استعادة حلب...انتصار بطعم الهزيمة!

عبدالخالق حسين
2016 / 12 / 15

وأخيراً أنتصر الشعب السوري، وحلفائه على أعداء الإنسانية من أتباع القاعدة ولقيطاتها (جبهة النصرة وداعش، وغيرهما)، من الذين اختطفوا انتفاضة الشعب قبل 4 سنوات، ووجهوها إلى غاياتهم الطائفية اللئيمة، وبتمويل وتسليح السعودية وقطر وتركيا، لتدمير سوريا والعراق، تحت يافطة نشر الديمقراطية!

وكعراقي، لم أتعاطف مع بشار الأسد الذي وقع في الفخ السعودي، فكان قد جعل من بلاده ساحة لتجميع وتدريب الإرهابيين، وإرسالهم للعراق لقتل شعبه، وضرب مؤسساته الاقتصادية وبناه التحتية، بغية وأد الديمقراطية الوليدة فيه، إلى أن انقلب رعاة الإرهاب السعوديون وحلفاءهم على حليفهم الأسد، ودمروا بلاده شر تدمير وبدوافع طائفية واقتصادية وسياسية.

وهذا درس لجميع الحكومات في العالم، أن من يعتمد الإرهاب وسيلة لتحقيق أغراضه السياسية، فلا بد وأن يقع في الفخ، وينقلب عليه الوحش الإرهابي. وها هو رجب طيب إردوغان الذي ساهم في إشعال الحرائق في العراق وسوريا، صارت بلاده ساحة لهذه الحرائق.

لقد أكدنا مراراً وتكراراً، أنه لا يمكن إقامة نظام ديمقراطي عن طريق الإرهاب الإسلامي الطائفي، إذ كما علق أحد المثقفين السوريين في حوار مع البي بي سي، أن الديمقراطية لا تأتي من المساجد، بل تأتي بداية من احتجاجات الطلبة في الجامعات والمعاهد. وأضيف، أن الديمقراطية لا يمكن أن تأتي من أنظمة ملكية مطلقة تمارس الحكم وفق مفهوم الحق الإلهي مثل السعودية وقطر، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
والمؤسف أن الحكومات الغربية بما فيها بريطانيا وأمريكا، ووسائل إعلامهم اتخذوا موقفاً معادياً للحكومة السورية، ومتعاطفاً مع من يسمونهم بـ"المعارضة المعتدلة"، وراحوا يشوهون سمعة القوات الحكومية السورية، بأنها ترتكب الفظائع ضد المدنيين، في الوقت الذي تغض النظر على الفظائع التي ترتكبها "المعارضة المعتدلة" على حد تعبيرهم. وفي الأيام الأخيرة توقفوا حتى عن ذكر اسماء التنظيمات الإرهابية مثل داعش وجبهة النصرة وأحرار الشام وغيرها. في الحقيقة لا يمكن للمعارضة المعتدلة أن تكون مسلحة وترتكب الفظائع ضد المدنيين. فيعتبرون انتصار الجيش السوري في حلب على الإرهابيين هو سقوط حلب وليس استعادتها من الإرهابيين.

وفي خصوص التلاعب بالألفاظ لتضليل الرأي العام العالمي، ينتقد روبرت فسك في صحيفة الاندبندنت الحكومات الغربية والإعلامها، قائلاً: (ومن المفيد جدا أن ننظر إلى تقاريرنا من هذه الأحداث المتوازية [يقصد أحداث حلب وتدمر]. تقريبا كل عنوان اليوم يتحدث عن "سقوط" حلب بيد الجيش السوري – بينما الحقيقة أن الجيش "استعاد" المدينة من "المتمردين" – والعكس ما يستخدمه الإعلام الغربي في حالة انتصار داعش بإعادة احتلال تدمر، فاستخدموا عبارة "استعادة" تدمر. إذ كان علينا بالتأكيد أن نعلن أن المدينة الرومانية قد "سقطت"مرة أخرى تحت حكم الإرهابيين البشع.(1)

ليفهم العالم أجمع، أن الحرب في سوريا هي ليست من أجل الديمقراطية، ولا نظام بشار الأسد طائفي، لأن معظم وزرائه ومسؤليه وقيادة الجيش هم من السنة، بل هي حرب بالوكالة بين أمريكا وحليفاتها في المنطقة (السعودية وقطر وتركيا) من جهة، وروسيا وإيران وحزب الله من جهة أخرى. وقد أثاروا الصراعات الطائفية لهذا الغرض في المنطقة، وشكلوا لها قوات عسكرية من منظمات إرهابية حقنوها بالعقيدة الوهابية التكفيرية من أجل النفوذ السياسي والسيطرة على ثروات البلاد الهائلة من النفط والغاز.

نعم، حققت الحكومة السورية، وبمساعدة حلفائها الروس والإيرانيين وحزب الله، النصر المؤزر على الإرهاب المتوحش، ولكنه نصر بطعم الهزيمة. فالحكومات المجرمة التي رعت الإرهاب في سوريا والعراق وليبيا واليمن وغيرها، قد حققت أغراضها الدنيئة حتى مع هزيمتها. فهذه المدن السورية (ومدن المناطق السنية في العراق)، التي احتلها الإرهابيون، عبارة عن خرائب وأنقاض، تحتاج إلى ترليونات من الدولارات وعشرات السنين لإعادة إعمارها. أما الخراب البشري الذي خلفته هذه الحروب، فتحتاج إلى عدة أجيال للتخلص منه. إذ يفيد علم النفس أن السنوات الخمس الأولى من عمر الإنسان هي التي تقرر شخصيته. فماذا حصل لهؤلاء الذين ولدوا في سوريا خلال السنوات الخمس الأخيرة، وفي العراق خلال الخمسة عقود الماضية، وما يليها من سنوات عجاف، حيث تعرضت لهذه الهزات العنيفة من حروب وقتل ودمار شامل؟

فلو كانت هناك عدالة إنسانية حقيقية، والحضارة البشرية قد بلغت مرحلة متطورة، لوجب تقديم تلك الحكومات التي رعت المنظمات الإرهابية مثل (السعودية وقطر وتركيا) إلى المحاكم الدولية، ومحاسبتها على جرائمها ضد الإنسانية، وتحميلها تعويضات الحروب، ودفع نفقات إعادة إعمار المدن التي تم تدميرها. والجدير بالذكر أن هذه الحكومات تسمي هذه المنظمات في العراق وسوريا بالمقاومة الوطنية الشريفة، بينما إذا ما ارتكبت أي منها عملاً إرهابياً في بلدانها، تسميها بالإرهاب.

كفى إزدواجية ونفاقاً أيها المجرمون. لقد طلعت شمس الحقيقة وكشفتكم على حقيقتكم القبيحة الكالحة. فهاهم حلفاؤكم الغربيون بدأوا يفضحونكم، وما تصريحات وزير خارجية بريطانيا، بورس جونسن، ألأخيرة عن دور السعودية في إثارة الطائفية وإشعال حروب الوكالة في المنطقة، إلا الجزء اليسير من هذه الفضائح. لا بل راحت الصحف الغربية تبشر بقرب سقوط آل سعود الحاكمة، وتطالب العالم بالاستعداد لهذا السقوط المنتظر كما حصل لشاه إيران من قبل.(2)

والمؤسف أن دولة كبرى مثل بريطانيا التي تذرف دموع التماسيح على حقوق الإنسان في روسيا والصين، تقول رئيسة حكومتها السيدة تريزا مي فيما يتعلق بجرائم السعودية ضد حقوق الإنسان (أن التجاوزات على حقوق الإنسان يجب أن لا تؤثر على سياستنا التجارية، وراحت تتملق للسعودية وتعنف وزير خارجتها بورس جونسون على تصريحاته الأخيرة ضد السعودية.(3)

ولذلك نرى الحكومات الغربية الآن وقفت إلى جانب المنظمات الإرهابية في سوريا بحجة معاناة المدنيين، من أجل إبقاء علاقاتها التجارية مع السعودية وقطر وغيرهما من الدول الخليجية الغنية. لقد أكد هؤلاء أن السياسة بلا أخلاق، والمصالح الاقتصادية لها الأولوية، تدفع ثمنها الشعوب العربية الفقيرة.
لقد انتصر الشعب السوري واستعاد حلب، كما سينتصر قريباً الشعب العراقي في استعادة الموصل، ولكن في جميع الأحوال، إنه انتصار بطعم الهزيمة، لأن الإرهابيين ورعاتهم السعوديون وغيرهم قد حققوا ما أرادوا، وهو تخريب البلاد والعباد. ولكن أثبت التاريخ، أن من يزرع الشوك لا يحصد إلا الشوك، فمصير هؤلاء الأشرار لا بد وأن يكون كمصير نظيرهم هتلر وموسوليني وصدام حسين، في مزبلة التاريخ، تلاحقهم لعنات الشعوب.
abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
http://www.abdulkhaliqhussein.nl/
ــــــــــ
روابط ذات صلة
1- مقال روبرت فسك في الإندبندنت
Robert Fisk: There is more than one truth to tell in the awful story of Aleppo
Our political masters are in league with the Syrian rebels, and for the same reason as the rebels kidnap their victims – money
http://www.independent.co.uk/voices/aleppo-falls-to-syrian-regime-bashar-al-assad-rebels-uk-government-more-than-one-story-robert-fisk-a7471576.html

2- الغارديان: المال السعودي أوشك على النفاد .. وانتظروا سقوط العرش قريبا
http://www.alalam.ir/news/1896180

3- Theresa May says human rights abuses shouldn t affect trade policy
http://www.independent.co.uk/news/uk/home-news/theresa-may-brexit-trade-gulf-states-saudi-arabia-human-rights-abuses-policy-a7455441.html