لهذا لم أحادثك يا صبحي!

فاطمة ناعوت
2016 / 12 / 13

ألم أقل لك في آخر لقاء بيننا إن اللغة عاجزة وقاصرة وفقيرة؟! ألم أقل لك إن أعظم شعراء العالم لا يستطيع أن يرسم بكلماته شذى زهرةٍ، ولا طعم تمرةٍ، ولا حُرقة دمعةٍ، ولا فرحةَ لقاء حبيبين، ولا لوعة فراقهما؟ لهذا لم أستطع أن أهاتفك!
ماذا بوسعي أن أقول لك، وأنا أعرفُ من أنت، وأعرف من هي نيفين رامز بالنسبة لك؟ أعرف حجم حبّك لها، وأعرف حجم حبها لك، فأعرف بالتالي هول الكنز الذي فقدت اليوم. فأي كلمات رثاء تعوّضك عن ثروتك التي ذهبت عنك، وتسرّبت من بين أصابعك، وأنت عاجز عن الإبقاء عليه؟
شاهدتُ دموعك وأنت تحكي عن وجعها، ووجعك وأنت تحاول أن تهبها روحك لتُشفى. أعرف كيف جُلت بين أركان العالم ما بين بريطانيا وألمانيا وأمريكا لكي تبحث عن شفاء ودواء لرفيقتك وحبيبتك التي داهم المرضُ الشرسُ جسدَها الواهن فكان الحزنُ يقتلك كل يوم. أعرفُ كيف عطّلت كل أعمالك وتوقفت عن بروفات مسرحية "خيبتنا" حتى يتم شفاؤها. وحين قلتُ لك بل أكملها ونيفين سوف تصمم ديكورها كالمعتاد، لأن في العمل علاجًا وشفاءً، أومأتْ نيفين الجميلة بالموافقة وأنت قلت: لن أكملها حتى تُشفى.
أعلم استثنائية معدنك الرفيع، وأعلم فرادة قلبك العاشق، وأعلم تركيبة نفسك الشريفة المخلصة، لهذا لم أجد أية كلمات يمكنها أن تُعزّي قلبك المفجوع بعدما لملمت نيفين أشياءها وضحكاتها ودموعها وخفق قلبها، وصعدت للسماء، وتركتك وحيدًا.
لا، لم تتركك وحيدًا. بل تركت لك نُسغها ورحيق روحها وزهرات عمرها وعمرك: مريم وكريم. وتركت لك كنزًا وفيرًا من الذكريات الجميلة. وتركت معك فنّك الرفيع الذي فيه عزاؤك عن فقدك، وعزاؤنا عما نواجه في حياتنا من صعاب.
نعم اللغة عاجزةٌ وقاصرة وفقيرة يا أستاذي ومُعلّمي وحبيبي وأيقونة المسرح والالتزام بالنسبة لي. لكن الفن الرفيع ليس عاجزًا ولا قاصرًا ولا فقيرًا. حينما يكون الفنُّ استثنائيًا وماسًّا مثل فن محمد صبحي.
عزِّ نفسك وعزِّنا بفنك المحترم. واسِ نفسك، وواسِنا بفنك الرفيع. أحسن عزاء قلبك، وأحسن عزاءَنا بفنك الجميل. سامحني إن لم أهاتفك بالأمس. لأنني وجدتُ كل كلمات المواساة فقيرة وفارغة من المعنى. سأحاول هذا المساء أن أقوم بهذه المهمة العسرة، وسلفًا سامحني إن هرب الكلام مني.