14 الحلقة الخامسة للمذهب الظني

ضياء الشكرجي
2016 / 12 / 15

14
هذه هي الحلقة الرابعة عشر من مختارات من مقالات كتبي الخمسة في نقد الدين، ونحن ما زلنا مع مقالات الكتاب الأول «الله من أسر الدين إلى فضاءات العقل»، وخصصت ست مقالات من العاشرة حتى الخامسة عشر لمبحث (المذهب الظني) الذي يعرض لعقلاء المتدينين الذين يراوحون بين إيمانهم بإلهية الدين وبين احتمال بشريته، راجيا الصبر عليها ممن قد لا يرى أنها تعنيه، لحين البدء بالتأسيس للاهوت التنزيه (عقيدة الإيمان العقلي اللاديني).
الظنية والعقلية والتأويلية
كما قسمنا الناس في بداية الكتاب، بحسب موقفهم من المعرفة الإنسانية عموما، ومن العقيدة خصوصا، إلى مثاليين وواقعيين [المثالية والواقعية الفلسفيتان]، تجريبيين وعقليين [من حيث مصادر المعرفة المعتمدة]، ماديين وإلهيين، إلهيين عقليين ووحيويين، لا بد فيما يتعلق الأمر بكل من المذهب التأويلي والمذهب الظني، ومن أجل توضيح المراد بهما، من تقسيم الناس بهذا اللحاظ إلى عدة مجموعات، تقسيما نوعيا وليس كميا، أي بقطع النظر عن تفاوت نسب الفرق المفترضة، لأن ما كان كثيرا قد يقل، وما كان قليلا قد يكثر. وقبل بيان هذا التقسيم، نطرح وبقطع النظر عن الترتيب والعلاقات مجموعة مصطلحات وعناوين على شكل ثنائيات وعلى نحو التقابل، كالآتي:
- الدمجيون - التفكيكيون
- العقليون - الوحيويون
- اليقينيون - الظنيون
- النصيون - التأويليون
الإلهيون: إما دمجيون (دينيون)، بمعنى ألّا تفكيك عندهم بين الإيمان والدين إيجابا أو سلبا، وإما تفكيكيون (لادينيون) مع كونهم مؤمنين.
الدينيون: إما يقينيون، وإما ظنيون.
اليقينيون: إما عقليون، وإما وحيويون.
اليقينيون الوحيويون: نصيون بالضرورة.
اليقينيون العقليون: إما نصيون وهم القلة، وإما تأويليون، مع لحاظ أن التأويلية أقرب إلى العقلية.
العقليون: إما يقينيون وإما ظنيون، مع لحاظ أن الظنية أقرب إلى العقلية.
العقليون الظنيون: تأويليون بالضرورة.
والمذهب لظني الذي كنت عليه لبضعة أشهر عام 2007 هو مذهب مركب من المذهبين التأويلي والظني، يتبنى أتباعه أن يكونوا:
- عقليين في كل الأحوال.
- تأويليين في كل الأحوال.
- ظنيين في الأعم الأغلب، تاركين الخيار لكل إنسان أن يحدد موقفه وفق ما تولدت لديه من قناعة بين اليقين والظن والشك.
- غير رافضين لليقينية العقلية ولا للتفكيكية. [وبالنسبة لي فسرعان ما حسمت خيار التفكيك والتحول إلى عقيدة التنزيه، لكني ما زلت أرى المذهب الظني خيارا صالحا، لمن لا يستطيع حسم خياره، بل يرجح أن يبقى لاأدريا دينيا.]
فالعقلية لا بد من أن تكون المنهج المعتمد، بقطع النظر عن مذهبَي التأويلية والظنية. والتأويل من لوازم المذهب العقلي لا محال، بالنسبة لغير الحاسمين نفي الدين من الإلهيين، والظن هو الآخر من لوازم المذهب العقلي على الأرجح، كون اليقين لا يتأتى إلا فيما هو واجب عقلي، وأما المقولات الدينية الممكنة عقلا فلا تتعدى الإيمان الظني. ولكن هذا لا يمنع من وجود عقليين تأويليين استطاعوا بلوغ اليقين. فهم مع يقينهم يلتقون مع إخوانهم الظنيين في تأويل كل ما يكون متعارضا مع ضرورات المذهب العقلية والعقلانية والإنسانية إلى المعنى غير المتعارض، ورفض النصوص المتعارضة التي لم تثبت نسبتها إلى الدين كالأحاديث والروايات، لكن الفرق بينهم وبين الظنيين، أن أولئك لم يحسموا أمر التسليم لصدق مصدرية الدين الإلهية، وإن كانوا لم يجزموا بنفيها، بينما تيقن اليقينيون من صدق الدين، ما زال ممكن التأويل. كما لا مانع من وجود تفكيكيين، وبالتالي مؤمنين لادينيين. ومن المشتركات بين كل من اليقينيين والظنيين والتفكيكيين، من أتباع المذهب العقلي-التأويلي، أن اليقينيين يقبلون من الظنيين إيمانهم الظني، والظنيين يقبلون من اليقينيين إيمانهم اليقيني، ما زال الاثنان مشتركَين في حاكمية العقل الفلسفي والعقل الأخلاقي، أي في أسس العقل والحكمة والعقلانية والعدل والإنسانية ومكارم الأخلاق، وما زال يقين اليقينيين ليس من قبيل الجمود والنصية، وما زال ظن الظنيين ليس من قبيل العناد والمكابرة، كما يقبل كلا الفريقين من التفكيكيين تفكيكهم بين الإيمان والدين، لأن من الظنيين من يقترب من اليقينيين العقليين، ومنهم من يقترب من المؤمنين التفكيكيين، فهم همزة الوصل بين الفريقين، وحتى الطرفين القطبيين، أي الأكثر تباعدا عن أحدهما الآخر يلتقيان ويقبل أحدهما الآخر، ما زالت العقلية والعقلانية والإنسانية والنسبية والعلمانية تمثل المشتركات لمنهج الفكر والعقيدة والسياسة عند كل منهما. بل حتى غير المؤمن، إذا كان إنسانيا وعقلانيا، فالإنسانية والعقلانية تمثلان نقطة التقاء يحبها الله.
مرجحات اختيار المذهب الظني
عندما اعتمدت المذهب الظني لما يقرب من نصف السنة [ما بين أربعة إلى تسعة أشهر] دونت في حينها أسباب اختياري للمذهب الظني، الذي يرتكز على الإيمان اليقيني بالله والإيمان الظني بالإسلام، مع اعتماد تأصيل مرجعية العقل والتأويل العقلي بما يأتي من مبررات:
حجتي في ذلك إن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وإنه أعطاني عقلا أفكر وأتأمل به، وأعطاني ملكة استدلالية، وجعل كل ذلك نسبيا ومحدودا. ثم إنه تعالى لا يريدنا أن نتبع ما وجدنا عليه آباءنا اتباعا أعمى من غير تثبت. هذا كله من جهة، ومن جهة أخرى إن هناك في الإسلام مما هو رائع وعظيم وجميل [كثر أو قل]، ولكن في نفس الوقت هناك ما لا يمكن عقلا أن يصدر عن الله تعالى، إلا بتأويل قسري، وأحيانا بتكلف شديد وابتعاد عن ظاهر النص، والذي أي ذلك الظاهر مما ينزه العقل الله عنه. كل هذا وغيره آل [آنذاك بالنسبة لي] إلى قناعة راسخة، أنه إذا ما ثبت أن الموجود في القرآن والحديث والسيرة مما يتعارض كليا مع ضرورات العقل، لا يملك العقل إلا أن يتحفظ على الإسلام كدين إلهي، لكون تنزيه الله الواجب وجوده وكماله عقلا، وبالتالي يقينيّ التصديق بالضرورة، أولى من تنزيه الدين الممكن تحققه، وبالتالي ظني التصديق. وأما تفسير وجود تلك النقاط المشرقة فيه، فحاله حال أي نتاج بشري، حيث تألُّق منتجه في جوانب، ووقوعه في جوانب أخرى فيما ينبغي أن يتنزه عنه دين يفترض به أنه دين الله، وذلك بحكم قانون النسبية الحاكم على فكر وسلوك الإنسان كمخلوق حادث ممكن نسبي.
وحيث إن البحث الدقيق والتفصيلي من أجل الوصول إلى حسم تام وقاطع للموقف، من أجل أن يصل المرء إلى يقين بثبوت صدق الدين أو انتفائه، قد يحتاج [للبعض]، بل يقينا يحتاج [كما كنت أعتقد] إلى أكثر من عمر إنسان، مهما امتد عمره، من هنا فبما أني [كما كنت أفكر آنذاك] لا أملك هذا العمر، ولا يمكن أن أترك كل اهتماماتي وأتفرغ لهذا الأمر، ولو علمت أني سأصل إلى نتيجة لفعلت ذلك [مع أني وصلت إلى نتيجة لاحقا]، ولكن هذا ما لا يمكن أن يُنتظَر من كل إنسان، وإلا لتعطلت الحياة، وقضى كل منا عمره يبحث عن حقيقة ما وراء المحسوس. إذن البحث في هذا الأمر تكليف خارج المقدور، وفوق الطاقة، والله، كما ثبتنا ابتداءً، لا يكلف نفسا إلا وسعها.
الأنبياء الذين لعلهم انطلقوا من صدق في المنطلق والدافع والتوجه، هم في أحسن الأحوال مصلحون مؤمنون، ولعل البعض منهم كانت تتفاعل عندهم القضية وتتعمق في كل وجدانهم، إضافة إلى ما كان يرى الناس فيهم من قداسة، بحيث تراهم مع الوقت يقتنعون هم أنفسهم بكونهم مقدسين. هذا ما نراه في الپاپوات مثلا، كما رأيناه في بعض الفقهاء الذين عاصرناهم، كمحمد محمد صادق الصدر، والخميني، وبعضهم من انتابه ما يشبه شيزيفرينا تقديس الذات، رغم تواضعه الصادق من جهة أخرى للناس، وهذا يمكن أن نتصوره في بعض الأنبياء، أو من اعتُقِد بنبوته.
ومن هنا فالمتبعون للأنبياء غالبا جهلة وأميون ومسحوقون اجتماعيا وباحثون عن خلاص ومن أراذل القوم حسب تعبير القرآن نفسه. ثم لننظر إلى عيسى مثلا كيف تتفاعل عنده القضية، ويستغرق في العلاقة الحميمة بالله، حتى يصور لنفسه أنه ابن الله، أو أن الله قد حل فيه، وهذا الحلول تكلم عنه بعض المتصوفة والعرفانيون من المسلمين. أما موسى فتتفاعل عنده القضية بحيث يتصور أن الله يتحدث إليه شخصيا، وهو يسمع صوت الله، ولم يفسر لنا أحد كيف يكون لله صوت. وإبراهيم يعلن أنه بدت بينه وبين قومه العداوة والبغضاء أبدا، لا لشيء إلا لأنهم لم يؤمنوا بما آمن. [كما تفاعلت القضية من قبل عند إبراهيم، الذي كان مقتنعا أن كل ما يراه في المنام، ما هو إلا رسائل مرسلة له من الله، عليه أن يرتب عليها الأثر، كما يروي القرآن قصته مع الأمر الإلهي له الذي جاءه في المنام، بذبح ابنه: «إِنّي أرى فِي المَنامِ أَنّي أَذبَحُكَ»، بقطع النظر عما إذا كان هذا الابن هو إسحاق كما في العهد القديم، أو إسماعيل كما في القرآن.]
ثم لو تأملنا لماذا يا ترى كان عليّ يحب قراءة سورة الإخلاص دون غيرها في الصلاة، حتى شكاه المسلمون عند النبي. الآن أفهم السبب ولو على نحو الاحتمال، ذلك من خلال حالتي الحالية [وقت التزامي بلوازم المذهب الظني] في صلاتي على وفق المذهب الظني. لماذا؟ لأن المذهب الظني الذي ربما كان عليّ في مرحلة من حياته منتسبا إليه ولو بدرجة ما، وفي الوعي الباطني [أو كان ربما سيصل إليه]، يجعل المصلي وهو بين يدي الله، مما يتطلب منه أن يكون في غاية الصدق، يرى نفسه لا يستطيع قراءة الكثير من السور التي لا تصح، إلا إذا ثبت صدق النبوة يقينا لا شائبة فيه. فمثلا سورة القدر، إذا لم يثبت كون القرآن كتابا منزلا، لا يستطيع الواقف بين يدي ربه أن يقر صادقا في قناعته بأن القرآن منزل من الله، أو أن يعلن موقنا إيمانه بوجود ثمة ليلة سماها الله - كما يزعم القرآن - ليلة القدر. وهكذا بالنسبة للسور التي تصف من القيامة والثواب والعذاب ما هو ممكن عقلا [مع تحفظي لاحقا على (إمكان) كل ذلك اللامعقول، حيث أكثره ممتنع عقلا بكل تأكيد]، لكن في حال كون القرآن ليس كتاب الله، فهناك ممكنات أخرى، فمن أين يأتي المصلي الظني باليقين أن صور البعث والنشور والحساب والجزاء ستكون على هذه الشاكلة بتفصيلاتها التي يصورها القرآن. أو الآيات التي تتوعد من لم يؤمن بالإسلام بعذاب رهيب متناه في القسوة من غير انقطاع ولا تخفيف، لا لشيء، إلا لأن المعنيين لم يقتنعوا، وهذا خلاف العدل الإلهي، لكون عدم الاقتناع لا يكون اختياريا، كي يعاقب عليه صاحبه، إلا إذا أُوِّلت هذه الآيات إلى معنى آخر، وهذا يحتاج إلى ليٍّ تأويلي قسري وعنيف، لا ينسجم مع حكمة الله ولطفه، اللذين يوجبان وضوح البيان بألفاظ مُحكَمة لا تشابُه فيها ولا اشتباه، ولا تحتاج إلى تأويل يحتكره الراسخون في علوم التأويل غير المعصومين، وبالتالي غير المضمون صواب تأويلهم. لذا فعندما يقول المصلي الظني إن الله أحد، صمد، وأنه لم يلد أحدا، ولم يلده أحد، وأن ليس له كفوا أحد، فيقولها صادقا موقنا بضرورة العقل. ولا يكون حاله كذلك عندما يقول إن الله أنزل القرآن، وأن هناك ليلة سماها الله بليلة القدر، وخصها بإنزال قرآنه.
أصول المذهب العقلي-التأويلي-الظني
أصول [أو أساسيات أو ركائز] الدين، أي دين عموما، غالبا ما تدور حول الأسئلة الثلاث:
المصطلح المحايد: وجود الخالق وصفاته. المصطلح الديني: التوحيد، اللاهوت.
المصطلح المحايد: وجود رسل وأنبياء مبعوثين من الله. المصطلح الديني: النبوة، الرسالة.
المصطلح المحايد: وجود حياة ما بعد هذه الحياة وجزاء. المصطلح الديني: المعاد، الآخرة.
قد تختلف المسميات من دين إلى آخر، ومن مذهب إلى آخر أو كنيسة إلى أخرى. وبعض الأديان أو المذاهب قد تخلط بين الأصول وأركان الأحكام، كإضافة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند المعتزلة إلى الأصول، وقد يتناول دين ما قضية يعتبرها أصلا أساسيا لعقيدته، كعقيدة الثالوث التي هي بالنتيجة من مباحث التوحيد، أو لنقل من مباحث أصل (وجود الله)، كما إن أصل العدل عند الشيعة، إنما هو من مباحث التوحيد، والإمامة فهي من مباحث النبوة. وفيما تعتمده هذه النظرية من مذهب، أي طريقة فهم للدين، أو لنقل فلسفة للدين، أسمته المذهب العقلي-التأويلي-الظني، لا يبتعد عن هذا المنهج، ولكنه يتبنى اعتماد ترتيب آخر، هو أقرب إلى التسلسل في خطوات البحث والاستدلال، فيبدأ بوجود الله، والذي من لوازمه الكمال، والذي من لوازمه التوحيد، والذي من لوازمه العدل، ثم ينتقل إلى المعاد (الحياة الأخرى) المقترن بالجزاء الذي هو من لوازم العدل، ولحد هنا يكون البحث في الضرورات العقلية، ثم ينتقل إلى ممكن عقلي، لأنه يمثل أصلا أساسيا لدى كل الأديان الإبراهيمية، ألا هو أصل النبوة، وكل ما يرتبط به ويتفرع عنه، من عصمة، وبنوة لله، وصعود إلى السماء، وشفاعة، وختم، وإمامة، ومهدوية، وغيبة، وانتظار، وظهور، وتخليص على يد مخلص.
وكمدرسة لها خصوصيتها يعتمد المذهب العقلي-التأويلي-الظني على نحو اليقين أصلين أساسيين من أصول الإيمان، وعندما نقول على نحو اليقين، فلأن الأصلين المعتمدين من الواجبات العقلية بحسب رؤية المذهب [حتى لو لم يتأتَّ لكل واحد حصول اليقين]، أما الأصل الثالث فيعتمد المذهب من الناحية العقلية المحضة، وبقطع النظر عن عقيدة كل إنسان على انفراد، الحياد، ويرجح الإيمان الظني، بالأصل الثالث الممكن، راجحا كان ثبوته عند البعض، أو راجحا عند البعض الآخر انتفاؤه.
ويمكن تلخيص أصول العقائد العقلية والمحايدة دينيا كالآتي:
1. وجود الله: (توحيده وتنزيهه).
2. وجود الحياة الأخرى والجزاء: (تحقق العدل الإلهي).
3. مسؤولية الإنسان: (إنسانيته).
وجود الله
ويتفرع عنه بحث وجوب وجوده كعلة أولى مستغنية عن العلل، ويتفرع عن ذلك ومن لوازمه:
- التفرد أو الواحدية: واحد، لا ثاني له.
- الوحدة أو التوحد: متوحد، لا جزء له.
- الأزلية: ليس بحادث، بل قديم، أي أزلي.
- الأبدية: ليس بزائل، بل أبدي.
- الكمال المطلق: التنزه عن كل نقص.
- العدل المطلق: كلازم من لوازم الكمال.
- الرحمة: كلازم من لوازم العدل.
الحياة الأخرى والجزاء
باعتبار الجزاء من لوازم العدل، وكونه لم يحصل في هذه الحياة، يكون من لوازمه وجود حياة أخرى، يتحقق فيها الجزاء ثوابا وتعويضا وعقابا وإحقاقا لكل الحقوق الضائعة في هذه الحياة، بقطع النظر عما إذا كان ذلك عن طريق البعث أو ما يسمى بالمعاد، وما إذا كانت قيامة كل إنسان مباشرة بعد موته مفردا، أو كانت هناك قيامة جماعية لكل البشر، أو لكل أمة من الناس، وبقطع النظر عما إذا كان البعث والحياة الثانية للروح، أو للروح والجسد، بجسد مشابه للجسد في هذه الحياة، أم بجسد من طبيعة أخرى، وحياة من طبيعة أخرى، وما إذا كان الانتقال إلى الحياة الأخرى في لحظة خروج الروح من الجسد مباشرة، أو بوجود فاصل قصير الأمد أو طويله، وما إذا كان الجزاء ثوابا أو عقابا روحيا أو روحيا وجسديا، وبأي صورة، فهذا كله مما يقف العقل موقف الحياد منه، ويكتفي بأن يقرر أن الجزاء من لوازم العدل الإلهي، وأن موازين العدل الإلهي في غاية الدقة، وأن رحمته أوسع من تصور الإنسان.
مسؤولية الإنسان
بضرورة العقل، ولكون الإنسان عاقلا حر الإرادة، فهو مسؤول أمام ضميره، وأمام الله بحكم العقل، وبمقدار ما يملك من رشد عقلي، وحرية في الإرادة من جميع جوانبها. والمسؤولية هي مسؤوليته عن تحقيق وتجسيد وتنمية إنسانيته، عن مقدار عطائه لنفسه وللآخرين وللحياة مما هو في وسعه. وتنحصر مسؤوليته أمام الله في الدائرة الاختيارية، وفي سلوكه الذي يتقوم بحقيقة دوافعه، وليس بمقدار ما يحمل من قناعات، لا اختيار له في تكونها.
يتبع في الحلقة القادمة وهي الأخيرة من مبحث المذهب الظني.