أزمة صحفيي جريدة المصري اليوم

محمد طلعت
2016 / 12 / 10

لم يكن يخطر على بال صُناع أغنية "أخبار أهرام جمهورية" أن يصل حال المؤسسات الصحفية من تعسف وعصف بحقوق العاملين في الصحافة، تلك الأغنية التي حرص صناعها على قيم العدل والمساواة في العمل الصحفي، ومن يقوم عليه حتى بائعين الجرائد في الشوارع ،حين يقولون بكل إعزاز في وجه من يقلل من قيمتهم:"حاطة يابطة يافلفل شطة... دا احنا ياواد بنبيع أخبار". بكل حال لم يتخيل أحد أن يصل حال من يحررون الأخبار إلى مستوى اليأس من إدارة مؤسستهم الصحفية المتعنتة في اعطاء حقوقهم، بل ومن ينطق من الصحفيين يجد نفسه أمام التحقيق أو منقولا أو مفصولا، وفي أغلب الحالات مشردا يبحث عن حقه المغتصب من قبل مؤسسته الصحفية على البلاط أو الأرصفة أو سلالم النقابة.!

وفي هذا السياق التعس الذي تعبر عنه بكل وضوح مخجل أزمة صحفيي المصري اليوم التي تتصاعد بشكل مؤسف يعبر عن حالة الانفصال بين إدارة جريدة المصري اليوم وبين جماعة من الصحفيين المغدور بهم الذين أعلنوا اعتصامهم ضد قرارت التعسف من قبل إدراتهم. ولكن اعتصامهم لم يأتي بثمار تذكر. وكأن إدراة الجريدة تضع على كراسيها روث الزرائب، فلا سمعت ولا رأت ولا شمت. الأمر الذي جعل من الصحفيين يعلنون عن دخولهم في إضراب عن الطعام الاثنين القادم.

وعلى صعيد متصل، عبر الصحفيين عن رفضهم لتعنت إدراة جريدة المصري اليوم معهم، بمنتهى السلمية والتحضر في اتخاذ مواقف رفضهم والمطالبة بحقوقهم، وعبروا عن ذلك في أكثر من موقف، فكان صوتهم المسموع للجميع إلا إدراة جريدهم لم تسمع، في حين أن مطالبهم المشروعة في العمل قد خبرها وعرفها القاصي والداني، لدرجة التي لاقت اهتماما كبيرا من إجهزة الدولة السيادية التي أخذ تراقب الموقف عن كثب. فضلا عن تدخل البرلمان المصري ممثلا عنه لجنة الإعلام ونقابة الصحفيين لتوسط في حل هذه الأزمة، فلا حس ولا خبر من إدراة الجريدة، الأمر الذي حرك جريدة الأهرام المصرية المؤسسة الصحفية الكبرى في البلاد التي تبنت هذه القضية وانتقد تصرف صاحب ومؤسس جريدة المصري اليوم الذي صرف ببذخ على عرس ابنته في إيطاليا. حيث قدم دعوات لما يقرب من 130شخصا ونقلهم بطائرته الخاصة من القاهر إلى روما لحضو حفل الزفاف، في حين لم يتحرك ولم يصرف مستحقات الصحفيين. لكن أزمة الصحفيين الستة في "المصري اليوم" لم تغب وسط صخب الاحتفال باهظ التكاليف لابنة رجل الأعمال"صلاح دياب" صاحب الجريدة، الذى أظهره مقطع فيديو وهو يرقص مع ابنته فى حفل عرسها الباذخ في مدينة فلورانسا الإيطالية، بينما كان 6 من الصحفيين يقضون ليلتهم معتصمين في مقر الجريدة بشارع المبتديان بالقاهرة، وقد افترشوا أرضية الصحيفة تحت صقيع ديسمبر.

ويدخل اعتصام صحفيي "المصري اليوم" الستة، المنقولين تعسفيا، شهره الثاني على التوالي، ورفعت الإدارة رواتب المعتصمين، عن شهر ديسمبر، من ماكينات الصراف الآلي؛ لإجبارهم على الخضوع لقرار النقل التعسفي.

من جهتهم، قدم الصحفيون المعتصمون مذكرة لمجلس نقابة الصحفيين وإدارة الجريدة، أعلنوا فيها الدخول في إضراب عن الطعام، الاثنين المقبل، حال عدم حل الأزمة؛ ما دفع مجلس النقابة إلى عقد اجتماع طارئ لمناقشة الأمر، وأصدر المجلس بيانا عاجلا، طالب فيه إدارة الصحيفة "بسرعة الاستجابة لحل المشكلة، في إطار الحرص على الجريدة ومصالح الزملاء"، وأكد البيان التزام النقابة بحماية حقوق أعضائها بكل السبل الودية والقانونية.

وفي المقابل، أحال المدير الإداري للجريدة، فتحي أبو حطب، الصحفي بـ"المصرى اليوم"، عضو مجلس نقابة الصحفيين، أبو السعود محمد، للتحقيق، بعد كشفه مخطط فصل عدد من الصحفيين داخل الجريدة، بحسب قول عضو المجلس. ووفق مصادر بالجريدة، فإن "أبو السعود" سجل اعتراضه، صباح أمس، على خطوة الإدارة بشأن إرسالها إنذارات فصل لعدد من الصحفيين المعتصمين، وطالب الجميع بإبلاغ النقابة بما فعلته الإدارة، لاتخاذ الخطوات اللازمة تجاه التعسف بحق الصحفيين، وحددت إدارة الجريدة، الاثنين المقبل، موعدا لمثول "أبو السعود" للتحقيق أمام الشؤون القانونية بالجريدة، تزامنا مع دخول عدد من الصحفيين المعتصمين في إضراب عن الطعام رفضا لقرار نقلهم.

وعليه فقد تقدم صحفيي المصري اليوم برسالة إلى أعضاء مجلس نقابة الصحفيين، وأعضاء مجلس إدارة المصرى اليوم، مفدها كما يلي: بعد مرور 11 يوماً لاعتصامنا بمقر الجريدة، للمطالبة بحقوقنا في العودة إلى العمل بالمقر الرئيسي وفقاً للاتفاق المبرم بين الإدارة والنقابة، وتدخل أعضاء مجلس النقابة، وممثلي اللحنة النقابية للتوسط خلال الأيام الماضية لتنفيذ الاتفاق ومع ذلك لم يصل الأمر إلى انفراجة حتي الآن. فإننا نخطركم بالآتي:
1- إنهاء الاعتصام يوم الأحد المقبل.
2- منح النقابة والإدارة هذه الفترة للوصول إلى حل للأزمة.
3- الدخول بداية من الإثنين المقبل في إضراب عن الطعام.
4- الاستمرار في اتخاذ كافة الإجراءات التصعيدية حتي الحصول علي حقوقنا المشروعة.

وعلى الرغم من كل ماسبق، لا أتخيل فكرة أن يكون هناك صحفي مهضوم حقه، فكيف يعبر عن حقوق الناس فيما يكتب ويعبر وينقل ويصور، فثمة عرف صحفي عالمي يتضامن مع الصحفي المهان في مؤسسته وجريدته حين يُغتصب كبرياء قلمه.. وكرامة مهنته واخراسه بالأمر الواقع.

ثمة حكمة إنسانية في المصدقية والمهنية تنص على من لا صوت له لا يأخذ منه ولا ينقل عنه، لأنه ببساطة عاجز عن أخذ حقه، وهذا أمر محال ومرفوض بشكل عام لأي عمل، ناهيك عن العمل الصحفي الذي تعتبرها الدول التي تحترم حقوق مواطنيها جريمة في حق الصحافة يعاقب عليها القانون. فالصحفي يجب أن يكون له صوت وبيئة جيدة للممارسة عمله الصحفي داخل جريدته التي توفر له كل سبل الأمن والأمان وضمانات كافة حقوقه.

تجربة هؤلاء الستة ومطالبهم المشروعة لنيل حقوقهم وتبليغ صوتهم أولا لإدراة جريدتهم، وثانيا للرأي العام تعد تجربة حياة أو موت لكل صوت حر ضد صاحب عمل يري في موظفيه مجرد مناديل ورقية يلقى بها في عرض الطريق وقتما يشاء، وهذا يترجم بشكل عام حالة التأخر والرجعية والاستغلالية التي تمارسها المؤسسات الخاصة العاملة في مصر على موظفيها.

الصحافة اليوم في خطر، لكن الحق دائما ينتصر بوجود القلم الصحفي الشريف في مصر، ودائما يلمع اسم كُتاب وصحفيين أبرار، ومهما طالت العتمة وسيطرة البغال على بلاط صاحبة الجلالة إلا أنه بسرعة يتم غسل البلاط وتنظيفه من حوافر البغال و"الدياب" عليه..!

وكلمة أخيرة، عَلَّى صوتك أنت صحفي.. اطلب حقك تجيب حق الناس.