أصداء قصة حلبية...

غسان صابور
2016 / 12 / 17

أنا لا أفهم غرابة هذه الحرب التي يعلنون لنا أنها انتهت, وهي بعد لم تنته بمدينة حلب السورية التاريخية... وكيف يضع المنتصرون عشرات الباصات وعددا من ناقلات الإسعاف, تحت تصرف المقاتلين المحاصرين لنقلهم مع عائلاتهم, لأية مدينة سورية يرغبون... كأننا بمباراة كرة قدم, يتغير فيها مكان حراسة مرمى كل من الفريقين... بينما حالة الحرب متتابعة...والموت والخراب مستمران.. هل المتحاربون.. مجانين.. أم أنها حرب مجانين.. أم ان كل الحروب.. وهذا هو الصحيح أصبحت كلها مجنونة.. لا تخدم ــ مثلما حقيقة جميع الحروب ــ سوى مصالح من أججوها... لأن الأموات.. دوم.. لا يتبقى لهم قبل وأثناء وبعد انتهاء الحرب أية مصلحة...
وكل من يقول عن هذه الحرب.. كما قيل عن تاريخ قبل المسيح, وبعد المسيح.. وعن تاريخ قبل محمد وبعد محمد.. وسيقال اليوم التاريخ قبل حلب وبعد حلب.. غباء.. ولا شيء سوى الغباء... وإني مسؤول كليا عن هذا التصريح... لأن كل الحروب غبية.. لأنها ضد العقل والحياة... وليس للموت, مهما كانت الأحداث والمناسبات والظروف والمعطيات والدوافع.. أي مبرر للقتل والموت.. وخاصة بعد كل الفظائع اللاإنسانية التي تبارت بها جميع الأطراف.. لو استعملنا العقل.. قليلا من العقل والحكمة.. لما انحدرنا إلى قذارة ونتانة جوفها.. كما وصل إليها وحـرض لإثارتها مقاتلون لا تعرف شرائعهم وتوجيهاتهم ومعتقداتهم أي حرف أو أبسط فاصلة من الحضارة الإنسانية والتفاهم بين البشر العاديين...حتى توصلوا لهدفهم الآثم المنشود... خراب ثلاثة أرباع البلد.. وتهجير نصف شعبه.......
ولكن منذ عشرات القرون, وتكوين الأمم.. هل كنا بشرا عاديين؟.. أم ورثة كل تشريعات الحقد والقتل والغزو والقنص والاغتصاب.. ونكاح ما ملكت أيماننا؟؟؟!!!...
وكل ما أصابنا عبر التاريخ وعبر السنين.. من صنعنا ومن ضــآلــة فكرنا؟؟؟... ورغم أننا كنا نطبل ونزمر من خمسة عشر قرن.. "أننا أفضل أمة عند الله " لأننا نقاتل ونقتل من خمسة عشر قرن بلا هوادة الاخر الكافر "عدو الله " باسم الله وتحت رايته؟؟؟!!!...
حــلــب السورية التي كانت من أجمل مدن العالم.. ومسجلة بالتراث الحضاري العالمي.. أصبحت بسنوات قليلة معدودة.. أكواما من قذارات وقمامات وخراب.. وشعبها بمناظره الجائعة التائهة المريضة المشردة.. أصبح صورة العدم.. صورة الضياع واللاشـيء والعدم.. شعبا بلا وطن!!!...
كم تضايقت أن هناك من يستعرض ويتظاهر ويفتخر كفاتحي روما, عبر انتصارات القياصرة.. كما استمعت من يتباكى على الخسارة.. داعيا عسكر العالم كله على متابعة هذه الحرب الوسخة لاستعادة خلافة حــلــب... لأنهم عسكر الله.. ويجب إعادة حلب إلى شريعة الله... إخــرســـوا يا أغبى أغبياء البشر.. لو كان الله معكم.. لو كان هناك إله بــحــلــب.. لما استطعتم تحريك ذرة تراب من هذه المدينة.. والتي لن يتبقى من تاريخكم وتاريخها أي شــيء.. ولن يتبق منها سوى عفن الموتى وخرابكم وآثار تفجيراتكم.. وأكوام من قمامات عقولكم المنخورة بالهلوسات الدينية... وكتاباتكم السوداء على حيطانها المهدمة المهجورة حتى من الغربان........ ولن ينسى التاريخ.. إن بقي من يتذكر حلب ويكتب عنها.. لن ينسى إثـــم وإجـــرام من هدم وفجر حجرة واحدة منها.. وحولها إلى خراب وقمامات.. هي التي صدمت وقاومت من عشرات آلاف السنين أفجر جحافل الغزاة.. وانتم بسنوات قليلة معدودة. تعديتم وسبقتم أفظع قتلة ومجرمي التاريخ والغزاة.. وحولتموها إلى أكوام من العدم.. فارغة من كل علامات الإنسانية!!!...
يا ويلكم مما خلفتم ومن أولادكم.. عندما يكبرون.. أينما رحلوا.. وأينما هاجروا.. ماذا سوف تقولون لهم.. وما سوف يقولون لكم.. لو كنت معهم.. لو كنت بينهم.. سوف أرفض أبـوتــكــم وكل ما يربطني بكم وبتاريخكم وإجرامكم.. عما كل ما فعلتم بمدينة حــلــب التي كانت مدينة سورية حتى أعمق أعماق جذورها التاريخية.. وصارت ـ يا لحزني وحرقة أعماق حزني ــ خرابة مهدمة مهجورة منسية.........
*************
عـلـى الــهــامــش :
Médiapart -- و ما يجري بــحــلــب
هذا الموقع الإعلامي والذي كان آخر مرجع إعلامي فرنسي, يمكن أن يستقى منه بعض الحقيقة الحقيقية, بما يجري بالعالم. أوكل لثلاثة من صحفيييه:
Lemaïg Ledoux
Lucie Delaporte
Christophe Gueugneux
أولاهم مختصة بشمالي إفريقيا والشؤون الداخلية الفرنسية والثانية والثالث بالأحزاب الفرنسية والسياسة الداخلية... والثلاثة أخرجوا لنا عنوانا هذا الصباح.. ترجمته :
" سقوط حلب.. والتشقق بصفوف الأحزاب الفرنسية "
لأن الثلاثة وموقعهم بشكل عام يعتبرون " تــحــرير حلب.. ســقـوطــا " وليس تحريرا "... كأكثرية المواقع الإعلامية الغربية المعروفة...
بالفعل هذا هو التوجيه الإعلامي بشكل عــام... بالإعلام الفرنسي... وداخل الأحزاب واالشخصيات السياسية والتحضيرات الانتخابية الهامة للسنة القادمة... ما عدا حزب الجبهة الوطنيةLe Front National ومرشح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة القادمة السيد فرانسوا فيون François Fillon , ومن اليسار الفرنسي السيد جان لوك ميلانشون Jean-Luc Mélenchon, والذين يلتزمون بوجهة النظر الديبلوماسية الروسية عن حلب وسوريا وسلطتها الشرعية.. حيث أن وجهة النظر الرسمية والخطوط الإعلامية بشكل توجيهي التزامي شمولي, ما زال على الخط العدائي الشخصي للرئيس السابق ساركوزي, الملتزم للسياسة الأمريكية.. والذي ما زال يتبعه الرئيس هولاند وحكوماته المتتالية.. والإثنان ليسا مرشحين لأية انتخابات قادمة...
ولكن الإعلام الغربي بشكل عام.. والفرنسي بشكل خاص.. ما زالا بجميع الأحوال يعتبران آخر الجيوب " الجهادية الإسلاموية والإرهابية " المعتصمة ببضعة أحياء بحلب الشرقية.. عناصر مقاومة ثورية.. خلافا لكل حقيقة إنسانية... منتقدا بأشكال هوليودية مفتعلة السلطة السورية والجيش السوري الذي يحرر مدينة حــلــب المغتصبة.. من جحافل إرهابية ما زالت تحتمي وراء دروع بشرية محلية.. هي المعتدية.. خلافا لأبسط القوانين الدولية السارية المفعول...
ولكن منذ بداية البدايات... ومنذ اندلاع ما سمي ألف مرة خطأ " الربيع العربي " والذي كان أفظع شتاء عرفته المنطقة كلها.. بــســوريــا وغير سوريا... هل تــرك الإعلام الغربي والإعلام العربي النفطي.. أي مكان للحقيقة... والذي لم يترك سوى الخراب والموت والتفقير والتهجير لملايين من السوريين... والذين وحدهم دفعوا ثمن كل هذا الجرائم المدبرة ضده من عشرات السنين...
ـــ إعلامي حــر نـادر
أنصح القارئات والقراء بمتابعة الإعلامي البلجيكي الحر Michel COLLON على موقعه الإعلامي Investig’Action مع عدد قليل نادر من الصحفيين الذين يدافعون بقوة ضد الإرهاب وعن حقيقة ما يجري على الأرض السورية, وتحليل هذه الحرب الآثمة وأسبابها ضد سوريا وشعبها, وجميع التحركات الأمريكية والصهيونية والسعودية والقطرية والتركية والناتوية التي تعاونت لتغيير خارطة هذا البلد... إنه آخر الإعلاميين والصحفيين والمحللين الشجعان الذين يدافعون ضد هذه الجرائم النكراء التي تعاونت مع الإرهاب بليبيا والعراق ولبنان وسوريا, من أجل مصالحها الرأسمالية على حساب تقتيل وتهجير الملايين من سكان هذه المنطقة... أرفع قبعتي لـه ولأصدقائه الذين يقتحمون ندوات الجدل الموحدة ضد سلطات سوريا الشرعية وجيشها.. لشجاعتهم النادرة بهذه الأيام بعالم الإعلام الغربي والــعــربــاني النفطي... والسياسات الاستثمارية الاستعمارية المزورة..........
بــــالانــــتــــظــــار...
للقارئات والقراء الأحبة الأكارم... هـــنـــاك و هـــنــا.. وبكل مكان بالعالم.. وخاصة للنادر القليل من الأحرار الذين ما زالوا يقاومون ــ على حساب حياتهم ورزقهم ــ من أجل الدفاع عن الحقيقة الحقيقية والحريات العامة وحرية الفكر والتعبير والعلمانية الكاملة ومساواة المرأة بالرجل.. دون أي استثناء أو تردد أو تراجع... لهن ولهم كل مودتي وصداقتي ومحبتي واحترامي وتأييدي ووفائي وولائي.. وأصدق تحية طيبة مهذبة...
غـسـان صــابــور ـــ لـيـون فــرنــســا