عروسة مولد وشجرة ميلاد

فاطمة ناعوت
2016 / 12 / 12


في أحد أيام القرن الحادي عشر ميلاديًّا، خرج الحاكمُ بأمر الله، الخليفة الفاطمي، يجوب طرقات وأزقّة مصر الطيبة، ممتطيًا حصانه، وإلى جواراه زوجته التي بدت حسناء في فستانها الأبيض وعلى رأسها إكليلٌ من الياسمين الناصع البياض. وقرر صنّاعُ الحلوى في ذلك العصر تخليد ذلك المشهد الشعري الفاتن، فقاموا بتشكيل الحلوى البيضاء، المعقودة بالسكر والماء، على شكل عروس بيضاء جميلة في فستانها المزركش ذي الكرانيش الواسعة، وكذلك على شكل فارس مغوار يمتطي الفرس. حدث ذلك في مثل هذا اليوم الطيب، ذكرى ميلاد الرسول عليه الصلاةُ والسلام. من هنا بدأ الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، شعبيًّا، بالعروسة الحلاوة والحصان والفارس.
وفي إحدى الروايات الكثيرة، قيل إن قبيلة وثنية ألمانية كانت تعبد "إله الغابات" واسمه "ثور" في القرون الوسطى. وكانوا يعلّقون على شجرة بلوط قربانًا بشريًّا ثم يذبحونه، تقرّبًا من إلههم المزعوم! وفي عام 727 حدث أن مرَّ بهم راهبٌ مسيحي ورآهم يعلقون طفلاً تمهيدًا لذبحه، كقربان! نهرهم الراهبُ وأنقذ الضحية، الطفل المسكين، ثم علّمهم أن السيد المسيح جاء للخلاص والسلام، لا للقتل والتعذيب. ومن يومها صارت تلك الشجرة، وفق الرواية، دائمةَ الإخضرار، وصارت رمزًا للحياة. وكان الألمانيُّ "مارتن لوثر"، أبو البروتستانتية، أول من أضاء الشجرة بالشموع في القرن السابع عشر في ذكرى ميلاد السيد المسيح عليه السلام. ثم تحولت تلك الشموع، مع الوقت، إلى مصابيحَ كهربائيةٍ صغيرة، تتلألأ في الظلام. وفي موسوعة بريتينيكا روايةٌ أخرى تقول إن المصريين القدامى أوّل من اعتبروا الشجرة الدائمة الخضرة رمزًا للخلود. وفي روايات أخرى، حسب الأساطير القروسطية، كانوا يعتبرون يوم 24 ديسمبر يومَ آدم وحواء، والشجرةَ الخضراء رمزًا لشجرة الفردوس. لهذا كانوا يزينونها بالتفاح الأحمر (رمزًا للخطيئة الأولى )، وبقطع الحلوى (رمزًا للغفران والخلاص). وفي رواية أخرى، كما يشير علماء الفلك، فإن 25 ديسمبر هو يوم الانقلاب الشتوي حين تصل الشمسُ إلى أقصى مداها ويبلغ النهارُ أقصرَه، يليه يومُ صعود الشمس وميلادُها، فكان الرومان يحتفلون بتزيين الشجرة تمجيدًا لرب الشمس، وفق معتقدهم آنذاك. ولما جاءت المسيحية تحول ذلك الطقس إلى احتفال بميلاد السيد المسيح. وتشير رواية أخرى إلى رحلة العائلة المقدسة أرض مصر هربًا من السفاح هيرودس، ولما كاد جنود هيرودس يقبضون على السيدة العذراء وطفلها والقديس يوسف النجار، لجأ الثلاثة إلى إحدى الشجرات، ليحتموا بها. فمدّت الشجرةُ أغصانها لتُخبئ الأسرة المقدسة؛ فكافأها اللهُ بأن جعلها دائمة الإخضرار، فأضحت رمزًا للخلاص والخلود.
وأيًّا ما كانت الروايات حول نشوء فكرة عروسة المولد بُسكّرها وألوانها وفستانها المرزكش، وشجرة الميلاد الخضراء بنجومها المتلألئة وصناديق الهدايا تحت جذعها، فإن كلتيهما يُسرُّ من يراهما، وتُشعّان الفرحَ في القلوب، وتمدّان الروح بالرجاء بأن يسود الحبُّ بين بني الإنسان، فيُهدى كلُّ إنسان إلى أخيه هديةً مُغلّفه بأمنياته ومشاعره الطيبة، وينزع من قلبه أية شوائب تعكّر صفو نفسه.
وتلتقي هذا العامُ أيضًا عروسُ المولد مع شجرة الميلاد. ليعطينا هذا اللقاءُ رسالةً ناصعةً تقول إننا أمةٌ واحدة، نقف تحت مظلة الإنسانية طامعين في وجه الله. تصبو عيوننا للسماء، آملين في الرحمة والغفران. نعبد آلهًا واحدًا لا شريك له، كلٌّ يراه عبر زاويته. وأينما ولّينا شطرَنا فثمّ وجهُ الله الذي لا تحيط به أعين ولا تحدّه سموات ولا أرض. كل سنة وكل البشر أكثر سواءً ومحبة ورحمة ونبلا وتحضّرًا.