13 الحلقة الرابعة للمذهب الظني

ضياء الشكرجي
2016 / 12 / 13


هذه هي الحلقة الثالثة عشر من مختارات من مقالات كتبي الخمسة في نقد الدين، ونحن ما زلنا مع مقالات الكتاب الأول «الله من أسر الدين إلى فضاءات العقل»، وخصصت ست مقالات من العاشرة حتى الخامسة عشر لمبحث (المذهب الظني) الذي يعرض لعقلاء المتدينين الذين يراوحون بين إيمانهم بإلهية الدين وبين احتمال بشريته، راجيا الصبر عليها ممن قد لا يرى أنها تعنيه، لحين البدء بالتأسيس للاهوت التنزيه (عقيدة الإيمان العقلي اللاديني).

أحكام المذهب الظني
بشكل عام ليس هناك أحكام شرعية لهذا المذهب، إلا أحكام الأخلاق والعقل والضمير ومبادئ العقلانية ومثل الإنسانية والقوانين العادلة ومواثيق حقوق الإنسان، ومع هذا ارتُئِي ذكر أحكام المذهب الظني، على النحو الآتي:
1. الأساس هو التبعيض في ما يسمى بالتقليد، أو لنقل تعديد الاتباع المسمى بالتقليد عند الشيعة للفقهاء المستنبطين للأحكام الشرعية [وما يقابله من الانتماء المذهبي أو اتباع المفتين عند السنة]، على ضوء أصالة التبعيض، لتلازمه مع أصالة اليسر في الشريعة، ويعني رخصة تعديد المراجع والفقهاء والمذاهب والمفتين، بأخذ أي حكم من أي منهم، وعدم وجوب الالتزام بفقه مرجع أو مُفتٍ أو مذهب فقهي على وجه التحديد، كما لا اعتبار للتحري عن الأعلم منهم، كما لا فرق بين الحي والميت من الفقهاء، ولا بين الفقهاء من الرجال والفقيهات من النساء، بل المعول عليه فقاهة الفقيه أو الفقيهة من حيث المؤهلات العلمية ومن حيث امتلاك ملكة الاستنباط، إضافة إلى صفة العدل بمعناه الاجتماعي والأخلاقي، والشجاعة عن الإفصاح عما يتوصل إليه، حتى لو خالف المشهور، وكذلك الموضوعية العلمية، والتنزه قدر الإمكان عن الذات كدعوى أفضليته أو أعلميته بالنسبة لغيره أو غيرها من مظاهر الذاتية. بل للشخص المسمى في الأدبيات الدينية بالمكلَّف أن يشخص بنفسه الحكم الشرعي [وهو الأرجح والأولى]، إذا ما رأى في نفسه ملكة تشخيص ذلك، أو اطمأن بتعويله على عقله وضمير. [وفي كل الأحوال ينبغي اتباع التنويريين والتجديديين المواكبين لروح العصر، والمنسجمين مع ثقافة الحداثة.]
2. في المسائل الشخصية من عبادات وسلوك شخصي يجوز - أو لعله ينبغي - الأخذ بأيسر الفتاوى.
3. في القضايا التي فيها طرف آخر، أي فيما يتعلق بحقوق الآخرين من أفراد، ينبغي الاحتياط بالأخذ بأحوط الفتاوى، أو بأحوط الأحكام التي اعتمدها العقلاء، أي بأكثرها تجسيدا للعدل، ويتأكد هذا الاحتياط إذا كان الأمر متعلقا بحق عام، ويجوز الاستعاضة عن أحوط الفتاوى بأحوط القواعد الأخلاقية.
4. يجوز للمؤمن غير المجتهد، لكن الذي يرى في نفسه الأهلية أن يجتهد لا في استنباط الحكم الشرعي، بل في اقتناء الفتوى التي يراها أقرب إلى القرآن وروح الإسلام، أو أقرب إلى العقل، أو روح العصر، أو الأكثر انسجاما مع أسس المذهب العقلي/التأويلي/الظني، فيكون مجتهدا في التقليد، أو مجتهدا في ملكة الاختيار، ولا يحتاج إلى إذن في بلوغ هذه الدرجة، بل هو يتحمل مسؤولية اتخاذ قرار التصرف كمجتهد في التقليد والتبعيض والاقتناء أمام الله سبحانه.
5. بل يجوز العمل بأي حكم يطمئن المكلف إلى صحته، لا فرق من أي طريق تولد لديه الاطمئنان، بحيث يرى نفسه أن يتحمل مسؤولية العمل بذلك الحكم أمام ضميره، وأمام الله سبحانه.
6. القوانين الوضعية تعتبر ملزمة لكل الأفراد، باعتبارها تمثل عقدا اجتماعيا ملزما، وكونها شرعت لحفظ الصالح العام. فالقوانين ملزمة طالما روعي فيها الصالح العام والحقوق العامة والخاصة والعدالة، لاسيما تلك القوانين المشرعة في الدول الديمقراطية، فيشتد وجوب الالتزام بها.
7. القوانين التي تشرعها الحكومات المستبدة غير المنتخبة من قبل شعوبها لا تكون ملزمة، إلا إذا ثبت أنها شرعت لحفظ الصالح العام، أو أن مخالفتها تعود بالضرر أو الحرج الذي يعتد بهما على المخالف، وتحرم مخالفتها إذا عادت بالضرر أو الحرج الذي يعتد بهما على أفراد آخرين، وتتأكد الحرمة بوقوع الضرر على المجتمع.
8. سياسيا يتبنى المذهب انحصار الشرعية في الديمقراطية وعلمانية الدولة، ويعتمد مقولة عدم شرعية إقامة الدولة الإسلامية من قبل طرف غير معصوم وغير ثابت تكليفه من الله مباشرة، وحسب الواقع الذي تعيشه الإنسانية، ليس من أي إنسان أو جهة مكلفة بهذا الأمر من الله، وحتى مع فرض وجود التكليف، فهو غير ملزم، ما زال الناس أو غالبيتهم لا يقرون بدعوى التكليف.
9. وبالتالي يُعَدّ إقحام الدين في الشأن السياسي على وفق المذهب الظني من المحرمات، لوضوح ما يترتب على ذلك من مفسدة وضرر على مختلف الأصعدة.
الحجاب:
ليس هناك حجاب واجب حسب المذهب الظني، ولكن إذا ما احتملت المرأة وجود شروط شرعية للباسها، وأرادت أن تحتاط، بل قد يُرجَّح لها مراعاة الحشمة بحسب معايير العرف، ليس إلا، أو حتى ما دون ذلك، أي الالتزام بعدم المبالغة بما يمكن أن يكون سببا للإثارة الجنسية، والتي يتفاوت تقديرها بحسب الزمان والمكان والعرف [وبشكل عام يمتنع المذهب الظني عن الإباحة لنفسه بتشريع محرمات وواجبات في طريقة لبس المرأة]. ويُعَدّ تشبُّه المرأة المؤمنة على وفق المذهب الظني بالمتدينات المتزمتات، أو بداعيات الإسلام السياسي من المكروهات، بل قد يصل إلى درجة الحرمة. وهكذا هو الأمر مع تشبُّه الرجل في مظهره بالمتدينين المتزمتين، أو بدعاة الإسلام السياسي. [وحيث إنه لا يوجد دليل واضح في الإسلام على وجوب الحجاب، وإفتاء عدد من رجال الدين من السنة والشيعة بعدم وجوبه، يرجح للمرأة وفق المذهب الظني ترك الحجاب، إلا إذا أجبرت على ذلك.]
سن التكليف:
ليس هناك سن تكليف بالمعنى الديني، بل يعول على ما جرى التعارف عليه مما يسمى بالسن القانوني. فمن لا يريد أن يلتزم بأحكام سن التكليف، فلا جناح عليه، فالمعول عليه التزام الإنسان بالقواعد الأخلاقية والإنسانية، لا غير، والإنسان عموما مسؤول بقدر وعيه ورشده ونضجه، وهذا لا يجب بالضرورة أن يكون محكوما بالعمر، وتحديد القوانين الوضعية لسن الرشد هي أقرب إلى الواقع كما يبدو. ومن أصر على الالتزام بما يسمى بسن التكليف، فسن التكليف يكون لكل من الولد والبنت عند البلوغ الجنسي، أو عند إكمالهما خمس عشرة سنة، وإكمالها ثلاث عشرة سنة شمسية، ويُرجَّح اعتماد سن موحد، كأن يكون أربع عشرة سنة، لاعتماد المذهب الظني المساواة بين الذكور والإناث. وفي حال البلوغ قبل هذا السن، يكون التكليف في بعض التكاليف، دون الأخرى مما فيه مشقة أو حرج (مثل الصيام)، فتكون في السن التي يجد الشخص فيه نفسه قادرا على تحمل مشقة الصيام. [لا معنى أصلا لسن التكليف في المذهب الظني، بل يترك الأمر لتقدير الشخص المعني، أو لتقدير عقلاء المجتمع. كما لا يجوز للآباء والأمهات أن يفرضوا أحكام سن التكليف على بناتهم وأولادهم، لأن كل إنسان مسؤول هو عن نفسه فيما يلتزم به ولا يلتزم به.]
التقليد والاجتهاد والتبعيض:
التقليد [أي اتباع فقيه أو مذهب فقهي]، إذا كان، فهو في الفروع فقط، أي في الأحكام. ولكن لا يجب التقليد الشخصي بل التقليد الموضوعي، مع القول بأصالة التبعيض، كما مر ذكره، لتلازمه مع أصالة اليسر، وانسجامه مع الدليل العقلائي، وعدم القول بوجوب تقليد الأعلم، واتباع الفتوى الجامعة للشرائط دون وجوب اتباع الفقيه الجامع للشرائط، وجواز الأخذ من الفقيهة والفقيه على حد سواء، ونفي الولاية العامة عن الفقهاء. ويمكن اعتماد التقليد المتجزئ، والاجتهاد المتجزئ، والالتزام المتجزئ، والحجاب المتجزئ، والتكليف المتجزئ، بمقدار ما يقدره كل إنسان، ولا وصاية لأحد على أحد، إلا ما تعلق بحقوق الناس وكراماتهم وحرياتهم ومصالحهم. [ويمكن للمعتمد للمذهب الظني أن يعول على فهمه الشخصي فيما عليه أو له أن يعمل، وما عليه أو له أن يترك.]
التعاطي مع الأحكام الشرعية الخمسة
الأحكام التكليفية في الإسلام كما هو معروف خمسة، نوردها بمسمياتها المختلفة:
1. الواجب/ الفرض.
2. المستحب/ المندوب/ المسنون/الراجح الشرعي.
3. المباح/ الحلال.
4. المكروه/المرجوح الشرعي.
5. الحرام.
وإذا تحدثنا عن التكاليف منها، لأن الإباحة ليست تكليفا، تكون الأحكام التكليفية أربعة، اثنان منها إلزاميان، وهما الوجوب والحرمة، واثنان منها ترخيصيان، هما الاستحباب والكراهة.
عندما يواجه المؤمن الظني حكما من هذه الأحكام، ويحتمل فيها تعارضا مع واحد من أسس المذهب الظني، يتخذ الموقف الشرعي العملي منها على النحو الآتي:
بالنسبة للحكمين الترخيصيين، فلا مشكلة لديه معهما، فكل مستحب ليس بواجب، وكل مكروه ليس بمحرم، ولذا له أن يترك المستحب، ولا يلتزم بترك المكروه، إلا إذا أراد أن يتقرب بهما إلى الله دون الوقوع في حرج، أو فيما فيه تعارض أو شبهة تعارض مع أسس المذهب الظني، أو المذهب العَقلانِنساني، أو إذا كان ذلك مستحبا أو مكروها ليس بحكم الدين فقط، بل بحكم العقل والضمير، وبحكم المدارس الأخلاقية غير الدينية أيضا.
أما بالنسبة للتكليفين الإلزاميين، فكما ذكرنا، يجد المخرج منهما بالتبعيض، أي باتباع أية فتوى من مذهب معتبر، أو من فقيه معتبر، حيا كان أو ميتا، معاصرا أو من زمن مضى، على حد سواء، وذلك على ضوء قاعدتي أصالة اليسر، وأصالة التبعيض، أو يعمل بفهمه واستحسانه، كل ذلك في ضوء قواعد المذهب الظني، والمذهب العَقلانِنساني، والتسامح فيما هو شخصي محض، أو ما يمثل العلاقة بين الإنسان وربه حصرا، والاحتياط في القضايا الاجتماعية والإنسانية، أو قل التسامح في العبادات، والتشدد في المعاملات، لكن بالذات على ضوء القواعد الأخلاقية الثابتة والمحايدة دينيا.

كتبت في 2007 و2008 | روجعت في 29/11/2009 ثم في 12/12/2016.

عناوين لأحكام المذهب الظني
كل ما يحسنه العقل الأخلاقي، وكل المُثُل الأخلاقية، والقِيَم الإنسانية، وكل ما يُحتّمه العقل العملي، أو ما يسمى بالسلوك الحكيم أو العقلاني، يمكن أن يُعَدّ من أحكام المذهب الظني، وهي نفسها أحكام لاهوت التنزيه، الذي سيلي البحث فيه. وهنا عناوين كأمثلة على تلك الأحكام التي يحسنها العقل. أما درجة إلزاميتها من الوجوب حتى الاستحسان والترجيح، وبعكسه الحرمة حتى ترجيح الترك، وما يسمى بمصطلح المتشرعة الدينيين بالاستحباب والكراهية، فهذا بحسب أهمية كل حكم، وبحسب ظرف الإتيان بفعل، أو الترك لفعل، وبحسب حيثيات التطبيق، فالمُعوَّل على تحديد ذلك هو ما ينعكس من العمل أو الترك من فائدة للعامل أو التارك، ولغيره من الناس، فلا يحق له تحصيل الفائدة لنفسه عبر الإضرار بالآخرين، هذا علاوة على القانون الصالح المنظم لحياة الناس. من أحكام المذهب الظني:
1. الصدق.
2. العدل والإنصاف [والمساوة].
3. حفظ الأمانة.
4. الوفاء بالعهد.
5. حفظ حياة وحرية وكرامة وسمعة ومال وحقوق الناس.
6. الالتزام بالعقود والمواثيق.
7. العفو والتسامح.
8. نشر السلام.
9. الاعتدال.
10. تقبل الرأي الآخر.
11. العطاء والإنفاق.
12. مساعدة المحتاجين للمساعدة.
13. الإصلاح بين الناس.
14. الاستزادة من المعرفة.
15. حسن الخلق.
16. التواضع.
17. الانتصار للمظلوم.
18. التشاور.
19. ستر عيوب الناس.
20. إدخال الفرح في حياة الناس.
21. نشر العلم.
22. الإتقان بالعمل.
23. التزكية والتربية للنفس وللآخرين.
24. الالتزام بالقوانين.
25. مراعاة مشاعر وراحة الناس.
26. إنقاذ المهددين بالمخاطر.
27. إدخال الأمن في قلوب وحياة الناس.
28. العطف على الصغار والضعفاء والمحرومين.
29. احترام الكبار والعلماء والمثقفين والعقلاء والحكماء والمبدعين وخدام المجتمع.
30. تحرير الناس من العبودية والاستبداد والاضطهاد.
31. التواصل مع الأهل والأقرباء والأصدقاء.
32. تفقد المرضى والفقراء وأصحاب المشاكل النفسية.
33. توخي الحكمة في القول والعمل.
34. تبادل الخبرات.
35. الاستفادة من التجربة الذاتية وتجربة الآخرين.
36. التواصل بين الشعوب.
37. المساواة بين المرأة والرجل، والفقير والغني، وبين كل الناس.
38. رعاية الطفولة لاسيما اليتامى.
39. رعاية الأمومة.
40. التعاون والمسؤولية المشتركة بين الزوج والزوجة.
41. مساواة الزوجة في حقوقها مع ما للزوج من حقوق.
تعميم منهج المذهب الظني على جميع الأديان
لو توفر لي الوقت لتناولت جميع الأديان بالدراسة الممحصة، وطبقت منهج المذهب الظني، بركائزه الثلاث؛ العقلية، والتأويلية، والظنية، على كل منها من جهة، وأخذت من كل منها ما يتفق مع مبادئ العقيدة الإلهية الجديدة، وهي عقيدة تنزيه الله تعالى عما يتنزه عنه من مقولات الدين.
يتبع في الحلقة القادمة.