جنونٌ ما داخل العقل

سامي عبد العال
2016 / 12 / 11

ربما تاريخ العقل هو أكبر عائق أمام التفكير العقلاني. والقضية ليست نكتة لكنها أبنية ثقافية cultural structures تكبل الفكر بغطاءٍ غليظٍ. تمنع تأسيس موضوعاته بشكلٍّ جديدٍ. بل تقف أمام ابداع صور متنوعة من العقلانية. فالأخيرة أكثر روغاناً مما نعرف. وتتواطأ مع تقاليد الديانات والمذاهب والهويات لتجميد الخيال. فلا عصر هنالك إلاَّ وتتحالف مفاهيم العقل خلاله مع الثقافة السائدةِ. لتأخذ قوتَّها الغالبة من عنف الأنماط الكلية للتفكير. إذ ذاك يتخفى العقل زاعماً أنَّ بدائله تقوم بأدواره الحرة!!
يبدو تحطيم العقلانية ضرباً من الجنون. لكن حينما يعيها العقل كصدفةٍ مقواة إنما يعي ذاته المتكلسة. هنا لا بد له من جموح طافح بالتمرد، بالاختلاف. حتى يمزق أردية الثقافة على قارعة العواصف والأنواء. يسلخها سلخاً عن طاقاته الحية. العقل باستمرار يحتاج جنوناً يسكنه، يخرب قصوره، يسهر على أبراجه العالية. على أن يقبع الجنون داخل العقل كنقيق الضفدع في وحل الأرض. لم يجن شخص من الخارج. دوماً ينحرف بواسطة قدراته. جنونه أنْ يقلب نفسه ليلاً ونهاراً، أنْ يتخلخل، أنْ ينهار، أنْ يتداعى. كأنَّه سرك كوني مفتوح تشاهده كافة الحقائق. وتمثيل هذه المسألة بمشاهد الطبيعة ربما أكثر دلالة.
فالأفكار كالطيور...لا تخطئ الحركة. ولا تمل القفز انفكاكاً من أسرها. وإذا تمَّ الامساك بها تصاب بالذبول. لتظهر منكمشة في هيئة ورقية ضعيفة. تتطلب رياحاً تقلها هنا أو هناك. ولئن نهضت، تغرد، تنثر نغماتها. وما أن تقفز حتى تحلق بملء أجنحتها. الأفكار مثلها مثل الطيور لا تستقر فوق الأسوار الثابتة إلا لماماً. هي تتغذى بنفس الطريقة من خشاش الحياة. ذلك يضع حدود العقل قيد الشك... فما هي تلك الحدود؟ بل هل توجد آفاق له أصلاً؟ وكيف يقطن الإنسان ثقافة هي الوجه المقلوب للجمود العقلي؟!
قد تنطلق الأفكار كانطباعات، هواجس، حدوسات، مواقف. سوى أن المفاهيم الجارية تحنطها إلى درجة القتل. عندئذ تكفن، تدخل مقابر الثقافة، وتتحلل انتظاراً لبعث آخرٍ. لأنَّها تخضع لقوالب جاهزة تحت شروط الإدراك المتعين اجتماعياً. ويجري انتاجها في صورة المعاني المتعارف عليها. والصورة إطار معرفي يعطيها تباث الاعتقاد إزاء عالم لا يكف عن التغير.
حركة التفكير إذن عملية اخراج الأفكار من الأجداث، من الأكفان كي تمارس حياة وغياباً في اللا حدود. لتمضي عمرها كله بحثاً عن سكناه. وقد تتخلق كما تتخلق اليرقات، وتتعدد في أشكال لا تنتهي. ولكن الفكر لا يقف فارغاً إنما يتعلق بتأسيساته القصوى. ولذلك ما لم ينغرس جذوره في الأرض خارجاً بكل غرابته لن يكون ثرياً. فالنباتات الوارفة تضرب في تربه غنية الطباق. أنْ تنبت البذور والأشجار يعني أنْ تتفتق الأفكار بكل قوتها الجامحة.
لكن المجتمعات العربية تدفن الأفكار ثانية، تحوطها بالأسوار. وغالباً ما تصنع لها أقفاصاً لكيلا تناوئنا بشكلٍّ أكثر حيوية. ربما ذلك خوفاً من المجهول أو تحسباً لوطأة المستقبل. توثق الأمثال الشعبية قمعاً كهذا. يقول إحداها:" اللي تعرفه خير مما لا تعرفه". في علاقة آثمة معرفياً بما هو مغاير. لأن التربية ترتد إلى الوراء. كل شيء يقول كن كما كان الآباء. يجب عليك ألاَّ تنظر إلى سواه. وأن تفطن أمراً مألوفاً خير لك من معضلة الجديد. فلربما يأت عاصفاً بكل احتمالاته التي لا تقدر عليها!!
والتفضيل في المثل السابق ذو نبرة دينية. فالخير غلاف لاهوتي تصنيفي للأفعال المفضلة. وهو يفترض الطرف الآخر تلقائياً، أي الشر. فما لا نعرفه يعد شراً حتى قبل ما نعرفه!! لا لشيء إلا لكونه سيئاً. إنه الحكم المطلق المدعوم بكل مبررات دينية. والخلط مذلك واضح بين المعرفة التي تحتم الضرب في المجهول وشق الدروب غير المطروقة وبين الاقتراب من مجهول الشر. وفي القرآن آية دالة توضح ذلك" يا أيها اللذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبدى لكم تسؤكم". والتناظر في المعنى لا يخطئه الفهم. لكن التحول من المستوى الديني إلى المعرفي أفشل الاتيان بالجديد والمختلف.
مثل آخر: "عصفور في اليد خير من ألف على الشجرة". وليس أكثر ضيقاً من قبض اليد بينما العالم يتغير حولنا بلا توقف. لأنك قد تمتلك أفكاراً معينة. وفي هذه الحالة ليست مهمة بقدر إراحة العقل من الأسئلة القلقة. لذلك يبدو ما باليد وهماً ما بعده وهم. لأنَّه خيط دخان لن يجدي معه شيء. فالعقل العربي يتكون وهمياً حول مسلمات وعادات وتقاليد. ويرتعد من اجتراح آفاق مختلفة. وحتى إذا وجد العالم ثرياً باتجاهاته لا يحاول اقتحماً إلا مناورة عائدا للخلف.
أما المثل الأكثر دلالة فهو" القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود". حكمنا على غدنا الآتي بالسواد. وما يجري به الحكم قد تأتي به العادة. وذلك تحسباً لانطلاق الأفكار من الأسر والتوليف على أفكار الجيران فتنتشر الفضائح. تتزاوج بمنأى عن عيوننا التي لا نكاد نرى بها شيئاً. وفوق ذلك نريدها أفكاراً عذراء لم يمسسها بشر!! أليس ذلك تصوراً فضائحياً حول الفكر؟! نحن نحجم عن الحوار وتلقيح الأفكار لأنَّ تلك حادثة شرف! إنه التصور الاخلاقي الذي يجرِّم علاقات الحب. ويحرِّم اختلاط الأفكار حتى تعود بريئة. كما هو تحريم اختلاط النساء بالرجال. فكان الحل هو الحرملك الاجتماعي الديني. وقد انتقل إلى الأفكار العامة في السياسة والدين والمعرفة. حرملك ميتافيزيقي بحجم الأرض والسماء.
تلك الإرادة العامة القمعية مستحيلة المنال. لأنه لا توجد- إلى حد الخرافة- أفكار بكر، جرياً مع قول الجاحظ إن المعاني( ومن ثم الأفكار) منثورة في العراء أمام التفكير البشري. طوع أي عقل وقد مرت من إنسان إلى آخر، ومن مجتمع إلى غيره ومن ترحال إلى ترحال سواه، ومن حياة إلى موت، ومن موت إلى حياة. لكن المهم عند الجاحظ هو جودة اللفظ وحسن السبك.
وحتى هذا لم تحسنه الثقافة العربية إلاَّ صخباً( كثرة المحسنات البديعية. كالسجع، الجناس، الطباق، التي تغرق التراث الأدبي والديني). ولم تصغه إلاَّ عنفاً(صيغ المبالغة، تورم الأسماء وتضخم أوصاف الرجال والأزمنة والأمكنة الدينية). ولم تمارسه إلاَّ قهراً(كألقاب الحكام في التاريخ العربي التي تُسند إلى إرادة إلهية.. الحاكم بأمر الله، المقتدر بالله، المعتصم بالله...).
وعلى افتراض التسليم بذلك، فالأفكار تختلف خلال صخبها أيضاً. الفكرة الواحدة لا بد أن تتباين حتى داخل نفسها. ذلك كبذرة تنقسم إلى فلقتين. فإذا بنا نكتشف أنها عالم متناقض قائم بذاته. وإذا اعدنا التفكير فيها ستحدث تحورات في شكلها المعهود. عندئذ أصبحت فكرة ثانية تردد أصداء الفكرة الأولى. وريثما يتم التحدث عن ذات الفكرة مرة غيرهما فقد أمست ثلاثاً. إذن ستكون فكرة متراكمة مع ذواتها المتعددة. كالجذمور لدى جيل دولوز، لا نعرف أية أصل جذري واحد للإنبات من خلاله. الجذمور باللاتينية: rhizoma عبارة عن ساق تنمو أفقياً تحت الأرض يستعملها النبات للانتشار والتعشب والامتداد. ومن خلاله تتكون نباتات جديدة تطلق جذوراً أخرى. ويتميز بسيقان عند العقد المفصلية مثل الأعشاب الأرضية والنباتات النجيلية. وهكذا الفكرة كائن غريب ينمو وتظهر جانبها القابلة لذلك. وجميع مفاصلها تنزع نحو التحرر والاندلاق.
تعيش الطيور في الطبيعة، وعلى منوالها تعيش الأفكار في التاريخ. تعطي الأولى للطبيعة امتلاءها الصاخب بينما تمنحه الأفكار للتاريخ. صحيح أن أصوات الطور والأفكار غير متناغمة سوى أنها تتآلف مرة وتتناحر مرات. فالأفكار تتخلق في هيئة الطيور والطيور تحط على أسوار العقل كالمعاني الشاردة. وقد يكون للأصوات رتم نغمي. ومع ذلك سيظل متنوعاً إننا عندئذ نسمع لحناً بولوفونياً polyphonic متعدد المستويات والنغمات.
إذا كانت مقولة هيدجر "وحدها الغابة السوداء تلهمني" عبارة بارزة فإنه يترجمها بمشهد مماثل. ولنا أن نتتبع تنوع المعاني بعمقها الوجودي:" لا أتأمل المنظر الطبيعي المحيط بي بالمعنى الحرفي للكلمة، أنا أحس نبض تحولاته من ساعة إلى أخرى، ومن غسق الليل إلى تجلي النهار، خلال تعاقب الفصول. إنَّ ثقل الجبال وصلابة صخورها القديمة، والنمو الحذر للأشجار، والبهاء المضيء للحقول المزهرة، وأغاريد الطيور المحلقة وهمس السيول في ليالي الخريف، والبساطة الصارمة لمساحات مغطاة بالثلوج، جميعها تتسرب إلى الحياة اليومية، وفيها تتجمع وتتراكم وتتموج".
أما أخطر الأمور أن نعتقد كون الأفكار راسخة بإطلاقها دونما نقد. مثلما يقال عن قطعة المعدن حين نمسكها بين أصابعنا. إنها شديدة الصلابة. فحتى هذا الاعتقاد الأخير ليس صحيحاً. أشار عالم الفيزياء آرثر إدنجتون أن الأشياء المادية التي نراها ليست إلاَّ ذرات سابحة في أثير من الفضاء. وأن أكثر المواد خداعاً ما نقبض عليه بقوة بيد أنه ينسل من أصابعنا كما ينسل الوهم.
إذن لا مفر من اختلاف الأفكار كاختلاف الكائنات الطبيعية واختلاطها ببعضها البعض. وأن تحدث لها انحرافات في الوظائف كحال التحورات في الوظائف التشريحية للكائنات، إلى أن تظهر كائنات جديدة منها. فالفكرة التي نأخذها عن شيء حياتي قد لا تكون صحيحة تماماً طالما يأخذ أشكالاً، وطالما أنه متاح لأي إنسان . وإلا لأضحت إيماناً وعقيدة!! وهذا مستوى آخر يحتفظ بتناقضه. يتكرر حتى يمكن التسليم به. لهذا قد تتجمع الأفكار في أشكال نسقية وشبه علاقية. كما تتجمع الطيور في اسراب وتتمايل وتنفرط. ولربما تنزلق هنا أو هناك دون رابط، كما تتناثر نقوش التاريخ وبقايا الأحداث وآثار الحياة وأصداء الأخيلة. فعلى القارئ أن يعيشها مثلما عاشت. وهو إذ يفعل فلن يزيدها إلا تنوعاً وفيضاً. لسبب يبدو مذكوراً منذ قليل أن الأفكار تتحول، تمر بتجربة بنوعية على صعيد الفرد الواحد فما بالنا بالمجتمعات. إذ تطرحها بصيغ الجمع. دوماً الأفكار في حالة جمعٍ. وما دامت كذلك، فلعلها تمحُو عوالق التعصب المقيت الذي يُرهن وجوده بفكرةٍ غير موجودةٍ.