الصّحوة الإسلاميّة: السّلطة والطائفيّة

شاكر الناصري
2016 / 12 / 14

طالبت وزارة العدل في الأرجنتين، السّلطات العراقيّة بإعتقال " علي أكبر ولايتي" وزير الخارجيّة الأسبق، والمستشار الحالي لمرشد الثورة الإسلاميّة في إيران علي خامنئي، وتسليمه من أجل محاكمته على خلفيّة إتهامه بتفجير مركز يهوديّ في العاصمة الأرجنتينيّة، بوينس آيرس في عام 1994 وأسفرعن 85 قتيلاً وأكثر من 300 جريح.

مطالبة الأرجنتين بإعتقال " علي أكبر ولايتي" جاءت أثناء مشاركته في أعمال مؤتمر المجلس الأعلى للصّحوة الإسلاميّة الذي عقد في بغداد يوم 22 تشرين الأول الماضي، وحيث يشغل " ولايتي" منصب الأمين العام فيه!!

ربّما، تكون هذه البداية صادمة عند الحديث عن قضية " الصّحوة الإسلاميّة "، لكنّها تكشف حقيقة المؤتمرات التي تُعقد، والقوى والشخصيّات التي تقف خلفها، وتروّج للصّحوة منذ سنوات بعيدة. وكذلك معرفة الأهداف، السّياسيّة، والإعلاميّة، والطائفيّة التي يتم تعقّبها من خلال هذه المؤتمرات.
ما الذي يدفع قوى الإسلام السّياسيّ، والمؤسّسات الدّينيّة لعقد مؤتمرات الصّحوة الإسلاميّة، وأن تتحوّل بعض العواصم إلى مراكز، ومنطلق للصّحوة وإحياء الإسلام وإعادة نشره عبر مجموعة أنشطة وفعاليّات، وكذلك عبر دعم تنظيمات ومجاميع إرهابيّة أخذت على عاتقها وبقوة السّلاح، والعنف المفرط، والإرهاب وقطع الرؤوس والتمثيل بالجثث إعادة نشر الإسلام في بلاد يشكل المسلمون الغالبيّة العظمى من سكانها، أوالوصول إلى دول الغرب حيث تحوّل الإسلام إلى عامل ذعر، وتشكيك، وقلق متواصل من تزايد المخاطر والتّهديدات الأمنيّة التي تهدّد تلك البلدان، وضربت العديد من عواصمها ومدنها. الجماعات الإسلاميّة في أوربا وأستراليا وفي كل مكان تواجدت فيه فإنّها، ومن منطلق الصّحوة، تطالب بتطبيق الشريعة الإسلاميّة ومحاربة الديمقراطيّة عبرالدّعوة لمقاطعة الإنتخابات وتشويه القيم الثقافيّة والإجتماعيّة التي تتميّز بها هذه الدّول، والعمل على إعادة بعث دولة الخلافة!!.

عربيًا، من يتتبع خطاب الصّحوة الإسلاميّة، منذ عقود وحتى الآن سيجد أنّها جاءت للرّد على حالة الإحباط التي تفشت في العالم العربيّ نتيجة الاستعمار الطويل، وفشل مشاريع القوميّة العربيّة التي تجسّدت في مجموعة أنظمة حكم إستبداديّة، ودكتاتوريّة مخيفة، وكذلك نتيجة تخبّط القوى اليساريّة، والشيوعيّة وعجزها عن تقديم بديل سياسيّ، واجتماعيّ تحرريّ يرتقي لمستوى التطلعات والآمال الكبرى بالتحرّر، والتقدّم، والحداثة ..إلخ، ممّا سهل عليها تصدير مشروعها الذي يستند إلى القرآن، والسّنة، وتطبيق الشريعة الإسلاميّة بكلّ ما تحمله من تناقضات مع العالم الذي نعيش فيه، تناقضات مع قضايا الحقوق، والحريّات الفرديّة، ومكانة المرأة وكذلك النظرة المتعاليّة التي يتم تداولها في أدبيّات الإسلام السّياسيّ وخطابهم لأتباع الدّيانات والطوائف الأخرى.

أصبح إحياء الإنقسام الطائفيّ، سنة وشيعة، والسّعي لتصعيد حدّة الخلافات بين الطائفتين، الشغل الشاغل لتلك القوى، والمؤسّسات وحجر الأساس لمشروعها المتمثل بتحقيق سلطة سياسيّة بلون طائفيّ واحد في الدول التي يتواجدون فيها. فيصبح الحديث عن إعادة، أو إحياء دولة الخلافة، أو إقامة دولة دينيّة يحكمها رجال الدّين: دولة الوليّ الفقيه، وأن يكون الإسلام هو الحاكم، هو الخطاب العقائديّ، والطائفيّ الذي تنتجه لإشغال النّاس وتحييد القسم الأكبر منهم، وربطهم بمشروع السّلطة والدّفاع عنها تحت مبرّرات كثيرة على الرّغم من تتناقض هذه المشاريع مع سعي الإنسان المعاصر للعيش بحريّة، ودون إكراه أو إذلال دينيّ، وعقائديّ يجرّده من كرامته وإرادته!

حين يتحدّث أتباع مؤتمرات الصّحوة الإسلاميّة عن مشاريعهم، فإنّهم يتحدّثون عن التهديدات المتواصلة ضد الإسلام والمسلمين وسعي الغرب الكافر، ومن لايؤمنون بالمشروع الإسلاميّ، لسحقهم، ومحاربتهم، أينما كانوا، من أجل وقف صحوتهم، وعلى حد قول نوري المالكي، زعيم حزب الدّعوة الإسلاميّة في العراق: " ردة الفعل القاسية على الإسلام والمسلمين كون الصحوة الإسلامية قد تحققت ولم تكن هذه الردة على لا شي، واننا نحارب لأننا حققنا الصحوة الإسلامية وانتصرنا بها. نحارب لأنّنا قد أطلقنا الصّحوة الإسلاميّة. فمنذ انتصار الثورة الإسلاميّة أصبحت لدينا دولة ودوّل وأحزاب وحركات ومؤسّسات وحوزات إسلاميّة منتشرة في كل العالم تدعو إلى الوعي وإلى الصّحوة وإلى عرض الإسلام الحقيقي بصورته النقيّة الطاهرة، تقابلها الصورة المشوّهة التي نشرها أعداء الإسلام. يقاتلوننا لأنّنا أصبحنا بصحوة تتقدّم في كلّ يوم خطوة على طريق تحقيق طموحاتنا الإسلاميّة ليكون الإسلام الحاكم لهذه الأمّة التي تنتمي إليه*.

إنّ مراجعة بسيطة لممارسات الأنظمة التي تحكم بأسم الإسلام وتطبق شرائعه، وترعى أو تشارك في مؤتمرات الصّحوة الإسلاميّة، السّعودية، وإيران، وباكستان، وماليزيا، أو حزب الله، المليشيات الشيعيّة في العراق، التنظيمات الإرهابيّة المتعدّدة من القاعدة وتفرعاتها وصولاً إلى داعش، ستجعلنا في مواجهة الكم المرعب من الإنتهاكات والقمع والإكراه ضدّ من يخضعون لسلطة تلك الدّول أو المليشيات والجماعات الإرهابيّة. إنّها تكشف عن النّموذج المخيف لسلطة الإسلام، وعن الوجه الحقيقي لتلك القوى التي تستحضر كلّ الموروث الدّينيّ، والنّصوص والسّير، وتعزيزالتطرف الدّينيّ والطائفيّ، والإنعزال الاجتماعيّ ومحاربة التمدّن والفن والثقافة، والعمل الدّؤوب على أسلمة المجتمع وإخضاعه.

الصّحوة الإسلاميّة التي يتحدّثون عنها هي من أجل فرض هيمنة الدّين، مرّة أخرى، على الإنسان. وأن يكون أداة فاعلة في الوصول إلى السّلطة ولتكثيف الصّراعات السّياسيّة، والطائفيّة بين أقطاب ومراكز القوى في العالم الإسلاميّ وتعزيزها والاعتراف الجديّ بالإنقسام والإستعداد لشن الحروب والمتاجرة بالأوهام الطائفيّة أوالخروج على الدّين الصّحيح!

وحين نعود لمراجعة أدوار قوى الإسلام السياسيّ، وكلّها، من دعاة الصّحوة، في حراك الرّبيع العربي، سنجد أنّ هذه القوى لم تك فاعلة أصلا في ذلك الحراك، لكنّها ركبت موجة الإنتفاضات، والتحرّكات الجماهيريّة الهائلة ضدّ أنظمة الحكم الفاسدة، حتّى تلمست إمكانيّة التغيير المرتقب وسقوط الأنظمة القائمة وتمكنت بالتالي من تحقيق إختراقات كبيرة حوّلتها إلى قوى أساسيّة في الصّراع على السّلطة، وفي تحديد شكل وطبيعة النّظام السّياسيّ في هذا البلد أو ذاك وإن كلّ مشاريعها للدّستور وطبيعة نظام الحكم لم تخرج عن أجندتها ومشروعها الأصيل: أن يكون الإسلام هو الحاكم لهذه الأمّة!.

* من خطاب نوري المالكي، زعيم حزب الدّعوة الإسلامية، رئيس مجلس الوزراء السّابق في العراق، في مؤتمر المجلس الأعلى للصّحوة الإسلاميّة الذي عقد في بغداد يوم 22 تشرين أوّل 2016. النّص كما ورد في الخطاب.