هل سيلاحق الشعب نوري المالكي كما لاحق صدام حسين؟1-2

كاظم حبيب
2016 / 12 / 14


ابتلي الشعب العراقي على امتداد تاريخه الطويل بالكثير من المستبدين الأوباش الذين أذاقوا الناس الذل والموت والخراب والحرمان. كان المستبدون أمناء للنظم السياسية والاجتماعية الاستغلالية والاستبدادية الظالمة التي أنجبتهم وجعلت منهم سيوفاً قاطعة لرقاب أبناء وبنات المجتمع ممن لهم القدرة والجرأة على التفكير المستقل ورفض الاستبداد وإرهاب السلطة ومقارعتها بشتى السبل المتوفرة. وتميز كل المستبدين بالوقاحة والصلافة وعدم الحياء من أفعالهم ولم يتورعوا عن إقحام الشعب بحروب مهلكة للمجتمع واقتصاد البلاد وكرامة الناس وعيشهم.

كان صدام حسين أبرز وأشرس الحكام المستبدين الذين عرفهم العراق منذ عقود بل وقرون، إذ لم يكتف بضرب معارضيه وقتلهم أو زجهم في السجون لسنوات طويلة وتعريضهم لأبشع أشكال التعذيب النفسي والجسدي حسب، بل وزج الشعب العراقي بعدة حروب متتالية دمرت البلاد وأتت على الأخضر واليابس فيها، وحول العراق إلى سجن كبير. وكان الشعب ضعيفاً ومنهكاً أمام جبروت النظام وأجهزته البوليسية وأدواتها التدميرية، كما كانت القوى المعارضة للنظام قد تلقت ضربات موجعة عجزت معها عن إسقاطه، فاستنجد أغلبها بالولايات المتحدة لإنقاذه من نظام صدام حسين، وكانت في ذلك مثل "المستجير من الرمضاء بالنار"!! إذ لم يكن هدف الولايات المتحدة إسقاط الدكتاتورية والخلاص من الدكتاتور الأهوج بالأساس، بل بأمل تدمير العراق اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وثقافياً وبيئياً، وتسليط نظام سياسي طائفي مستبد ما زال يجثم على صدر الشعب العراقي ليزيد من تدمير بنية المجتمع الطبقية وتشطير نسيجه الوطني وتزييف إرادته وتشويه وعيه الاجتماعي والديني. وهو ما تحقق لها فعلاً.

والنظام السياسي الطائفي الجديد، الذي يعتمد المحاصصة الطائفية والإيديولوجية الدينية المشوهة والواحدة، أنجب الوليد المشوه، المستبد بأمره الأكثر تشدداً في أيديولوجيته الطائفية المتطرفة والأكثر حقداً على الآخر، وهو الأكثر عشقاً للسلطة والمال والنفوذ والأكثر دوساً لكرامة الإنسان العراقي.

لقد انجب النظام الطائفي المحاصصي الجديد أو رعا، مستفيداً من تركة النظام البعثي الشوفيني والدكتاتوري الذي سبقه، مجموعة من الأحزاب السياسية الدينية المتسمة بالرثاثة الإيديولوجية والتطرف والكراهية وتنشيط الأحقاد بين الناس, ومجموعة من السياسيين الذين لا هم لهم سوى ملء الجيوب بالمال الحرام واقتناء القصور في الخارج وعلى حساب جوع وحرمان الملايين من البشر العراقي ومن مختلف القوميات والديانات والمذاهب والاتجاهات الفكرية.

لقد ابتلي العراق بدكتاتور صغير يعاني من نرجسية مرضية، عاشق لذاته وكاره للآخر، جيء به في غياب الوعي الإنساني وضعف القوى الديمقراطية، وحصول تحالف مصلحي بين الإدارة الأمريكية والإدارة الإيرانية، وتهليل صارخ من المرجعية الشيعية، وفي ظل تنافس أهوج بين الأحزاب الشيعية والسنية على السلطة والمال والنفوذ، ليمارس الحكم والاستبداد الجامح بالأساليب الهمجية للإقطاعيين في تعاملهم مع الفلاحين الأقنان مستفيداً من الردة الفكرية والاجتماعية التي برزت بقوة في عهد الدكتاتور صدام حسين وتفاقمت في عهد هيمنة بأول بريمر ونوري المالكي على حكم البلاد، وكلاهما كان مستبداً بأمره أو أمر أسياده.

لقد نفذ هذا الدكتاتور الأرعن أجندة التحالف الذي نصّبه في السلطة وأعاد تنصيبه لدورة ثانية، والتي أدّت إلى:

** تمزيق وحدة الشعب قومياً ودينياً وطائفياً وفكرياً وسياسياً، وإشعاله حرباً طائفية طاحنة تجلت في النهج العدواني واللصوصي للمليشيات والمنظمات الطائفية الإرهابية المسلحة، وفي التفجيرات الانتحارية والقتل على الهوية والاغتيالات والاختطافات التي راح ضحيتها مئات الألوف من الناس الأبرياء.

** التهميش والإقصاء لأتباع القوميات والديانات والمذاهب الأخرى وتعريض نسبة عالية جداً من أبناء وبنات العراق من مندائيين ومسيحيين وإيزيديين، وسنة وشيعة إلى الموت أو الهجرة والتشرد.

** تجويع الشعب نتيجة غياب السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية، وسيادة الإجراءات الاقتصادية الرثة والموجعة للاقتصاد والمجتمع، والمتعارضة مع حركة وفعل القوانين الاقتصادية الموضوعية، فارتفعت نسبة البطالة والفقراء والمعدمين إلى مستويات عالية جداً، يتجنب ذكرها النظام!

** إشاعة سياسات "اكذبوا ثم اكذبوا ثم اكذبوا، لعل بعض افتراءاتكم تعلق بأذهان الناس"، هكذا تعامل المستبد بأمره مع القوى الديمقراطية والمدنية التي تظاهرت في العام 2011 وكذلك مع مطالب أهل الفلوجة والأنبار وصلاح الدين والموصل، مما أدى إلى المزيد من موت وخراب الناس، وإلى انتعاش قوى الإرهاب والتكفير وسيطرتها على مناطق واسعة من محافظات غرب العراق.

** وكانت الطامة الكبرى في سياسة هذا المستبد بأمره في تكريس نظامه الطائفي، "أخذناها بعد ما ننطيه، والفساد في القوات المسلحة العراقية، كما وضع أعداداً كبيرة منها في الموصل، التي قادت إلى تسليم الموصل لعصابات هجينة وهمجية، عصابات داعش، بقيادة أزلام النظام السابق، ولاسيما من جهاز المخابرات وفدائيي صدام حسين. عندها حصلت أكبر كارثة في حياة الشعب العراقي منذ الحرب العالمية الأولى حتى الآن، حين تم اجتياح الموصل واستباحة أهلها ومناطق واسعة جداً من نينوى من قبل عصابات داعش المسلحة، وتعرض مئات ألوف البشر إلى عمليات قتل وتشريد وسبي واغتصاب وبيع في سوق النخاسة لأخواتنا النساء الإيزيديات، وسبي المئات من الصبيان ايضاً. لقد تسبب في وقوع إبادة جماعية بحق شعبنا من ديانات ومذاهب أخرى بالموصل وعموم نينوى. لقد أراد المستبد بأمره، كما يبدو، أن يلقن السنة والكرد درساً حين يترك داعش تغزو المنطقة، ثم يبدأ بتحريرها ليصبح البطل والمنقذ من جهة، ثم يفرض سياساته وأجندته على السنة والكرد بالقوة من جهة ثانية. وكان ما كان وما هو جاري حتى الآن!!

** ثم كانت جريمة سبايكر التي راح ضحيتها أكثر من 1700 مجند عراقي كلهم، كما يبدو، من أبناء الشيعة الذي كانوا يتدربون في ذلك المعسكر، ولم يكن بينهم شبيبة سنية أو مسيحية أو إيزيدية، لإن المستبد بأمره كان يريدهم جميعاً من الشيعة، وكانت الكارثة على الشيعة في سبايكر.