شجرةٌ وأربعُ عيون

فاطمة ناعوت
2016 / 12 / 14

في الطائرة، طالعتُ هذه الحكاية الطريفة من الفولكلور الإنجليزي، أودّ أن أترجمها لكم لعمقها على بساطتها. عنوان القصة "الشجرة عبر الفصول"، تحكي عن أب وأولاده الأربعة، الذين ودّ أن يعلّمهم درسًا عظيمًا. أرسل الأبُ كلًّ ابن منهم إلى مهمّة استقصائية، يؤدّونها بالتتابع. المهمةُ رحلةٌ استكشافية إلى شجرة كمثرى كانت تقع على مسافة بعيدة عن بيتهم، ثم العودة بتقرير تفصيلي عن شكل الشجرة. ذهب الابنُ الأول في فصل الشتاء، والثاني في الربيع، والثالث في الصيف، بينما ذهب الأخير في فصل الخريف.
حين اكتملت رحلاتُ الأبناء الأربعة، قفلوا عائدين إلى والدهم بمشاهدتهم وتقاريرهم. جمعهم الوالدُ وطلب إليهم أن يصفوا ما شاهدوا. قال الابنُ الأول إن الشجرة كانت قبيحةَ المنظر، منحنية، وملتوية الأغصان. بينما قال الثاني إن الشجرة كانت مغطّاة بالبراعم الخضراء وتحمل الكثير من الوعد بالإشراق والإثمار. لم يوافق الابن الثالث على ما قال أخواه وقال إن شجرة الكمثرى كانت مثقلة بالأزهار ولها رائحة شهية وشكلها شديد الجمال، بل كانت تلك الشجرة هي الأجمل من بين كل ما شاهد في حياته على الإطلاق. هنا اعترض الابنُ الرابع مع الجميع قائلا إن الشجرة كانت ناضجة ووارفةً ومثقلة بالثمر، الشجرةُ تضجُّ بالحياة، واضحة الاكتمال.
قال الرجلُ لأبنائه إنهم جميعًا على حق، رغم تباين أقوالهم حدّ التناقض. ذاك أن كلاً منهم لم يشهد الشجرة إلا في أحد أحوالها، وأحد مواسم حياتها، ولم يشهدها في أحوال أخرى. وهنا تجلّى الدرس العظيم: من الخطأ أن نحكم على شيء، أو شجرة، أو شخص في موسم واحد من حياته، أو في حال واحد من أحواله. وأن الجوهر، والسعادة، والبهجة، والفرح، والحب، التي تأتينا بها الحياة، لا يجوز أن نقيسها أو نُقيّمها، أو نحكم عليها إلا في النهاية؛ حينما تتم الفصولُ جميعُها. فإن أنت يئست وسلّمت ورفعت الراية البيضاء في شتائك، سوف تخسر الرجاء الذي يعدك به ربيعُك، وسوف يفوتك الجمال الذي سيأتي به صيفُك، وسوف يضيع عليك الاكتمال الذي سوف يأتي به خريفُك. فإن أنت تركت الألم الذي يضربُك في أحد الفصول يستحوذ عليك، فإنه سوف يدمّر الفرح الذي سوف يأتي مع الفصول الأخرى. فلا تحكم على الحياة ولا تحاكمها عبر فصل واحد من فصولها. فثابر واصبر على المناطق السوداء والظروف العسرة التي تمّر بك، لأن أوقاتًا طيبة لابد أن تأتي في مقبل الأيام.
***
انتهتِ القصة الرمزية لكن خيالي لم يتوقّف عن تأملها وأنا فوق وهاد السحاب والطائرةُ تخترق الغيوم الكثيفة التي تفصل بيني وبين أراضي الله، وتحجب عني رؤية بيتي وأهلي وأصدقائي.
تذكّرتُ أحوالا كثيرة وفصولا كثيرة لي، أتبدّل فيها بين الجدية الصارمة، والمرح الطفولي، والجنون حينًا، والتعقّل حينًا، التعجّل حينًا والرصانة حينًا، الفرح حينا والحزن حينا آخر. أن أكون أمًّا حينًا، وأن أكون ابنةً حينًا، أن أجلس صامتةً كتلميذة تتعلم من أستاذها، وأن أتكلّم وأحاضر كمُعلّمة أمام تلاميذ، أن أجادل وأحاور وأناور كمشاكسة، وأن أومئ في هدوء كموافقة، وغيرها مما لا يُحصى من أحوال وفصول، جميعُها أنا وجُماعها أنا. لكن واحدهم قد يراني في فصل واحد، فيظنّ أني شرسة، وغيره ربما يراني في فصل آخر فيقسم أنني وديعة، هكذا، وهذا ما ينطبق على جميع البشر.
أذكر أنني دخلت المسرح الكبير بقاعة الأوبرا يومًا فاستوقفني بعضٌ من قرائي ووقفنا ندردش برهة ونتمازح. فقال أحدهم: “مش معقول مش مصدق أنك بتعرفي تضحكي وتألشي كمان! كنت أقرأ مقالاتك فأظن أنك حد مكشّر طول الوقت!” فضحكت وقلت له: أوعى تصدق المقالات المُشكّلة واللغة العربية الفصحى المقعّرة، ده أنا عيّلة جدًّا.”
كثيرون نحن. كل فرد منّا كثيرٌ وكثيرٌ وكثير. تمامًا مثل الشجرة، التي لا تتبدل على أربعة أشكال في كل عام وفق الفصول الأربعة وحسب، إنما تتبدّل على ألف شكل كل يوم. فورقة من أوراقها تسقط، تُبدّل من شكل الشجرة، وورقة تورق، تغيّر من هيئة الشجرة، وغصن يستطيل مليمترًا، يجعلها شجرة أخرى. لهذا قال هيراقليطس: “إنك لا تنزل النهر الواحد مرتين.” لأن النهر الذي نزلت إليه منذ دقيقة، جرى ماؤه، وتبدّل موضعه ولم يعد هو هو بعد دقيقة، ولا أنت هو أنت الذي كنته قبل دقيقة، فقد كبرت دقيقة في عمرك، وتبدّلت رؤاك وأفكارك وشاهدت خلال تلك الدقيقة ما لم تشاهده قبلها.