كيف بوابين... نص أدبي.

مختار سعد شحاته
2016 / 12 / 13

الليلة حين صحوت كانت حارتنا صامتة على غير عادتها،
قلت في نفسي تلك ساعة مناسبة للحوار مع الرب،
لففت تبغتي المخلوطة بحشيش مغشوش، يصفه صديق بأن ذلك "كيف البوابين"، ولما انتهينا من تبغتنا الخامسة، وانتابتني حالةٌ تشبه الحالة تلك التي يتعودها المثقفون، ويجتهدون تقمصها حين يشربون البيرة،
قلت في انفعال:
- أنت صديق عنصري للغاية، لا يناسب مثلي ممن يدعون أن الله خلصهم بالكتابة واللوحات التشكيلية...
نفث خرطومًا من الدخان المخدر لكل انتكاساتنا الأخيرة حول الوطن
والثورة
وحلم البيوت
والأرصدة البنكية، وقال:
- ألا تجدني الآن أشبه تنينًا عجوزًًا؟
- أنت عنصري ملعون.
الحارة ساكنة من جديد، وساعتي تشير إلى تمام انكسار القلب وعشر حجج إليها...
فكرت أن يكون الناس ناموا، أو رحلوا إلى دول الخليج بعد أن سمعوا تأكيدًا بأن هناك أرضًا لا يظلم النفط فيها أحدا...
قلت بصوت حاولت أن يؤنس بلكونات الجيران حولي:
- جميل جدًا أن نحكي معًا أيتها البيوت.
البيوت انكمشت، حاولت أن تخلق بعض الدفء في تلك الليلة الديسمبرية الباردة، ثم في لطف راحت تغني لي وتبتسم...
تقدم بيت الجار السابع، وقال في ثقة مدهشة:
- أيمكن أن تلف لي تبغة مخلوطة بحشيشك المغشوش؟
- كيف البوابين؟
تراجع قليلا حتى صار في مكان الجار التاسع، وقال:
- أنت عنصري وفج!!
حاولت شرح وجهة النظر، وكيف صرنا نقف على كل باب نفتش الداخلين والخارجين، باب القلب، وباب العقل، وباب الروح، وباب الجسد، وباب الحلم، وباب المحبة، وباب الثقة، وباب الذكريات، وباب الخيال...
ثم صرخت فيهم:
- ألسنا بذلك نشبه البوابين؟ ألا تضعنا تلك الحشيشة على حدود كل ذلك؟ فلماذا لا نعترف؟!
تملل أقدم بيت في الحارة، وقال حازمًا:
- اخرس.
لكني ما خرست، ورحت أصرخ بأن حياتي كلها جعلها الرب زوايا، وجعل لكل زاوية بابًا يناسبها، فلماذا لا نصارح أنفسنا بأننا بوابون في نهاية الأمر، وأنه محرمٌ علينا الولوج بأي شكل؟
- أيتها البيوت حاسبوا الرب.
- أنت من الكافرين إذن أيها الواحد الواجد الفرد في الحارة الخالية.
- أريد الدخول، تعبت من الجلوس على أبواب الزوايا.
- لأجل هذا كان لازمًا أن نحمي الناس منك، فأنت حين بدأت تكتب، اكتشفت أن السر العظيم للرب لا يكمن في الإجابات، وأن الخلاص في الأسئلة.
- أسمع يا هذا المخلوق، أنت محكوم منذ اللحظة بالوقوف، وملعون بالاستفهام وبالاندهاشة المحيّرة.