العلمانية في العراق .. قضية وجود أم قضية تحضر

جعفر المظفر
2016 / 12 / 14

العلمانية في العراق .. قضية وجود أم قضية تحضر
جعفر المظفر
إن الحاجة إلى تفعيل القضية الطائفية, بفعل ثنائية المذهب كما هو الأمر في العراق في ظل وجود حركات الدين السياسي, من شأنها أن تؤدي إلى خلق مساحة هائلة من الفرقة والتمزق والتجهيل والإستغلال وتقديم العمل المذهبي على العمل الوطني ووضع الثاني في خدمة الأول والبقاء في مساحة الصراع على السلطة وغياب الإقتدار والرغبة لمغادرة هذه المساحة إلى مساحة بناء الدولة, وسيؤدي ذلك أيضا إلى وضع ما تبقى من الدولة القديمة على مائدة النهب والتهديم وإعتبارها غنيمة حرب بين طرفي الصراع, كما ويضع كل ما قد يتم على مستوى بناء الدولة الجديدة, اي دولة الإسلام السياسي المذهبي, في خدمة السلطة وليس العكس مطلقا ..
إن السؤال الذي إستهلك من وقتنا الكثير, والذي لا يزال يثير علامات الإستغراب والتعجب هو ذلك يتطرق إلى صعوبة فهم ناتج ممارسة السياسيين الشيعة في العراق الذين يتصدون الآن فعليا لقيادة النظام السياسي الحالي حينما تجري مقارنته مع قرينه الإيراني.
إن ذلك لا يعني ان نظام الإسلام السياسي الإيراني هو نظام نهضوي وديمقراطي وإنساني وخالي من ثغرات وفجوات إنسانية حقيقية ومالك لأفكار وآليات التقدم بمستويات مقنعة, لكننا نتكلم هنا عن مقارنة الأساسيات بين النظامين, العراقي والإيراني,, وخاصة على صعيد علاقة النظام السياسي مع قضية بناء الدولة من جهة والوطن من جهة ثانية, إضافة إلى أمور مهمة أخرى مثل القدرة على مغادرة مساحة بناء السلطة إلى مساحة بناء الدولة, ومنها ايضا إمكانية توفر قدرات بناء الوطن ذا السيادة على أراضيه وصاحب الإرادة الحرة والقرار المستقل.
في إيران الأمر يختلف تماما عن ما هو في العراق. أحادية المذهب نسبيا في إيران وحسمه على صعيد السلطة لصالح الطائفة الشيعية منذ تأسيس الدولة الصفوية التي انجزت تحويل عامة الناس هناك إلى المذهب الشيعي ألغى من جانبه الحاجة إلى تفعيل القضية الطائفية لحسم موضوعة عائدية السلطة وساعد نظامها (الديني) على تجاوز مساحة الصراع على السلطة والإنتقال إلى مساحة بناء الدولة. هنا لا وجود لثقافة طائفية داخلية موروثة ومٌفَعَّلة أو بإنتظار التسخين وذلك بسبب غياب ثقل الضد المذهبي النوعي أو لتضاؤل نفوذه وتأثيره, فالثقافة الطائفية في إيران ميالة للهدوء ومستعدة للتهدئة, لا بل أن وجودها بشكل هادئ وناعم داخليا يشتغل في خدمة السلطة ويمكنها من مغادرة مساحة بناء السلطة أولا إلى مساحة بناء الدولة وجعل الأولى في خدمة الثانية.
في العراق الوضع يختلف بشكل كبير وحتى جوهري بفعل ثنائية الطائفة وصراع الجيران ودخول الإسلام السياسي على الخط. كما أن الوصول إلى شخيص شامل ودقيق لأصل المشكلة لا بد وأن يمر أيضا من خلال التوقف أمام المشهد السياسي الشيعي من داخله ومتابعة شكل ومحطات تشكيل هذا المشهد الذي يحمل كل مقومات الإنفجار من داخله في حالة غياب الضد الطائفي السني, أو تراجع أخطاره أو تحدياته.
إن التوقف أمام هذه الموضوعة يتطلب إهتماما أكبر ودرسات أكثر, غير أن العناوين والأفكارهنا, على بساطتها وعموميتها, قد تكفي لبناء تصورات أساسية عن اصل المشكلة, وبما تنشأ عليه من أسباب وما تؤدي إليه من مخاطر.
وإن من أهم ما سنتوصل إليه هو التالي : يوم تكون العلمانية في إيران مطلوبة لأغراض التقدم والتحضرفإنها في العراق مطلوبة كشرط لبقائه, وبدونها لا يمكن الإنتقال من مساحة بناء السلطة إلى مساحة بناء الدولة.
في إيران (الدولة والوطن) ليسا مٌهددين بوجود الإسلام السياسي. إن قضايا الحرية والتقدم واللحاق بالعالم المتحضر والسلام مع الجيران هي المشاهد المهددة.
وبينما تصير العلمانية في إيران مطلوبة لإغراض التقدم والتحضر المجتمعي وأيضا لأغراض إشاعة فرص أفضل للسلم الإقليمي, فإن العلمانية في العراق ليست حاجة تقدم وتحضر فقط وإنما هي حاجة لبناء دولة وبقاء وطن وأساس لدوام السلم المجتمعي الداخلي.
بل لعل مقارنة الحاجة إلى العلمانية في العراق, الدولة والوطن والشعب, مع حاجة أوروبا إليها في عصر الصراع مع الفكر الكنيسي يؤكد على أن الحاجة إليها عراقيا هي اشد عن ما كانت عليه في اوروبا وقتها