شعب لا يريد الديمقراطية

منذر خدام
2016 / 12 / 18

شعب لا يريد الديمقراطية
منذر خدام
في عام 2004 صدر لي كتاب بعنوان "أسئلة الديمقراطية في الوطن العربي" بعد شغل عليه لمدة سنتين تقريا. في الحقيقة كان عنوان الكتاب " أسئلة الديمقراطية في سورية" لكن لضرورات النشر عملت بنصيحة أحد الأصدقاء فغيرت العنوان. ولذلك ما في الكتاب هو خلاصة دراسة لممكنات الديمقراطية في سورية منظورا إليها من موقع مختلف الفئات الاجتماعية، والقوى السياسية السورية. توصلت في الكتاب إلى استنتاجين رئيسين يبدوان للوهلة الأولى متعارضين: الاستنتاج الأول وهو أن الديمقراطية من موقع مختلف القوى الاجتماعية والسياسية السورية تتحدد سلباً. أما الاستنتاج الثاني فإنه لا بديل عن الديمقراطية لجعلها تتحدد إيجابا بالعلاقة مع هذه القوى الاجتماعية والسياسية. ومع أن الكتاب أثار بعض الجدل في حينه، وكان بعضه على الهواء مباشرة في إحدى محطات التلفزة اللبنانية، خصوصا لجهة كيف يمكن أن تكون الديمقراطية الحل لمشكلة " الديمقراطية " أي لمشكلة حضورها السلبي في مختلف البنى المجتمعية والسياسية السورية. بكلام آخر كيف يمكن جعل الديمقراطية مطلبا اجتماعيا وسياسيا من قبل قوى مجتمعية وسياسية هي من حيث الأساس متعارضة معها بنيويا.
كان يمكن المجادلة، في حينه، بكثير من الأفكار التي تضمنها الكتاب، رغم كل الحجج التي تم سوقها للبرهنة على صحتها، لكن بعد أن بدأ الشعب السوري يتمرد على حكامه، رافعا شعار الحرية والديمقراطية، بدا للوهلة الأولى أن الكتاب برمته لم يعد صالحا، وأن الواقع يكذب ما جاء فيه. لكن مسار الأحداث في سورية التي حاولت من موقعي كناشط سياسي وكباحث متابعته في تفاصيله جاء ليثبت بالدليل القاطع صحة استنتاجات الكتاب سواء الرئيسة منها أو الفرعية، وهذا ما سوف نحاول إلقاء الضوء على بعضه، في هذه المقالة، ونحن على عتبة البدء بالحل السياسي للأزمة السورية.
بداية تجدر الإشارة إلى حقيقة أنه لم يكن يوجد في سورية أحزاب سياسية ديمقراطية قبل الأزمة، وهذا ما تقر به جميع النخب السياسية والثقافية السورية. وبعد نحو ست سنوات من الأزمة السورية التي طالت في أسبابها ونتائجها جميع أشكال الوجود الاجتماعي في سورية، كان يفترض، بعد أن فتحت الأزمة الأسئلة الكبرى للاستبداد بالمعنى التاريخي، أن تجيب الأحزاب عنها في ما يخص تكوينها الخاص، وتشرع في تحويلها إلى أحزاب ديمقراطية لكنها فشلت في ذلك. ربما ثمة من لا يزال يجادل اليوم، وأنا واحد منهم، بأن الحراك الشعبي السوري لو حافظ على سلميته لأسس لتحولات ديمقراطية عميقة في المجتمع، وعلى صعيد الحياة السياسية. بطبيعة الحال هذه الـ " لو" لم يعد لها قيمة واقعية فيما يخص الجانب العنيف من الصراع اليوم، لكن لها قيمة كبيرة في التحليل التاريخي لمسار الأحداث التي تسببت بالأزمة ، وصاغت الكثير من نتائجها الميدانية، وسوف يكون لها دور مهم في صوغ بعض نتائجها السياسية. لا يجادل أحد اليوم، إلا مكابر، بأن المشهد العام في سورية تصوغه قوى الاستبداد المختلفة، ولا مكان في هذا المشهد لقوى ديمقراطية حقيقية . وأكثر من ذلك فأن قضية الديمقراطية التي كانت تتحرك في بعض مستويات الحقل الثقافي على صعيد الخطاب فقط، وليس على صعيد السلوك، جاءت الأزمة السورية لتبرهن أن حضورها في الخطاب الثقافي لم يكن حضورا أصيلا ولا متأصلا بدليل تخلي كثير من أصحابه عنه لصالح الخطاب الاستبدادي. لقد كشفت الأزمة السورية من بين الكثير مما كشفته، هشاشة حضور الديمقراطية في السلوك السياسي للنخب الثقافية، فهي عندما غادرت حقلها الخاص( الحقل الثقافي هو حقل خطاب ) إلى حقل الممارسات السياسية، لم تفارق قيد أنملة عن طبيعة القوى الفاعلة فيه التي هي قوى استبدادية.
إذا صح ما أصدرناه أعلاه بصورة أحكام ( التحليل في الكتاب)، كيف إذا يصح الاستنتاج الثاني الرئيس الذي توصلنا إليه وعرضناه أعلاه. أي كيف يمكن زراعة عضو في جسم هو من حيث الأساس لا يتقبله، بل يلفظه، ويبقى الرهان على شفائه. للبرهنة على ذلك لا بد من التذكير أن الديمقراطية هي نمط الحياة السياسية للرأسمالية، وإن عدم حضورها في مجتمعاتنا يعود إلى ضعف تطور الرأسمالية كتشكيلة اجتماعية اقتصادية، هذا من حيث المبدأ وبصورة عامة. لكن في التحليل التاريخي لمسار الديمقراطية في سياقها الأوربي بداية، وفي سياق جميع الديمقراطيات المستقرة لاحقاً، نجد أن التعددية الاقتصادية ومن ثم التعددية الاجتماعية والسياسية قد أصلت في الوعي العام والخاص مبدأ الإقرار بالاختلاف، والحق فيه، والحق في الدفاع عنه. بطبيعة الحال ما كان ليحصل ذلك لولا القطيعة التي تمت مع الفضاء الثقافي الديني كفضاء مهيمن وسائد. هنا صار كل وجود اجتماعي، أو سياسي، يتحدد بدلالة وجود الآخر المختلف، وبدلالة حقه بالاختلاف، وحقه في الدفاع عنه. بناء على ذلك جاءت فكرة التعددية كمبدأ رئيس من مبادئ الديمقراطية، لا تكون بدونه.
في مجتمعاتنا العربية، وفي سورية التي تعنينا بصورة خاصة، لا تزال جميع أشكال الوجود الاجتماعي والسياسي تتحدد بدلالة نفي الآخر المختلف، بسبب ضعف تطور الرأسمالية من جهة، وبسبب هيمنة الثقافة الدينية من جهة ثانية. لذلك فإن العلاقة بين المختلفين هي دائما علاقة صراعية في سبيل السيطرة، تأخذ في الغالب الأعم أشكالا قمعية وحتى عنفيه أحيانا. لننظر في تاريخنا القريب فقط، أي في مرحلة حكم الأسدين الأب والابن في سورية، سوف نكتشف بدون عناء أن النظام في عهديه قد شيد على قمع جميع مخالفيه، لأنه ببساطة لم يكن يؤمن بمبدأ الحق فيه الاختلاف، والحق في الدفاع عنه، أي لم يكن يؤمن بالتعددية الديمقراطية. من جهة أخرى فإن القوى المعارضة له لم تكن قوى نقيضة له، بل قوى استبدالية فحسب، فهي بطبيعتها لم تكن ترضى أقل من نفي مخالفيها. لقد تجلى ذلك بوضوح في سياق تمرد قسم مهم من السوريين على نظام الحكم، فعندما كان حراكهم عفويا وسلميا كانت رايات الحرية والديمقراطية والعدالة تعلوه، لكن عندما تحول الحراك، أو جزء منه، إلى السلاح كان من الطبيعي أن تصير راياته سوداء. في الحالة الأولى لم تكن الرايات أصيلة ولا متأصلة في الواقع الاجتماعي السوري، على عكس الرايات السوداء التي تستند إلى ثقافة دينية حية وفاعلة. في صراع بين نوعين من الاستبداد أحدهم مسيطر يقدم نفسه كعلماني، وأخر ديني يطمح إلى السيطرة لا يوجد بينهما، أو على أطرافهما، أو في فضاء كل منهما قوى ديمقراطية حقيقية بل قوى استبدالية. لكن من مفارقات مسار أحداث الأزمة السورية أـن أطراف الصراع فيها سواء المحلية أو الخارجية بات من الصعب على كل طرف فيها نفي الأخر بالقوة، بل صار كل طرف ضروري للطرف الآخر، ليس من الناحية الوجودية كما في الديمقراطيات المستقرة، بل من ناحية المصلحة المباشرة، لأن ما نتج عن الصراع من دمار للبلد وتهتك للنسيج الاجتماعي بات خارج قدرة كل طرف محلي أو دولي على إعادة أعماره أو إصلاحه. من هذا المنطلق وتأسيسا عليه صار مطلب الديمقراطية( الأصح الآليات الديمقراطية كما وردت في وثيقة معارضة منصة الرياض) بالنسبة للقوى المحلية طريقا لنفي الطرف الآخر، أما بالنسبة للقوى الخارجية فقد صار مطلب الديمقراطية وسيلة للحفاظ على مصالحها المحمولة على قوى محلية. بهذا الشكل صارت الديمقراطية ( إجراء تغييرات عميقة في بنية النظام الحاكم) شرطا للمشاركة في إعادة إعمار البلد ، هذا ما ورد صريحا في الوثيقة الأوربية التي قدمتها موغريني مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوربي لبعض قادة المعارضة السورية، وهذا ما صرح به باراك أوباما مؤخراً . من مفارقات ما يسمى الربيع العربي أن الدول الغربية التي تدخلت فيه بقوة لإسقاط الأنظمة الاستبدادية الحاكمة من خلال دعمها لقوى استبدادية أخرى، وجدت نفسها أمام واقع لا تستطيع التأثير فيه إلا من خلال التلويح برشوة إعادة الإعمار. ولذلك وعلى طاولة "المفاوضات" بين السوريين التي سوف تتعقد قريبا في كازاخستان، أو في أي مكان آخر، سوف تكون مخرجاتها بالضرورة( ومنها النظام الديمقراطي) انعكاسا لهذه الواقع بكل مفارقاته، إذ يستحيل تحقيق توازن مصالح الأطراف المحلية والدولية من خلال النظام السابق. بكلام آخر صارت مصلحة السوريين بإعادة إعمار بلدهم شرطا لكي يتفقوا على بناء نظام ديمقراطي وان يشكلوا حوامله الاجتماعية والسياسية المحلية. انطلاقا من ذلك تحسن المعارضة التي سوف تفاوض النظام أن تدرك ذلك وأن تركز مفاوضاتها على شكل النظام السياسي المنشود، وعلى بناؤه الدستوري، إلى جانب كل القوانين المكملة له مثل قانون الإعلام، وقانون الأحزاب، وقانون النقابات وهيئات المجتمع المجتمعي، وليس على نفي قوى النظام الحاكم. من المؤسف حقاً أن تظهر أحداث السنوات الست من عمر الأزمة كم كان السوريون عاجزين سياسيا بحيث صار الرهان على الخارج حاسما في تقرير مصيرهم ونظام حياتهم السياسية. إنه الاستبداد المزمن الذي صيرنا كائنات ثقافية مطابقة، وإذا تحقق بعض النجاح في فتح مسار لنقضه في المستوى السياسي، سوف تنتظر السوريين معارك جدية وقاسية لفتح مسارات أخرى في حقول أخرى ثقافية واجتماعية وغيرها، من الواجب الاستعداد لها. ينبغي الإدراك بأن الديمقراطية، رغم كل المشتركات الإنسانية فيها( مبادئ) فإنها تتصير محليا، و تحتاج إلى زمن ليس قصير لكي ترسخ في السلوك.