15 صلاة المسلمين الظنيين وإشكالية الشهادة الثانية

ضياء الشكرجي
2016 / 12 / 17

15 صلاة المسلمين الظنيين وإشكالية الشهادة الثانية
ضياء الشكرجي
dia.al-shakarchi@gmx.info
تناولت في آخر الكتاب الأول «الله من أسر الدين» وبشكل مفصل، ربما كان مملا للبعض، عن صلاة المسلمين الظنيين، أي أولئك الذين كانوا في مقطع غير قصير من حياتهم مؤمنين بإلهية الإسلام وملتزمين بأحكامه، وعلى رأسها الصلاة اليومية، ثم أصبحوا ظنيي الإيمان بالدين، أي يراوحون بين احتمال إلهيته وبشريته، ومن هنا فعلى احتمال إلهيته يرون أنفسهم ملزمين بمواصلة الالتزام ببعض أحكام الإسلام، ومواصلة أداء الصلاة اليومية، في حال كان الإسلام وحيا إلهيا على أحد الاحتمالين، ولكنهم قد يتوقفون عند وجوب نطقهم بما يعرف في الإسلام بالشهادة الثانية، التي يقر الناطق بها بأن محمدا رسول الله، بسبب احتمالهم لكون الإسلام صناعة بشرية وليس وحيا إلهيا. رأيت أن أمر على هذا الموضوع بغاية الاختصار.
إذا ما تحوّل أيّ مسلم ملتزم إلى اللاأدرية الدينية، أو اعتمد ما أسميته بالمذهب الظني، مما يجعله لا يستطيع ترك صلاته الـتي اعتادها، إما لأنه غير حاسم لاعتبار الإسلام وسائر الأديان نتاجا بشريا، ولا تمثل وحيا إلهيا، وبالتالي لا تكون الصلاة واجبا مفروضا من الله، وإما لأنه لا يريد أن يفتقد ما تعطيه الصلاة من روحانية في علاقته بالله، هذا من جهة، لكنه من جهة أخرى لم يعد يجد نفسه قادرا عـلى أن يؤدي الصلاة، كما كان يؤديها عندما كان موقنا بإلهية الإسلام، لأنه يجد نفسه غير صادق مع ربه ومع نفسه، عندما يقف أو يفترض أن يكون واقفا بين يدي الله، فيتلفظ بما فيه إقرار منه بعقيدة لم يعد يؤمن بها عـلى نحو اليقين، ولا حتى عـلى نحو الظن الراجـح، وما يعبر عنه بالمتاخم لليقين، بل يتخذ منها موقفا لاأدريا، أو ظنيا يحتمل الاحتمالين، مما يجعله يجد نفسه غير صادق عندما يقول «أَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَّسولُ الله» في الأذان والإقامة، أو «وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ وَرَسولُه» في التشهد أو التحيات، وكذلك هو حاله عند قول «اللّهُمَّ صَلِّ عَـلى مُحَمَّدٍ وآل مُحَمَّد»، أو «السَّلامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُه». لكنه مع هذا لا يرى نفسه قادرا من جهة أخرى عـلى ترك الصلاة، أو عـلى أداءها بدون ذكر ما يُعَدّ التلفظ به واجبا لا تصـح الصلاة بدونه حسب الشريعة الإسلامية، إذا ما تبين أن الإسلام يمثل بالفعل وحيا إلهيا، يجب عليه التعبد به وبأحكامه، لأنه غير جازم بنفي الدين. لذا أوجدت لنفسي في مرحلة اعتمادي للمذهب الظـني صلاة، تصـح عـلى الاحتمالين؛ عـلى احتمال أن الإسلام نتاج بشري، وعـلى احتمال كونه وحيا إلهيا. رأيت أن أذكرها هنا، لعل هناك من يستفيد منها، ممن يعيش اللاأدرية بالنسبة للإسلام، أو يستوحي منها ما يصوغ به صلاته بنفسه.
صورة الصلاة عـلى وفق المذهب الظني
من اعتاد أن يأتي بالإقامة قبل الشروع بالصلاة، أو بكل من الأذان والإقامة، يمكنه تركهما، لأنهما من المستحَبّات (أي السُّنن)، وليسا من الواجبات (أو الفروض)، مما لا تصـح الصلاة بتركه. ومن أحب مع هذا الإتيان بألفاظها دون الوقوع فيما ذكر من الإتيان بما لم يعد موقنا به، فيمكن له الاقتصار عـلى ما هو بمحل الإقامة، دون أن يأتي بألفاظها بنية الإقامة، حتى لا يقع في إشكال ترك شيء من واجباتها، بل أن يأتي بألفاظها بنية عامة الذكر، وعندها لا يكون هناك إشكال في ترك لفظ من ألفاظها، فيقول عندها:
- «اللهُ أَكبَر» (مرة، أو مرتين، أو أربع مرات)
- «أَشهَدُ أَلّا إِلهَ إِلَّا الله» (مرة، أو مرتين)
- «حَيَّ عَـلَى الصَّلاة» (مرة، أو مرتين)
- «حَيَّ عَـلَى الفَلاح» (مرة، أو مرتين) [ويفضل للظني تركها، لأن ليس هناك دليل على كون الصلاة سببا للفلاح، كما يرجح لصاحب الخلفية الشيعية ترك عبارة «حَيَّ عَلى خَيرِ العَمَل» لأن الصلاة حتى فرض وجوبها لا يجب أن تمثل خير الأعمال للإنسان.]
- «قَد قامَتِ الصَّلاة» (مرة، أو مرتين)
- «اللهُ أَكبَر» (مرة، أو مرتين)
- «لا إِلهَ إِلَّا الله» (مرة، أو مرتين)»، [أو بأي عدد شاء المصلي، كأن يكون ثلاث مرات، خاصة إذا أحب أن يتجنب التشبه بأي من الطائفتين.]
وبعد ما يسمى بتكبيرة الإحرام، وقراءة سورة الفاتحة، وسورة قصيرة أو جزء سورة، لا تشتمل عـلى ألفاظ لا تصـح إلا مع فرض إلهية الإسلام، وبعد أداء كل ما في الصلاة من ركوع وسجود، وغير ذلك، تبقى المشكلة في عبارات التشهد أو التحيات، ألا هي العبارات الثلاث:
1. «وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ وَرَسولُه»
2. «اَللّهُمَّ صَلِّ عَـلى مُحَمَّدٍ وَّآلِ مُحَمَّد»
3. «اَلسّلامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُه»
يفضل للمسلم الظني الذي تفوق كفة احتمال بشرية الإسلام أن يترك هذه العبارات، ويكتفي بعبارة الشهادة الأولى المعتادة في التشهد أو التحيات، بقول «أَشهَدُ أَلّا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه»، وفي التسليم يمكنه اختيار عبارة «السلامُ علينا وعلى عِبادِ اللهِ الصالِحينَ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه».
والذي لا يستطيع ترك هذه العبارات لاحتماله وجوب الإتيان ببعضها، فأقول له، إن الواجب الإتيان به هو فقط عبارة «وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ وَرَسولُه»، وعند البعض أيضا عبارات الصلاة على محمد وآل محمد، وإن كانت مستحبة عند البعض، وكل مستحب جائز تركه. لكن أقول لمن لا يستطيع تركها، يمكنه الإتيان بها على النحو الآتي، والذي يمكن به حلّ إشكال الإتيان من غير يقين من جهة، وإشكال تركها لاحتمال بطلان الصلاة بذلك من جهة أخرى. وهذه الطريقة روعي فيها وجوب الإتيان بها كما هي من جهة، ثم التعقيب بذكر جائز لا يخلّ بالصلاة، يحل إشكالية عدم حسم الإيمان بها بدرجة اليقين من جهة أخرى، فيقول المصلي: «أَشهَدُ أَلّا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَه، وَأَشهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبدُهُ وَرَسولُه، موقِناً أَلّا إِلهَ إِلَّا الله، غَيرَ جازِمٍ بِنَفيِ أَنَّ مُحَمَّداً رَّسولُ الله، سائِلاً اللهَ الهُدى وَاليَقينَ وَالعَفوَ وَالقَبول». فبهذه الإضافة هنا، بنية الذكر العام، لا تبطل الصلاة، عـلى الرأي الفقهي القائل بجواز الإتيان بذكر دون نية الركنية أو الـجزئية كما يُعبَّر، أي نية كون الذكر المضاف ركناً أو جزءً مطلوب الإتيان به. فالعبارات المعقَّب بها عـلى ألفاظ شهادتي التشهد (التحيات) ثبّتت من جهة اليقين بوجود الله ووحدانيته، وذكرت النبوة رجاء المطلوبية، كما يُعبَّر بلغة الفقه، مع بيان عدم جزم الشاكّ بها بنفيها، ثم توجه المصلي بالدعاء بهداية الله له إلى ما هو حق، إثباتا أو نفيا لها، ومنحه اليقين في أي من الاحتمالين، احتمال صدق النبوة والرسالة، واحتمال العكس، ثم الدعاء بالعفو عما بدر من خطأ غير مقصود في العقيدة، والقبول بما يصدر منه وفقا لصدقه، لا وفقا لإصابته الصواب.
أما قول «اللّهُمَّ صَلِّ عَـلى مُحَمَّدٍ وَّآلِ مُحَمَّد»، فكما مر، يفضل تركها، لوجود رأي فقهي عند بعض مذاهب السنة بكونها مستحبة، وليست واجبة، وكون ترك المستحب جائزا. ومع هذا إذا خشي المصلي ترك واجب بتركها، يمكن الإتيان بها مع تعقيب متدارك عـلى النحو الآتي: «اللّهُمَّ صَلِّ عَـلى مُحَمَّدٍ وَّآلِ مُحَمَّد، إِن كُنتَ بَعَثتَهُ رَسولاً، وَإِلّا فَافعَل بِهِ وَبِهِم وَبِنا ما أَنتَ أَهلُهُ مِنَ العَدلِ وَالرَّحمَة». وهنا جرى التفريق بين صاحب الرسالة أو صاحب دعوى الرسالة من جهة، وبين آله التابعين له والمصدقين به من جهة ثانية، وبين المصلين أو لنقل المؤمنين بالنبوة والشاكين بها، أو اللاأدريين تجاهها، ثم جرى ذكر كل من العدل من جهة والرحمة من جهة أخرى.
وقول «السَّلامُ عَلَيكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُه»، يمكن أيضا تركها، كما مر، لقول فقهاء الشيعة، ولعله بعض السنة باستحبابها، وليس بوجوبها. ويجدر ذكره هنا إن السنة جعلوها من عبارات ما يسمونه بالتحيات، أي ما يسميه الشيعة بالتشهد، بينما جعلها الشيعة من أذكار التسليم غير الواجب الإتيان بها.
أما في التسليم، فيكفي كما مر قول: «السَّلامُ عَلَينا وَعَـلى عِبادِ اللهِ الصّالِـحين»، ولا يرجح، قول: «السَّلامُ عَلَيكُم وَرَحمَةُ الله وَبَرَكاتُه»، إذا كان قولها يعني التسليم على الملائكة يمينا ويسارا، لأن المسلم الظني غير متيقن من وجود مخلوقات تسمى في الدين بالملائكة، في حال ثبت عدم إلهية الدين.
أقول للمسلمين الظنيين، املكوا من الشجاعة، ما يجعلكم تنتزعون أنفسكم من عادة اعتدتموها ربما لعشرات السنين، وكونوا صادقين مع أنفسكم ومع ربكم، ولا تنطقوا وأنتم تصلون له، بما لستم متيقنين منه، ولا تتشهدوا بشهادة تحتملون عدم ثبوتها. فالصدق هي القيمة التي يثبكم الله عليها، والخطأ لا يحاسبكم عليه، ناهيك عن أن يعاقبكم، لأن الخطأ في إصابة الصواب والحق والحقيقة، أمر غير اختياري، وإصابة الحقيقة لما هو ما وراء الطبيعة، المسمى بالغيب، شيء يكاد يكون مستحيلا على الإنسان، والله لا يتوقع المستحيل منه.
أقول هذا شاهدا ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وشاهدا ألا عقاب على من لم يقتنع بوجود الله ولم يشهد له بوجوده وألوهيته ووحدانيته وربوبيته، فالله لا يكلف نفسا إلا وسعها، بإقرار القرآن، وأصاب القرآن هنا، كما أصاب في مواقع أخرى، لكنه اشتمل على الكثير الكثير، مما يمتنع نسبته إلى الله بكل كماله وجماله وجلاله وحكمته وعدله ورحمته، وإلا فعدم الإيمان بالله عندي، وعند الله حسب فهمي، خير من الإيمان بصورة مشوهة له، بعيدة عن العدل والرحمة والحكمة.
والحمد لله الذي يحب الملحدين والمؤمنين واللاأدريين، المصلين وغير المصلين، طالما سعوا أن يتأنسنوا، وكلما زلوا وابتعدوا قليلا في سلوكهم عن إنسانيتهم، ندموا وعادوا وصححوا وتداركوا.
17/12/2016