انتهك الثوابت التاريخية للأمة.
بكلمات أخرى يتعذر خضوع الحقيقة بهذا التكوين للمُساءَلةِ الاستفهامية. فضلاً عن أنه لم يتم التعامل معها من خلال الشروط الجارية لفهمها والتعبير عنها واقعياً. وفي هكذا مجال ينبغي أن نتساءل حول التضافر بين القوى الاجتماعية والدينية والسياسية على ألا يتشكل الكل الثقافي الضامن للحقيقة دون الهيمنةِ عليه. مع فكرة أن القوة الغالبة التي تقف وراءها(أي وراء الحقيقة)تتخفى في منطقة السر منه. لأنها الحاملة لشفرة نظام الحياة الذي يعطى ذلك تبريراً، ويوفر له شكلاً للظهور.
نتيجة ذلك: أنَّ الحقيقةَ تأتي بغطاء اللا حقيقة، طالما كانت هناك محاولات لامتلاكها، إن لم تتبلور بذاتها في نسخ متواترة عنها. إنها تُتاح عبر مصادرٍ أخرى بديلة للتعبير، فلا هي كشفت عن نفسها، ولا هي جاءت خالصةً، لكنها تلبسُ أثواباً اجتماعيةً وفكريةً، مثل عدم معرفة الحقائق الدينية إلاَّ عبر خطابات الفتاوى والفقهاء. والملفت للنظر أنها خطابات تغطي الواقع بتصوراتٍ تحصينيةٍ ضد معرفته وتغييره، عن طريق لغة التحريم والتهويم.
وليس بعيدا عن ذلك أن نرى المؤسسات الدينية الوسيطة قد أخذت مكان الدين بشكل يستحيل إزاحته دون أن نفقد حياتنا. وليس ببعيد أيضاً أن تتحدث شتى الخطابات في المجتمع العربي لغةً دينيةً عزفاً على وتر الاستقطاب لجموع الجماهير. أما الوجه المقابل لهذا والمتضامن معه، فعادة ما ارتبط الحصولُ على الحقائق بمنطق الإشاعة، الذي يحكمُ الأجواءَ الثقافيةِ والاجتماعيةِ، فإذا كانت ثمة حقيقةٌ مجهولة تتعلق بموضوعات حساسة اجتماعياً وسياسياً، سرعان ما تأخذ مساحة انتشارها بواسطة الإشاعة، التي تتناولها وتزجُ بها في المحيط العام.
يُشارك رجال الفقه بالنصيب الأوفر في عمليات تغطية الحقائق، عن طريق الأحكام الفقهية بدءاً من عدم الخروج على الحاكم الظالم والمستبد كحال السلفية. وقد ذهب ابن تيمية أنَّ ظلم السلطان سبعون سنة أهون من مبيت ليلة واحدة بدون سلطان!! وانتهاءً بتحريم مُساءَلةِ الفتوى ذاتها، وما إذا كانت صحيحةً أم لا. ومحاولة التحقق، فقط مجرد المحاولة، أمر بالغ الصعوبة. لأن الفقيه لا يتحدث من تلقاء نفسه. إن اللهَ يجري على لسانهِ مثلما أظهرت. وهذا ما أعطى تاريخ الفقه الإسلامي أبعاداً غير دينيةٍ بالمرةِ. وأحاله إلى غُلالةٍ سياسيةٍ أو اجتماعيةٍ تحجبُ حقائق وتخلقُ حقائق مناقضة تنهض على تبريرها.
3- سؤال الحق.
أما الحق، القضية الأهم، فلم يُطرح كاستفهام يُجاب عنه بمنطق القانون أو التنظيم السياسي. وذلك رغم أن الإسلامَ اعتبر الحياةَ الإنسانيةَ تستند في المقام الأول إلى الحقِ. وبمنطق الاسلام نفسه طرح القرآنُ تلك الفكرةِ "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر". القول هنا إقرار لحق الوجود الإنساني عن طريق ممارسة الحياة كيفما شاء. فالموضوع الإنساني برمتهِ بعدئذ أصبح وإلى مالا نهاية موضوعَ حقٍ خاصاً أو لا يكون. وهذا يعني أن الإنسانَ لن يكون كما يُراد له. ولن ينبغي خضوعه في ذلك لأساليب ملتوية في السياسة أو الدين أو المجتمع. إنه في جميع حياته إنسان مختلف عن غيره. والإنسان لا يفعل إلا بما يراه صحيحاً. وأن فعلَ الاكراه يُشكلُ حداً محظوراُ. أما الذين يحاولون أن يطغوا على هذا الحدِ، فإنهم ينتهكون وجوده الخاص بلا حق ولا حقيقة. وينطبق ذلك على كل شيء في الحياة. فالحكم السياسي، ماهيته، أطره حق عام أم لا. والأنظمة الاجتماعية، أدواتها، ممارساتها حق أم لا، والسلوكيات العامة والخاصة حق أم لا... وهكذا.
الارادة في جوهرها هي الحق في الوجود بمُوجب الحرية. بالتالي يستحيل بلوغ الإنسانُ عن طريقهاً أصلاً إلهياً. لكنه قد يَسيرَ في حياته بمقتضاه الميتافيزيقي، أي يصبح الفعل الإنساني تاريخياً كي يتشكل. وهذا هو المضمون العملي للحق الوجودي. حيث يمارس الإنسانُ كافةَ المناحي الحياتية(سياسية، دينية، اجتماعية...) بفضل مرجعيةٍ تمنحهُ الحقَ كل الحقِ- كأمرً مشروع- في أن ينهمكَ فيها. لكن ما مغزى هذا؟
أولاً: يشير الحقُ إلى كونّهِ حقيقةً. إذ أخذ في المجتمعات المدنية مكانتها. وعليه يسعى إليها الإنسانُ. فدور الإنسان كونه يمارس حقاً هو الحياة بجميع تفاصيلها. لقد كفلت المجتمعات – أو هكذا ينبغي- الحقيقة كموضوع قابل للانكشاف بلغة هيدجر. ولم تكفل الحق إلا مرجعياً، بحيث تركت للإنسان حرية التعبير عنه وتأكيده أو نفيه تاريخياً. أي حق بالنفي أو بالإيجاب والرفض.
ثانياً: شكّل مضمونُ الحقِ هكذا معياراً، لأنَّ الممارسات الناجمة عنه تجعله مُلزِماً ضمن الإقرار بالتنظيم المنبثق عنه. سواء أكان التنظيم سياسياً أم اجتماعياً ...أم غيرهما.
ثالثاً: مادام كونه حقاً، فيتم في حدود التبادل متى استحقه إنسان. والتبادل حالة يتساوى في أطرافها كافة المشاركين وجميع الشعوب وبالتالي الأفراد، لا أسبقية ولا فوقية لأحدٍ.
رابعاً: تأخذُ درجة إلزامه قوتها من مصدر الحق. وهو الشرائع والقوانين والمبادئ المؤسسة لحقوق الإنسان.
خامساً: لا يمكن لإنسان أيا كان موقعه أو أصله منع أو إعطاء الحقَ الوجودي. لأنّ هذا لا حق له فيه، كما أنه بذلك يعتدي على حق مصدر الحق.
لكن ما الذي حدث من انحرافاتٍ في سير هذا الحق؟ إذا كان الحق حقيقةً، فمع الحياة الثقافية والاجتماعية العربية توارى كما تتوارى كافة الحقائق في المجتمع العربي، لقد شمله النسيان تاريخياً.
- تم اغتصاب الاستخلاف الإلهي الشهير بوصفه الأصل؛ أي احتل الخليفة، السلطان، الحاكم مكانَ الإلهِ. ليُعطِي الحقوقَ كأنه صاحبها الأول. وكم مرت بعصور التاريخ العربي أسماء كالمستعصم بالله والحاكم بأمر الله وغيرهما. سوى أن دلالتها في الواقع لا تشير إلى شيء. وظل هذا التناقض سارياً في تاريخ الدولة العربية.
- تراكمت حالات وظواهر ضياع الحقوق، حتى أصبحت اللا حقوق قاعدة إنتاج الثقافةِ العربية في تاريخها الممتد. وأصبح ضياع الحق، وخاصة الحق السياسي، عرفاً. لأن المانحَ له ليس القانون، بل السلطة المهيمنة، التي تدعمها ثقافة لم توفر أية حقوق عملياً.
- في الدولة العربية الحديثة تم تعليق الحقوق بالقوانين. وبقيت القوانين مرهونة بإرادة الحاكم لا الإرادة العامة، مع أن كليهما مردودان إلى الأصل الإلهي، بصرف النظر عن نمط السلطة القائمة.
- ظلت الحقوق في حالة تحول باستمرار. خاضعةً بذلك للتأويلات الخاصة. وهذا يتنافى في سياقات كثيرة مع صريح النصوص الدينية بدءاً من كون الإنسان إنساناً لأنه خليفة الله في أرضه، وانتهاءً بالحياة التي ينعم في كنفها بالعطايا السلطانية إنْ مُنحت.
4- سؤال الاختلاف والتنوع.
يقوم عملُ الاستفهامِ على الوعي بالاختلافِ، وهو ما لم يكن في تجلياته الحياتيةِ والفكريةِ محل اعتبار داخل المجتمع العربي، على الرغم من الأطياف المتعددة التي تشكل نسيجه، نظراً لأن التماثل والتطابق-اللذين تحدثت عنهماً-هما الفكرتان اللتان كونتا طريقة التفكير، فضلاً عن أنهما طبعتا حقباً بأكملها، حتى باتتا من ظواهر الحياة المعيشة، وتوحدتا بالتنظيم الديني والاجتماعي، ومنهما إلى كافة التنظيمات الأخرى. يدور السؤال حول: ماهية الاختلاف بالنسبة إلى الإنسان العربي فكراً وكياناً؟ وكيف يؤدي الاختلاف إلى التنوع؟ وكيف يعطي الكيانات المختلفة حقها في الوجود الاجتماعي والسياسي؟
تُثار هذه الأسئلةُ إزاء اختلافات عدة في الثقافة العربية من ابسطها إلى أعقدها. أبسطها الاختلاف الجنسي بين الرجل والمرأة، وهو اختلاف لم يلق مضموناً ثقافياً يعطي الطرفين حقيهما من الحياة، ليس ذلك مرهوناً بالأصول الدينية، بل بتأويل تلك الأصول في إطار ثقافة قمعية تنوعت فيها مصادر العنف وإهمال الآخر، حيث دخلت العادات والتقاليد القديمة والوثنية في نسيجها، حتى فرضت على الطرف الأضعف وهو المرأة أن تحجب نفسهاً تماماً. وأن تُحرم من أية حقوق إلا من حق التنفس فقط!!
وأحياناً يُمنّح الحق فيقال "لا تخرجُ المرأةُ في حياتِها إلاَّ مرتين، مرةً إلى قبرها ومرةً إلى بيت زوجِها". وظلت المرأة رغبة رمزية لصراع القوى في المجتمعات العربية، لأنها تمثل عمل اللغةً، فكثيراً ما دلت مفردات الأنوثة على هيكلية تلك المجتمعات، وكيف تعيش؟ والسؤال المبدئي: ما هي المرأة؟ على سذاجته المفرطة، يعدُ أعقدِ الأسئلة التي قد تتحدى الإنسانُ العربي المعاصر. لأنه يَحتاجُ إلى الكشفِ عن طباقٍ من الجليد الفكري والاجتماعي التي عَلقّت بالأوليات. لدرجة أنَّها أخفتها. وكونت حولها مسارات أخرى للرؤية والحركة. كانت النتيجة أن تنامت الثقافة الأبوية فالتهمت ما يقابلها من ظواهر، بل وضمنت محددات تاريخية أفرزت أوضاعاً آسنة ألحقت تشويهاً بنيوياً بالديمقراطية والتنظيم الاجتماعي.
وهناك الاختلاف بين المذاهب إذ أفرز ظواهر عديدةٍ، منها ما هو ايجابي وآخر سلبي. لقد انتجت المذاهبُ الفكريةُ والكلاميةُ اتجاهات ونصوصاً بالغة الأهمية لفهم وتفسير قضايا كثيرة. وكانت هناك طوال حقب بعينها مسائل حيوية لاقت نقاشاً مثل الإلهيات والإرادة الإنسانية ولغة النص الديني والإمامة. وهي نصوص بها درجة عالية من الترميز، ودرجة عالية من العناية بالواقع، حتى وصلت إلى طرح الأوضاع المعاصرة لها بمزيد من التأني. وهي أيضاً نصوص تمثل ميداناً خصباً لطرح استفهامي من قبيل: كيف جرت تلك الحوارات الفكرية حول الأوضاع الملحة في زمنها؟ ولماذا لم يستمر هذا التقليد خلال حقبٍ تاليةٍ أو غيرها على الأقل؟ وما هي آليات طرح الأسئلة في إطار طرائق الجدل والمناظرات؟ وتلك الاستفهامات تُصقِل فكرةَ التساؤلِ، وتنحت انطولوجيا تاريخيةً نوعيةً له، وبخاصة أن المشكلات التي أثيرت مازالت تدسُ نفسها إلى الآن عبر واقعنا الثقافي المتراكم.
أما الجانب السلبي، فهو انفصال الأفكار عن الكتلة الهلامية(المهمشون) من الإرادة العامة في المجتمعاتِ العربيةِ. وهي كتلة متطايرة حول شُعلّ السلطة رغبةً ورهبةً. حيث تتحلق حولها ولا تبارحها بالخطاب الذي يستميلها نحو الآمال والأهداف الطبيعية. إذ تأبدّت زمنيّاً، حتى غدت أهدافاً كبرى، كالغذاء والأمن الاجتماعي والتعامل البسيط مع السلطة. ثم إنَّ هذا الانفصال ولّد مردوداً صراعياً على المستوى السياسي، نظراً لأنَّ السلطة تلقفته وأعطته أبعاداً حياتية. فكانت بعض المذاهب تعبر- أو هكذا تم استعمالها -عن تأويلات السلطة حول القضايا المهمة بالنسبة لوجودها المراوغ في السياق العام. ساعدت على ذلك نشأة الدويلات العربية في أواخر ازدهار الحضارة الإسلامية. وقد كرسّت تلك الأشياء حتميات ثقافية طويلة المدى، لنرى الآن صورة بعض المجتمعات العربية وقد غصت بالتطاحن حول الرؤى والاتجاهات التعصبية. وهي لم تخرج عن كونها شرر لصراعات عميقة حياتياً.
وليس الاختلاف العنيف بعيداً عن المتنوعين عرقياً، وهم من شكلوا في عصر ازدهارها مجموعات حضاريةً منتجةً لهم خصائص وعادات وتقاليد أثرت المجتمع العربي، سوى أنَّ عدم فهم الاختلاف إنسانياً وحضارياً أنتج فكراً حذفياً إزاء المُغايِر. والمفارقة أن هذا الفكر كم استند إلى تأويل غير صحيح للأصول الدينية والعرقية. وغدا الاختلاف العرقي موقفاً حدياً من الآخر، وانسحب نفس الموقف على المختلفين في الدين، ودفع بهم إلى أطراف الحياة العامة، وتم تهميشهم وجوداً وإسهاماً. لأنهم ليسوا ذوي كيانٍ مستقلٍ. والأخطر تم التشكيك في انتماءاتهم العربية. وجرى أيضاً التنكر لوجودهم كجزء من الإرادة العامة. وإذا تحدد موقف جمعي، تذهب النظراتُ للتفتيش في ورؤاهم. وفي هذا يستطيع السؤال فتح أفاق لقراءة التهميشات، بحيث يكشف علاقتها بالكل الثقافي، وأية أسباب بنيوية تؤدي إلى استثناء(قطع) الأجزاء؟
5- سؤال الإرادة العامة.
سؤال الإرادة العامة غير محتمل في ظل التهميش والفرز الثقافي. وأية إجابة من شأنها أن تقاربه قد لا تكون دقيقة. لأن السائلَ والمسئول غارقان في لحالات بديلة ومشوهة لا تسمح بالوعي بهيمنتها. وهي هيمنة تستغل إمكانيات الإرادة العامة الغائبة عن الوجود الكلي، مع ضرورة التنبه أنه لا يتطابق الاسمُ العام الذي تحمله هذه الإرادة مع تأثيراتها وإمكانياتها المتوقعة. وفي تاريخ الثقافة العربية تحديداً لم تسلم من الهيمنة والتلون بكافة الظواهر المتسلطة، وهي أيضاً لم تخلص من الشوائب الأيديولوجية والطائفية التي تعلق بها من حين لآخر. والأهم من ذلك كله أنَّ مصطلح الإرادة العامة ليس له مكان في التراث العربي، لأنَّه غير موجود إلاَّ بدلالة "الإجماع". وهذا الأخير يتلون مذهبياً أكثر منه سياسياً ومدنياً بالمضمون الجمعِي.
والسؤال: ما المفترض للإرادة العامة كي نري ما حدث داخلها عكسياً؟
أ‌- يُفترّض أنْ تكون الإرادةُ العامة جامعةً مانعةً بعبارة المنطق، حتى تشمل كافة أطياف التنوع، وتستوعب حقيقته.
ب‌- يُفترّض أنْ تحقق فعلها بالاختلاف، أي تمارس دورها عن طريق التعبير به دون إسقاط لأي جانب من جوانبه، لا العكس بأن تدفع الاختلاف لأن يعبر عنها؛ أي لا ينبغي الدعوة إلى توحيده تحت مزاعم كثيرة مثل "المصلحة العليا للوطن"، "السلم الاجتماعي"، "الاستقرار الأمني". وهي مزاعم بحسب سياقها ليس المقصود منها إثبات ما تؤديه بقدر ما تعبر عن مضمون ليس فيها.
ت‌- يُفترّض عدم انحياز الإرادةُ عامةً إلى فئةٍ أو طبقةٍ أو أفراد بعينهم. وهذا ما يجعلها على اتصالٍ مباشر بالحقوق والقوانين والتنظيم السياسي الفاعل، ناهيك عن ارتباطِها بالمعايير الكلية. والعمومية لا تعني حالةً صوريةً، بل تُجسِد الاتفاقَ من خلال الفعل العام الذي يلقى قبولاً بحكم الاختلاف لا التطابق.
ث‌- يُفترض استقلال الإرادة العامة رغم أنَّ مغذياتها تشدها نحو التمركُز السلطوي، إن الاستقلال ليس معادِلاً شكلياً لواقع عيني حي، وإلا لمارّس قهراً على نفسه، إنما بحكم تعريفها لابد أن تجد مجالاً غير قابل للسيطرة عليه و يستعصى تشكيله وفق الأهواء والرغبات.
ج‌- يُفترض أن تأخذ شرعيتها استناداً إلى مرجعيةٍ متفقٍ عليها غير قابلة للانحياز على حساب الآخر، وبالتأكيد تكون المرجعيةُ هذه ضامنةً لتحديد المسار وتصويبه إن انحرف. لكن لن تكون الإرادةُ العامةُ نسخةً طبق الأصل من المرجعية، لأن الاستمرارية الثقافية وعمليات استغلالها تُراكِم حالةً تاليةً وملاصقةً لجوهرها.
إذا فهمنا تلك النقاط على نحو مقلوب، سنعرف إلى أي مدى حدثت انحرافات للإرادة العامة. لأنَّ الواقع التاريخي يعين هذه النقاط ويمنحها شكلها، كما تبرز وقائعه نقائض المفترضات السابقة. ولا مهرب حينئذ من التساؤل حول كيفية تكون النقائض التي تقلب اللغة قلباً جذرياً إلى حد تعرية الأشياء، ولماذا تتغاير الإرادة العامة من مرحلةٍ إلى أخرى؟ وما هي أشكال الهيمنة التي تخضع لها؟ وما سبب تَوفُر الشروط التاريخية لهذا القلب؟
خاتمة
حاولت الدراسة الخروج من أسر المقولات التقليدية تجنباً لاجترار الأفكار حول قراءة التراث. وبحكم منطلقه الاستفهامي رفض مجرد القراءة بدون تقديم مفاهيم كبرى و بدون تأسيس فلسفي للتفكير في هذا الشأن. إذن كيف نصوغ منظوراً فلسفياً جديداً حول أكثر الأشياء ألفةً، مثل اللغة، التراث؟ لنكتشف كم هي غرابة ما كنا نألفه إنْ لم يكن برصيده الثقافي فعلى الأقل بحضوره المتواتر. ودلالة الأسئلة تحمل آفاق الرؤية الفلسفية الجذرية، حيث إمكانية التفكير تأسيساً لخطابات التراث و نقد صوره وعودته عبر اللغة.
التساؤلية طريقة استراتيجية إزاء تكوين الموروثات وخصوصيتها الثقافية سعياً نحو بلورة فلسفة حول اللغة والعالم والتاريخ والحقيقة. فهذه المفاهيم جزء من معطى الاستفهام. كل سؤال يأخذ شحناته الفلسفية من قدرته على التجاوز وملامسة الكل الثقافي والكوني. وغياب الأسئلة مغزاه أن مجتمعاتنا العربية أرقام بشرية مهملة بلا علامات استفهام قصوى. فالاستفهام حول المصير علامة مناعة فكرية لا تقل عن مناعة الجسم الاجتماعي، هذا التي ينبض أوقات التحول. إنَّه مسألة حياة مع الأمور اليومية والتاريخية. فأنْ نسائل الأعماق الراقدة داخل لغتنا وسلوكنا وكياننا يسبر أغوارها منقباً عن حياة متجددة افتقدناها في واقعنا العربي.
مستقبل التراث أحد الموضوعات الشائكة بلا منازع، لأنَّ عمقاً تاريخياً للثقافة العربية لن يوجد إلاَّ داخل حدوده. كيف نتمكن من عبورها لملامسة الإنسانية الرحبة؟ فالتراث ليس صندوقاً سحرياً لأفكار وتقاليد إنما يشكل فضاءً خطابياً، التراث كامن- بترقب وصمت شديدين - داخل اللغة. وهذا سر طاقته النابضة في أفعالنا إلى اليوم. ولماذا تحول على ألسنة دعاة التطرف الديني إلى رصاص اغتيال ومتفجرات قاتلة؟ فكل تأويل ارهابي للنصوص مغلَّف ضمناً بقبول التراث لدينا، كل نزوع طائفي يستند إلى تأسيس تراثي ما، وكل مشروع تجديدي يسير بنفس الوتيرة أيضاً.
فمازال العربي يسكن تراثه أخلاقاً وسياسةً وديناً. ونظراً لكون سكناه غامضة ولا يمتلك أدوات تجديدها فإنَّه سيكن ظلاماً في ظلام. بالتالي: أَمَا آنَ لهذا "الكائن التراثي" أن يسائله بقوة وتنوع في المجال العام ؟!! كيف تتكون اغواءات التراث داخلنا، كيف يتأتى كحقائق افتراضية في المستقبل؟ من ثم أهمية تحليل وضعيته المراوغة ماضياً ومستقبلاً، وابراز الجوانب المتعلقة بالتساؤلية في مداها الأوسع. ذلك يوضح أثر اللغة في فهم(وسوء فهم) قضايا التراث و مناقشة الأسئلة الغائبة(المحذوفة) داخله، مثل أسئلة الإرادة العامة، الحرية، الاختلاف، الإبداع. فالسؤال سيمثل - بملابساته ، حفرياته، مستويات طرحة- خطاباً وأسلوباً للتفلسف. في شأن كهذا ثمة مصطلحات حرص البحث على نحتها للتفكير النقدي: التساؤلية، أنطولوجيا التساؤل، تراثية التراث، الأسئلة المحذوفة، القانون الرمزي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع العربية
- ابن منظور، لسان العرب، المجلد السادس، قدم له عبد الله العلايلي، أعده يوسف خياط، دار الجيل، دار لسان العرب، بيروت، لبنان 1988.
- أبو نصر الفارابي، كتاب الحروف، تحقيق وتقديم وتعليق، محسن مهدي، دار المشرق، بيروت لبنان، الطبعة الثانية 1990.
- ادموند هوسرل، دروس في فينومينولوجيا الوعي الباطني بالزمن، ترجمة لطفي خير الله، منشورات الجمل، بغداد – بيروت، الطبعة الأولى2009.
- أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، الجزء الثاني( H- Q)، ترجمة خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، بيروت باريس، الطبعة الثانية2001.
- حسن حنفي، التراث والتجديد، المركز العربي للبحث والنشر، القاهرة 1980.
- على أحمد سعيد (أدونيس)، الثابت والمتحول، بحث في الإبداع والإتباع عند العرب، الجزء الأول، دار الفكر، بيروت، لبنان 1986.
- القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني، متشابه القرآن، الجزء الأول والثاني، تحقيق عدنان محمد زرزور، دار التراث، القاهرة الطبعة الأولى 1969.
- محمد عابد الجابري، التراث والحداثة(دراسات ومناقشات)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة 2006.
المراجع الأجنبية
Bertrand Russell, An Inquiry into Meaning and Truth,(The William James Lectures For 1940), Penguin Books, London, 1962.
Edmund Husserl, Idea 1, Translated by W.R. Royce Gibson, Macmillan, London,1962.
Edmund Husserl, Logical Investigations, Translated by J.N. Findlay, Routledge and Kegan Paul, London.1970.
Ernest Cassirer, The Power of Metaphor, in: Pierre Maranda, Methology, Penguin Modern Sociology Readings, London, 1972.
Geoge Simmel, On Individuality and Social Forms, Selecting Writings, Edited and With an Introduction by Donald N. Levine, The University of Chicago Press, Chicago and London, 1971.
Hans-Georg Gadamer, Philosophical Hermeneutics, Translated and Edited by David E. Linge, University of California press, Berkeley Los Angeles London 1976.
Jacques Lacan, Subversion of Subject and Dialectic of Desire Jacque Lacan, Ecrits A selections, Translations from French by Alan Sheridan, Tavistock Publication, 1977.
Jane Heal, Mind, Reason and Imagination, Selected Essays in Philosophy of Mind and Language(Cambridge studies in Philosophy) Cambridge University Press, New York 2003.
Martin Davies, Meaning Quantification, Necessity Themes in Philosophical Logic(International library of philosophy) Routledge and Kegan Paul , Boston London,1981.
Martin Heidegger, The Age of The World Picture, in: The Question Concerning Technology, And Other Essay, Translated and With an Introduction by William Lovitt, Harper Torch Books, New York, 1977.
Paul Ricoeur, The Conflict of Interpretations Essays In Hermeneutics, Edited by Don Ihde, Northwestern University Press, Evanston III1974.
Pierre Guiraud, Semiology, Translated by George Gross, Routledge& Kegan Paul, London and Boston, 1975.
T.M. Janssen, Composition of Meaning, in: Concise Encyclopedia of Philosophy of Language, Edited by Peter V. Lamarque, R. E. Asher, Pergamon, New York, 1997.