ألمانيا تحلم بوراثة -التاج- التايلندي!

ناجح العبيدي
2016 / 12 / 16

ألمانيا تحلم بوراثة "التاج" التايلندي!
يحرص زوار بانكوك على القيام بجولة في القصر الملكي المترامي الأطراف الواقع وسط العاصمة التايلندية. فهو لا يضم مبان ومعابد فخمة وإنما أيضا قطعا فنية لا تقدر بثمن، ومنها مثلا تمثال ضخم لبوذا المستلقي مغطى بالذهب يصعب تقدير قيمته المادية، ناهيك عن قيمته الروحية.
والآن يدرس موظفو مصحلة الضرائب في ألمانيا إمكانية أخذ حصة لا تقل عن ثلاثين بالمائة من قيمة هذه القصر وتحفه وكذلك من قيمة بقية أملاك العاهل التايلندي الراحل "ومبيل أدولياديج" الذي توفي قبل شهرين عن عمر يناهز 88 عاما بعد أن جلس على العرش نصف قرن بالتمام والكمال. ولكن ما علاقة العرش التايلندي بألمانيا وقانونها الضريبي؟
للوهلة الأولى تبدو هذه القصة من وحي الخيال، ولكن للقضية بالفعل أبعادا قانونية تُلزم موظفي مصلحة الضرائب الألمان المشهورين بجديتهم الزائدة عن اللزوم بالتحرك وفحص القضية من كافة جوانبها، وإلا فإنهم قد يحاسبون بتهمة تبديد المال العام، وبالتحديد التسيب في جباية ضريبة إرث تقدر بالمليارات.
وتتلخص خلفية هذه الحكاية "الأسطورية" في أن نجل العاهل التايلندي الراحل وولي عهده وملك البلاد حاليا "ماها فاجير ألوكورن" لم يكن معجبا بالحياة قرب شعبه الفقير، وإنما كان يفضل قضاء أوقات طويلة في فيلته الفاخرة على ضفاف بحيرة "شتارينبيرغر زيه" الساحرة في ولاية بافاريا بجنوب ألمانيا.
ولا يعود تفضيل الأمير السابق والبالغ من العمر 64 عاما للإقامة في جنوب ألمانيا إلى المناظر الخلابة لهذه المنطقة السياحية المعروفة فقط. فقد حفلت الصحافة الألمانية على وجه الخصوص بأخبار عن هوس ولي العهد التايلندي سابقا بحياة صاخبة تدور أبرز عنوانينها حول النساء الجميلات والحفلات الباذخة وسيارات "بورش" الفارهة والكلاب المدللة والفيلل الفخمة والملابس الغالية.
كل ذلك لا يهم بطبيعة الحال موظفي الضرائب الألمان. ولكن عشق الأمير السابق للحياة الهانئة في ألمانيا قد تكلفه وتكلف بلاده وشعبه أموالا طائلة.
بيد أن ذلك سيتوقف على تفسير المادة الثانية من قانون ضريبة الإرث في ألمانيا. وتنص هذه المادة على أن أي شخص طبيعي يقيم في ألمانيا أو يملك مقرا سكنيا فيها يخضع لضريبة الإرث في حالات حصوله على ميراث نتيجة الوفاة. ولا تشترط هذه المادة امتلاك الوارث للجنسية الألمانية، بل تسري أيضا على الأجانب المقيمين دائما في ألمانيا. ولا تفرق هذه المادة بين تركة المتوفي (أي أمواله وأصوله) في داخل ألمانيا وخارجها، بل أن جميع عناصر الميراث تخضع للضريبة بغض عن مكانها. وتكفي للإقامة الدائمة أن يبقى الشخص المعني أكثر من 180 يوما في العام بشكل مستمر داخل الأراضي الألمانية. غير ان الأمير السابق كان يعرف بالتأكيد بذلك ويحرص كل عدة أشهر على تجاوز الحدود الألمانية مع النمسا أو سويسرا لإبطال هذا الشرط. لكن فيلته التي تقدر قيمتها بـ12 مليون يورو توفر بكل تأكيد شرط المقر السكني الأمر الذي يعني خضوعه لضريبة الإرث الألمانية.
ومن الواضح أن الملك الجديد "ماها فاجير ألوكورن" لن يرث من أبيه العرش فقط، وإنما أيضا حصة الأسد من أمواله السائلة وغير السائلة. فالملك الراحل لم يتفوق على أقرانه من ناحية فترة جلوسه القياسية على العرش، بل كان يعتبر أيضا من أثرى ملوك العالم بحسب مجلة فوربيس الأمريكية. وتشمل أمواله أراض زارعية شاسعة ومنها 14 الف كيلومتر مربع في بانكوك وحصصا كبيرة في بنوك آسوية واستثمارت كبيرة في قطاع التأمين، هذا إضافة طبعا إلى قصره المنيف في بانكوك. ويقال بإن مصحلة الضرائب الألمانية تقدر هذه الأموال بأكثر من 40 مليار دولار. وبحساب بسيط يمكن تقدير مبلغ الضريبة الهائل والذي قد يسيل لعاب وزارة المالية في برلين.
صحيح أن الملك الجديد وبصفته ابن العاهل الراحل سيحصل بموجب القانون الألماني على مبلغ معفي من الضريبة مقداره 400 ألف يورو. بيد أن ذلك يعتبر من سقط المتاع مقارنه بالثروة الموروثة الطائلة. ويُصنف قانون الضريبة الألماني الملك التايلندي الجديد ضمن ما يدعى بالفئة الضريبية الأولى. ولحسن حظ الملك فإن القانون يطبق على هذه الفئة ضريبة تصاعدية تبدأ بسبعة في المائة وتنتهي بثلاثين في المائة. ولكن فرحة "ماها فاجير ألوكورن" بهذه "التسهيلات" الضريبية لن تدوم طويلا لأن المعدل الأقصى 30% يطبق على قمية الميراث التي تزيد عن 26 مليون يوور. ويعني ذلك بأن الجزء الاعظم (أي 99,99%) من الميراث التقديري سيخضع لهذه النسبة العالية.
ربما يوجد "إعفاء خاص" بالملوك، ولكن البحث الدقيق في ثنايا قانون ضريبة الإرث الألماني لم يؤدِ إلي نتيجة.
فهل ستتحول القضية إلى قضية دبلوماسية؟ أم أن موظفي الضرائب الألمان المعروفين ببيروقراطيتهم سيرسلون، وكما جرت العادة" رسالة بالبريد العادي إلى الملك التايلندي يطالبونه بالكشف عن تفاصيل عن الميراث الملكي؟ وفي حالة عدم الإجابة خلال مهلة محددة سيهددون بتقدير الضريبة.
كل ذلك يبقى مجرد تكهنات، ولكن من المؤكد أن الملك التايلندي الجديد قد بادر وكلّف خبراء في الضرائب لمساعدته في الخروج من هذه الورطة.
د. ناجح العبيدي