أليس قتلاً لمعاني الإله؟!

سامي عبد العال
2016 / 12 / 13

تفجير أدمغتنا- معرفياً وفكرياً- هو النتيجة الحاصلة من القتل باسم الدين. لأننا لو بحثنا عن أية عناوين مقبولة لن نجد غير الدماء تجر الدماء. معاني الإله هي ما تُقتل بالدرجة الأولى مع الأعمال الارهابية. لم يعُد ليجدي منطق ولا حوار إزاء الموت المجاني ونصوصه الدينية. فعلى خلفية قتل الإنسان مسيحياً كان أم غيره، هل هناك دين يصنع أتباعُه عقائدهم كعبوات ناسفة؟! هل الدين يأمر بإبادة مخالفيه لمجرد المخالفة؟ وهل لا يصبح ديناً إلاَّ بذلك القتل المقدس؟
تلح الأسئلة مع اسالة الدماء داخل بيوت العبادة كما حدث بالكنيسة المصرية مؤخراً. حيث تناثر منْ فيها اشلاءً وقد ذهبوا بحثاً عن الإله. ففي بيوته تسلل الإرهاب الديني منتهكاً حضوره ومقتحماً ماهيته. أفظع أنواع القتل هذا الذي يمارس دمويته داخل دائرة المقدسات. لكونها رمزاً للطمأنينة إذ ترك أصحابها الخوفَ خارجاً. فإذا به يلاحقهم بقنابل التكفير في عقر دار الرب.
الموضوع ليس اثباتاً لبراءة الدين- أي دين- من عدمه. ولا تقديم نسخة منه لا غبار عليها. إنه تأكيد لعجز لا هوت الارهابيين عن الحياة. وعن فهم كيان الحياة واسع الثراء والتنوع. هؤلاء فاشلون بامتياز في اختبار الحياة المفتوحة. لو كان ثمة اختبار لصلاحيتهم لعرفنا أنهم عاطلون عن الوجود الحميم ناهيك عن التدين. كيانهم مليء بالعنف، بالكراهية العمياء إلى درجة مذهلة. وعلى ذات المنوال جاء الفقهاء ورجال الدين ليأججو غرائزهم السوداء. هم يعتبرون الحياة برمتها موتاً في سبيل المعتقد. حتى قيل "من مات ولم يغزو ولم تحدثه نفسه عن الجهاد مات ميتة الجاهلية"... وقيل إنه حديث لرسول الاسلام!!
أية "سيرة نفسية" تخرب طمأنينتها جرياً وراء الدماء؟ وكأن الحياة تقع بين فخين لا ثالث لهما: الجاهلية التي تعد كفراً بمنطق الجهاديين. والقتل في سبيل الإله الذي هو عمل مستمرً. لكن أين الحياة باتساع مضمونها. إن أكبر كوارث الخطاب الديني هو اسقاط الحياة، هذا الفضاء الأول والرحب للإنسان. لا ينفع تجديد ولا تبرير لغوي. فالحياة لا بد أن تعاش. كما أنَّها لا تعلم خارج تجاربها المتنوعة. ومن لا يلامس هذا الاختلاف في صلب أفكاره واعتقاداته لن يدرك أهميه أنه يحيا.
كل نقد من داخل الدين لإساءة استعماله في المجال العام إنما يزيد الأسئلة القلقة انتشاراً. ولا يعدو أن يكون لاهوتاً جديداً للتحريم شئنا أم أبينا. خطأ ما بعده خطأ دفع عمليات القتل بمبررات دينية كما يجري اليوم مع الاسلام السياسي. فلم يتوان الشيوخ عن تأكيد براءة الاسلام من آيات وفتاوى التكفير وانتهاك الآخر ومحاربة الأديان المغايرة. حتى بات الوضع "مخبزاً"(تنوراً) فقهياً ليس أكثر... ما بين عجين داخل يخرج جثثاً ساخنة وبين عجين خارج يضع سابقه في التراب. هذا هو حال الخطاب الديني اليوم كلام يناقض كلاماً، تكفيرا يجب تكفيراً. والاثنان لم يخرجا من دائرة الصراع ويزيدان الوضع ضراوة. ونسيناً الإنسان كموضوع روحي لكل الديانات. وأنه ما لم يكن الإنسان انساناً في المقام الأول فإن الدين غير جدير بوجوده على صعيد الحياة.
وقد سمعنا أخيراً من أكبر هيئة دينية بمصر (الأزهر) أنهم لا يستطيعون تكفير الدواعش. وتم التكرار والزيادة والإفاضة والتفريع في هذه القضية. وكأن الموضوع برمته إزاء القتل والتفجير موضوع فقهي وحسب. إن رجال الدين ما لم يفهموا حقائق المعرفة وآفاق الإنسانية وطبائع البشر لن يستطيعوا الخروج من عطالة فكرية تغرقهم في وحلها. أنكى شيء أن يُدمر الواقع بينما الناس مشغولون بمماحكات دينية. والإرهابيون يتوالدون من هذه الناحية تحديداً. فمماحكات النصوص هي التي تخفي أعمق الآراء كراهية للإنسان. لأن النصوص تزيد من الإقصاء بحكم قدرات اللغة على شحن أصحابها بالعنف بلا حد. كما أنها تكثف حالة الاحتقان بموروثاتها الأولى منذ مئات السنوات.
آن الأوانُ للقفز من كوكب الارهاب. لقد انتج كائنات مشوهة أشبه بمصاصي الدماء. لو تخيلنا الوضع على هذا النحو فإنهم يعاملون المخالفين كأنهم بكوكب القرود الجدد. لا يعرفون غير التكفير وغير التخويف وسفك الدماء. لم يفهم هؤلاء كونهم يجازفون بمصيرهم قبل مصائر الآخرين. فالقتل عمل آثم خارج كل الديانات وداخلها أيضاً. وإذا شرعته جماعة ارهابية فإنه مسار يدمر أصحابه. الفكر الارهابي حين ينتهي بالتفجير إنما ينهي نفسه في المقام الأول. وأي دين يحض عليه، أو يؤشر، أو يأمر بالعنف يعارض إنسانية الإنسان. وهي إنسانية أسبق من جميع الديانات. كل فكر يتوكأ على التفجير إنما يغتال وجوده في المقام الأول.
وقبل ذلك يعد الدين اعتقاداً شخصياً خالصاً. واعتباره أداة موت إنما ينتهك شيئاً من الإله. فالإيمان الذي يحمله يأخذ في الاحتضار. ولأن روح الإله –من زاوية الأديان- داخل الإنسان فإنَّ التعدي عليه إزهاق لتلك الروح. أيُ تفجير ارهابي هو نوع من القتل الميتافيزيقي بهذا المضمون. ليس فقط لأصحاب الديانات كما حدث للمسيحيين بمصر، لكن أي إنسان آخر معرض لهذا المصير الدموي.
إنَّ استهداف دور العبادة لا يدمر مبنى إنما يدمر كياناً انسانياً إلهياً ما. والارهابيون لا يدركون الانتهاك لجميع صور الإله. لأن دينهم السياسي يحرم جميع أشكال اللاهوت المغاير. القنبلة تقصد اجتثاث الإنسان من جذوره أيا كان دينه فكان روح الإله على نفس الموعد. هكذا يفعل الارهابيون بالإله كافة الأفاعيل الوقحة. هناك انتزاع سلطته في تكفير الناس. وحصر الدين في شعيرات الذقون ورسوم الجلباب والنقاب. ثم احتكار الحقائق تحت السنتهم الملتوية. وهو الأمر الموصوف بأنه وحي مقلوب. فرجال الدين وعناصر الجماعات الدينة عندما يتوهمون امتلاك اليقين فهم يثبتون وحياً قد اختصوا به. امتلاك كانت نتيجته دماراً وراء دمار.
لن ينتهي الإرهاب بين يوم وليلة. إنه كما يستند إلى تاريخ طويل من الدماء وأخيلة الجهاد ربما يستغرق نفس الزمن كي يتحلل. ولا بد لذلك من تيارات فكرية عارمة لنقد ومساءلة وغربلة وتنكيس هذا التاريخ الضارب بجذوره في اللاوعي الجمعي. فقد كون دولاً ومؤسسات وجامعات وأرتالاً من الجماعات والعقول العابرة للهويات. والأهم أن الاسلاميين يمارسون الإرهاب دونما الاحساس بأنه كذلك. فلم يكونوا غرباء على الثقافة العربية والاسلامية. فهي حاضنة مباشرة لهم. وهم افراز طبيعي لمشكلاتها مع الديانات والقوميات الأخرى. وهذه الظاهرة متأصلة في المعارف الاسلامية والأخلاق واللغة واللهجات. جميعها في حظيرة المسلمين والعرب تنطق بلسان داعشي واضح.