12 الحلقة الثالثة للمذهب الظني

ضياء الشكرجي
2016 / 12 / 11

12 الحلقة الثالثة للمذهب الظني
ضياء الشكرجي
dia.al-shakarchi@gmx.info
هذه هي الحلقة الثانية عشرة من مختارات من مقالات كتبي الخمسة في نقد الدين، ونحن ما زلنا مع مقالات الكتاب الأول «الله من أسر الدين إلى فضاءات العقل»، وخصصت ست مقالات من العاشرة حتى الخامسة عشر لمبحث (المذهب الظني) الذي يعرض لعقلاء المتدينين الذين يراوحون بين إيمانهم بإلهية الدين وبين احتمال بشريته، راجيا الصبر عليها ممن قد لا يرى أنها تعنيه، لحين البدء بالتأسيس للاهوت التنزيه (عقيدة الإيمان العقلي اللاديني)، بالرغم إن المذهب الظني لم يعد من اعتقاداتي.

الممكنات من العقائد على سبيل المثال:
1. نبوة محمد.
2. إمامة أهل البيت.
3. عدالة الخلفاء الراشدين.
4. أمور ممكنة فلسفيا كوجود الملائكة والجن وإبليس والشيطان.
5. صورة - وليس أصل - الثواب والعقاب.
ركائز المذهب:
1. العقلية.
2. التأويلية.
3. الظنية.
الثابت والمتغير من الركائز:
الركيزتان الأولى والثانية أي العقلية والتأويلية ثابتتان، مع إن الثانية من لوازم الأولى، فالأولى تمثل الأصل الذي تتفرع عنه الثانية. والركيزة الثالثة متغيرة، باعتبار أن المذهب يستوعب الظنيين، أي الذين لم يستطيعوا أن يحسموا الإيمان بإلهية مصدر الوحي، مع احتمالهم لذلك، كما يستوعب الموقنين بالنبوة من العقليين التأويليين، مع قبولهم بظنية الظنيين من أتباع المذهب دون اعتمادها بالضرورة من قبلهم هم [ولعله يخاطب في بعض مفرداته المؤمنين العقليين اللادينيين].
سائر ملامح المذهب:
1. العقلية.
2. التأويلية.
3. الظنية.
4. الإنسانية.
5. العقلانية.
6. التوفيقية.
7. التبعيضية/ أو الانتقائية.
8. الجوهرية.
9. النسبية.
10. الديناميكية.
11. التجرد المذهبي.
12. التفكيكية.
13. التعددية أو الپلورالية [مستوحاة من نظرية عبد الكريم سروش في «الصراطات المستقيمة»].
شرح موجز لها:
1. العقلية (العقل الفلسفي): منهج تأصيل مرجعية العقل، بتعميم تطبيق أحكام العقل الثلاثة (الواجب العقلي، الممكن العقلي، الممتنع العقلي).
2. التأويلية: مع افتراض أن الدين يمثل وحيا إلهيا، وعندما نواجه نصوصا دينية أو حوادث من السيرة مثلا، مما يحتمل أكثر من فهم؛ منه ما ينسجم ومنه ما يتنافر ويتعارض مع ضرورات العقل الفلسفي، أو العقل الأخلاقي أي المثل الإنسانية أو مع الحكمة والعقلانية، فلا بد من تأويل تلك النصوص والحوادث إلى ما ينسجم مع تلك الضرورات، وإلا فثبوت التعارض القطعي، مع ثبوت نسبة تلك النصوص المتعارضة مع ما ذكرنا من ضرورات ثبوتا قطعيا إلى الدين، فلا بد من أن يؤدي القطع في ثبوت الصدور وثبوت التعارض إلى القطع في نفي كون ذلك الدين يمثل وحيا إلهيا، بل يكون عندها نتاجا بشريا، يمكن لمن يشاء أن يأخذ منه الجيد، ويرد ما دون ذلك. والتأويلية هذه هي من لوازم العقلية.
3. الظنية: أو يمكن تسمية هذه الركيزة بـ (الظنية/اليقينية)، وتعني اعتبار مقولات الدين من نوع الممكنات العقلية ظنية، وفقط المقولات من نوع الواجبات العقلية يقينية، ومن هنا يمكن أن يكون الإيمان ظنيا بالممكنات، ولكن يقينيا بالواجبات. لذا فالله يقيني الاعتقاد لوجوب وجوده عقلا، وبعث الرسل ظني الاعتقاد لإمكان تحققه، وبالتالي إمكان عدم تحققه عقلا. والمذهب الظني كمذهب إسلامي، يرتب الأثر عمليا على صدق الدين، ويحتاط فيما يمكن فيه الاحتياط فيه بين احتمالي ثبوت أو انتفاء الدين. والمذهب الظني باعتباره يعتمد تأصيل مرجعية العقل يعتقد بأن الظنية من لوازم العقلية. ومن فوائد اعتماد الظنية معالجة التعصب والتطرف، باعتبار أن اليقين في الممكنات العقلية من المقولات الدينية لا يتأتى إلا لأربعة أصناف من الناس، الصنف الأول هم السذج البسطاء السطحيون، والصنف الثاني هم المتعصبون المتطرفون، وغالبا ما يقترن تطرفهم بالمنهج التكفيري، والصنف الثالث هم من استطاعوا أن يكتشفوا الأدلة القطعية لصدق المقولات الدينية في دائرة الإمكان العقلي، وأما الصنف الرابع فهم من كُشفت لهم حجب الغيب [حسب تعبير علي]، وهؤلاء هم خاصة أولياء الله [مع فرض وجودهم].
4. الإنسانية (العقل العملي الأخلاقي). أي تأويل كل ما يبدو ظاهرا متعارضا مع العقل الأخلاقي أو المثل الإنسانية إلى ما ينسجم معهما.
5. العقلانية (العقل العملي المتعلق بالحكمة). أي تأويل كل ما يبدو ظاهرا متعارضا مع العقلانية إلى ما ينسجم معها.
6. التوفيقية: أي اعتماد التوفيق بين ما يترتب على كل من ثبوت وانتفاء النبوة، بمعنى الاحتياط بالعمل والترك، بحيث يصحان على الفرضيّتَين، فرضية إلهية وفرضية بشرية المصدر للدين. والتوفيقية هذه هي من لوازم الظنية.
7. التبعيضية: بمعنى الأخذ الانتقائي برؤى المفسرين وعلماء العقيدة والفقهاء المسلمين بما ينسجم مع ركائز وأسس المذهب.
8. الجوهرية: وتعني التعويل على الجوهر بالدرجة الأولى وليس على الشكل، في كل ما يتعلق بالدين، كجوهر الأحكام، وجوهر السنة، وجوهر التدين.
9. النسبية: أي اعتماد فكرة نسبية الفكر الإنساني، بما في ذلك الفكر الديني، وحتى ما يفترض به أن يمثل حقائق مطلقة، بحكم نسبية الفهم الإنساني بما في ذلك حتى للحقائق المطلقة، وتقليص المقدسات المطلقة والمسلمات النهائية، وعدم رفع المقدس النسبي إلى مقدس مطلق، واعتماد جواز إخضاع كل شيء للمناقشة والتأمل والمراجعة.
10. الديناميكية: أي اعتماد حركية وتحول الأحكام ذات البعد الاجتماعي، مع ثبات جوهر ومبادئ الأحكام، مع اعتماد فسح كامل الحرية لمزاولة الفكر النقدي والمراجعة النقدية، ونبذ الجمود والتقليد والنصية والقوالبية.
11. أصالة اليسر: أي اعتماد أصالة الأخذ بأيسر الأحكام المستنبطة من الفقهاء أو المعتمدة من المذاهب، لاسيما في أحكام العبادات والمعاملات غير ذات البعد الاجتماعي، فيقتصر الاحتياط والدقة والتشدد فيما يتعلق بحرية وكرامة ومصالح وحقوق الآخرين.
12. التجرد المذهبي: أي قدر الإمكان تجاوز الأطر المذهبية لأي من المذاهب التقليدية، مع الأخذ من كل منها ما يلتقي مع أسس المذهب الظني، مع ترك حرية الاختيار في التفاصيل لأتباع المذهب الظني بما يلتقي مع الأسس والثوابت، إما على ضوء خلفيتهم المذهبية أو على ضوء قناعاتهم، وكذلك اعتماد تجنب كل ما يثير الحساسيات الطائفية. مع اعتماد التحلي بأخلاقية الاختلاف داخل دائرة أتباع المذهب الظني ومع الآخرين، والابتعاد عن التعصب ودعوى احتكار الحق والصواب والشرعية. [الأمثل للمؤمن الظني هو تجرده كليا عن الخلفية المذهبية.]
13. التفكيكية: بمعنى أن المسلم الظني يبقي الاحتمال قائما، بثبوت، أي بإمكان ثبوت التفكيك بين الدين والإيمان، بحيث يمكن للإنسان أن يكون مؤمنا لادينيا، أو بتعبير آخر مؤمنا عقليا.
متلازمات العقائد:
- الإمامة يمكن أن تثبت بثبوت النبوة، وهي بالتالي من ممكنات النبوة، أي لا من ضروراتها، كما يذهب معظم الشيعة، ولا من ممتنعاتها، كما يذهب معظم السنة، وهي مع صدق تحقق النبوة راجحة بالنقل، لا بالعقل، لتواتر المنقول النبوي بشأنها. [في الواقع لا أثر عمليا للاعتقاد أو عدم الاعتقاد بالإمامة، وكذلك بالخلافة، بالنسبة للمذهب الظني، إلا إذا جرى التعامل مع أئمة أهل البيت والخلفاء الراشدين وأئمة المذاهب كأي من العلماء والمفكرين، يؤخذ ما يؤخذ ويترك ما يترك منهم. ولذا أرى اليوم أن يتخلى الظنيون عن مقولة الإمامة وما يرتبط بها من عصمة وما سواها، وفق المنظور الشيعي، وكذلك عن عدالة الخلفاء والصحابة وأمهات المؤمنين وفق المنظور السني، ويبعد نفسه عن كل تلك الصراعات التاريخية. كما يمكن لمن يرى مرجحات للإمامة أن يعتمد حصرا الإمامة الدينية، دون السياسية، كما ذهب إليه أحمد القبانجي في كتابه «خلافة الإمام علي بالنص أم بالنصب».]
- النبوات السابقة واللاحقة منتفية بانتفاء نبوة محمد [أو هي ظنية بظنيتها]. فبالنسبة للسابقة بسبب عدم وجود كتاب مقدس، إلا ويشتمل على مجموعة عقائد تتعارض مع الضرورات العقلية والحقائق العلمية، بما يصعب معه التأويل العقلي، وبسبب دعوى الإسلام في حال صدق نسبته لله أنه ناسخ لها، وأنها قد طرأ عليها التحريف. أما بالنسبة للّاحقة فبسبب دعوى الإسلام، في حال صدق نسبته لله، أنه خاتم الأديان، وألّا دين بعده، ولا نبيَّ بعد نبيه.
واللازمان المذكوران هما من لوازم الإسلام، أو من لوازم العقل بشرط ثبوت صدق الممكن (الإسلام)، وليست من لوازم العقل المجرد. إذن هما ينتفيان بانتفاء الإسلام، أو يتحولان إلى لوازم ظنية مع الإيمان الظني بالإسلام.


من أسس المذهب الظني:
1. العقل (العقل الفلسفي)
2. الضمير أو الوجدان (العقل الأخلاقي)
3. العقلانية (الحكمة/ العقل العملي/الاعتدال/الموضوعية)
4. الصدق
5. العدل
6. الرحمة
7. الحب
8. السلام
9. الجمال
ثوابته:
- الله عقليا واجب الوجود وأزلي أبدي.
- الله واحد أوحد في ألوهيته، لا يشاركه فيها أحد ولا شيء آخر.
- الله العلة الأولى التي لا علة لها، وهو علة الوجودات كلها بلا استثناء.
- الله كمال مطلق، وبالتالي منزه عن كل نقص.
- الله لا يشبهه شيء من مخلوقاته.
- الله عدل لا يجور.
- قيمة الإنسان عند الله بمقدار إنسانيته وبمقدار عقلانيته.
- كل شيء في عالم الإنسان نسبي.
- ليس من دليل على امتلاك أحد للحقيقة المطلقة.
- الإيمان بالله سبب مهم من أسباب شدّ الإنسان إلى كل ألوان الكمال والجلال والجمال.
- الجزاء الأخروي واجب عقلي، لتوقف تحقق العدل الإلهي عليه، ولتنزّه الله عن الظلم.
- وجودات كالملائكة والجن من الممكنات العقلية، ولا يحتاج الله إليها، ولا يتنافى خلقه لهم مع حكمته [وإن كانت الحكمة من ذلك غير بينة].
- اصطفاء الله لأفراد من بني البشر وإرسالهم رسلا وأنبياء إلى الناس من الممكنات العقلية، ومع فرض أن له مرجحاته، فإن عدمه لا يتنافى مع عدل الله ولطفه وحكمته.
- مكارم الأخلاق التي أتت بها الأديان وعلى رأسها الصدق والعدل، وما يتفرع منهما من رحمة وعفو وعطاء وتواضع من ضرورات العقل الأخلاقي، والالتزام بها مطلوب عقليا وإنسانيا وبالضرورة إلهيا، ولا يحتاج الإيمان والالتزام بها إلى دين، أو وحي، أو كتاب مقدس، أو نبي، أو إمام، أو قديس.

بين التقية والباطنية:
أتباع المذهب الظني قد يكونون لاسيما في المجتمعات المتزمتة والمتعصبة مضطرين إلى استخدام التقية، بل حتى التخفي كنصيحة، أو كراجح، وليس كواجب، وذلك أن يبقى المعتنقون له يُخفون ذلك، لحين حصول تحول في العالم الإسلامي، أو في مجتمعهم بالذات، يسمح بحرية العقيدة تماما كما هو الحال في الغرب، بحيث يستطيع المرتد أن يفصح عن ارتداده، والملحد عن إلحاده، والمؤمن اللاديني عن لادينيته، دون خوف من أحد، ويستطيع ناقدو الإسلام أن يمارسوا نقدهم بكامل حريتهم، ولعل ذلك سيكون بشكله الكامل في أواخر القرن الحالي أو مطلع القرن المقبل، ويمكن أن تتسارع عجلة تطور الوعي والمنهج العقلي، بحيث يتحقق ذلك في فترة أقصر من ذلك بكثير، لاسيما أننا نلاحظ اليوم في بعض مجتمعاتنا حتى انتشار الإيمان العقلي اللاديني [بل حتى الإلحاد]، فمن قبيل الأولى أن يشق المذهب الظني غير الحاسم لقرار الإيمان اللاديني طريقه إلى الواقع، وأزعم إن الأرضية الاجتماعية متوفرة في بعض المجتمعات. [شخصيا لم أكن أتصور أني سأحث السير وبهذه السرعة نحو الإفصاح وترك التقية أي التوقي عبر التخفي.]
محرمات الإيمان العقلي:
الإيمان العقلي هو أشمل من كل من (المذهب الظني) والإيمان اللاديني، ومحرماته هي محرمات الفلسفة الأخلاقية [ومحرمات الحداثة والليبرالية]، ونذكر هنا بعض هذه المحرمات، على سبيل المثال والأولوية لا على سبيل الحصر، مع الإقرار بالتفاوت في درجة قبح وحرمة كل منها.
1. القتل
2. الاغتصاب
3. الظلم
4. الكذب [وشهادة الزور]
5. السرقة
6. الغش [والتزوير]
7. الخيانة
8. نقض العهود
9. الغيبة
10. النميمة
11. البهتان
12. إهانة كرامة الناس
13. الاعتداء على حقوق الناس
14. مصادرة حرية الناس
15. العدوان
16. الاستبداد
17. التعصب
18. التطرف
19. دعوى امتلاك كل الحقيقة
20. دعوى احتكار الحق
21. التكفير
22. العنف
23. الغلو
24. الاستئثار
25. التكبر
26. الإفراط في الشهوات
27. المبالغة في الأنانية
28. عدم مراعاة مشاعر الناس
يتبع في الحلقة القادمة.