أنتم تخدشون حياءنا

فاطمة ناعوت
2016 / 12 / 9

حسنًا فعل نائب البرلمان "المحترم" الذي فتح فاتورةَ "خدش الحياء"، لأن تلك الفاتورة مسكوتٌ عنها منذ دهور، حتى غدت من "الديون الميتة"، وفق المصطلح المُحاسبي، ومن الجميل والعادل أن نعيد فتحها لكي يسدّد المدينُ ديونَه لدائنيه، فيستقيم الميزانُ الصرفي في أركان المجتمع.
المجتمعُ المصريّ دائنٌ تاريخي لكثير من العملاء الجهلاء الذين ظلّوا على مدى خمسين عامًا، يسرقون منّا، ومن مصر، البراءةَ والرقيّ والتحضّر، ووجب الآن تسديد الفاتورة، وردّ الحقوق إلى أصحابها.
أنتم خدشتم حياءنا يا كلّ من جعلتم من المجتمع المصري فِرقًا وشِيعًا وطوائفَ تتناحر بسبب اختلاف العقيدة؛ قبل مجيئكم التعس إلى حياتنا ما كنّا نقول: مسلمٌ ومسيحيٌّ ويهوديٌّ، بل كنّا نقول: نحن مصريون لا تُفرّق بيننا عقائدُ ولا مذهبيات. أزهقتم سلامَ المصريين اليهود في أوائل القرن الماضي بعدما سَخّروا مالَهم وعلمهم وحبّهم لصالح مصر، حتى ضجروا من بلادهم وفرّوا من جحيمها إلى رغد بلاد أخرى، كرّمتهم. منحوها خيرهم فارتقت بهم، وخسرنا نحن وخسرت مصر. وها أنتم الآن تعيدون الكرّة مع المصريين المسيحيين فتُرهبونهم وتضيّقون عليهم رزقهم، حتى بدأوا رحلة الهجرة بعلمهم ومالهم ووطنيتهم، فكسبتهم البلادُ التي هاجروا إليها وخسرت مصرُ.
أنتم تخدشون حياءنا يا كلّ إرهابيٍّ دمويّ يكره السلام، فأجبرتمونا على زرع شرطيّ مسلّح على باب كل كنيسة. وهذا أمرٌ بغيضٌ لم أره في أية دولة في العالم سوى مصر، يُشير بإصبع خجول إلى أن دور العبادة لغير المسلمين مهددةٌ؛ كأنها مبانٍ مشبوهة يجبُ تفجيرها وهدمها! أنتم تخدشون حياءنا بجهلكم بالتاريخ حين تغفلون أن مصر ظلّت قبطية مسيحية لستّة قرون قبل دخول الإسلام، وأن تهديد الكنائس وترويع المسيحيين مُجرّمٌ ومُحرّمٌ في شريعتنا الإسلامية، وفي كل دساتير العالم وقوانينه.
أنتم تخدشون حياءنا حين تسمّمون حياتنا وتمنعوننا من محبة أشقائنا المسيحيين وتحرّمون علينا أن نهنئهم في أعيادهم كما يهنئونا في أعيادنا. أنتم تقتلون البراءة في أرواحنا وتعلّموننا أن نبغض ونكره مثلما تبغضون وتكرهون، ولن نفعل.
أنتم تخدشون حياءنا، يا كل من أهان رموزنا العلمية والفكرية والأدبية، فهجروا بلادنا وذهبوا إلى بلاد تُقدّر فكرهم وعلمهم، فارتقت تلك البلادُ بهم، وخسرنا وخسرت مصرُ.
أنتم تخدشون حياءنا، يا كلّ من حقّر من قيمة الفنون الرفيعة في مصر، فبدأ الطلابُ يزهدون في أقسام النحت والتشكيل بكليات الفنون، وهرب الفنانون إلى بلاد تعرف قيمة الفن، فارتقت بهم، وخسرنا وخسرت مصرُ. أنتم تخدشون حياءنا يا كل من قال إن "الباليه فنُّ العُراة!!"، فصدّقكم العامةُ وخسروا أن ترتقي أرواحُهم بهذا الفنّ النبيل الذي يُجسّد عبقرية خلق الجسد البشري حين يحاكي الفراشات في وثباتِها بين الزهور.
أنتم تخدشون حياءنا يا كل من لا يرى في المرأة إلا مركز غواية متنقلا، فتدنسون ثوبنا الذي طهّره الله وجعلنا أمهاتٍ لعلماء العالم وعظمائه. أنت خادشٌ حياءنا يا من لا ترى في جسد المرأة إلا الشهوة والغرائز، فجعلتم البنتَ تكره كونها أنثى، بينما العالم المتحضّر يُكرّم المرأة ويُعلي قدرها العالي أصلا بأمر الله فجعلها مفكرةً وعالمةً وفنانة إلى جوار معجزة أن يُنتج جسدُها الضعيفُ جسدًَا بشريًّا آخر.
أنتم تخدشون حياءنا يا من ترون البراءةَ دنسًا، فتفتّش عيونكم، التي هي في أماكن أخرى غير رؤوسكم، عن القبح في الجمال، والدنس في الطُّهر، وتُسقطون علينا أمراضكم التي نحن بريئون منها، فتسقط مصرُ في وحل الشائعات والركاكات الرخيصة، فلا نعمل ولا نُنتج ولا نتقدم، ويقضي الناسُ نهارهم وليلهم في الثرثرة حول فستان هذه وسيقان تلك، بينما العالم من حولنا يقطع أشواطًا في مجالات العلوم والفنون والإنسانيات، وتهبطُ مصرُ في ويل الديون والرجعية.
أنتم تخدشون حياءنا حين لا تميّزون بين الواقع وبين الفن الذي يعرض أمراض المجتمع لكي يتطّهر منها. حين تفتّش عيونكم السقيمة عن الرذيلة من بين سطور رواية تنتقد الرذيلة، فتجهلون أن هذا الروائي أو ذاك يُسلّط الضوء على ما هو موجود في المجتمع لكي يُنقّي الثوبَ من الدنس. عيونكم تتوقف عند الدنس لأن فكركم انعكاسٌ لأرواحكم مثلما الفنون انعكاس للواقع بحلوه ومُرّه.
أنت تخدشون حياءنا حين تُسقطون علينا ما بكم من عوار وأمراض، وهي حيلة ذهنية دفاعية تجعل ضمائركم لا تتعذب بآثامكم فترموننا بها ونحن منها براء. فالغرائزيُّ الشهوانيّ يظن أن جميع الناس غرائزيون شهوانيّون مثله، فيرميهم بأمراضه؛ حتى يُطمئن نفسه أنه ليس وحيدًا في دنيا الرذيلة. لا يرى البراءة والنظافة في أي سلوك لأن عينيه المريضتين يملأهما القذى والقيح، فلم يعد بوسعهما أن تريا إلا القبح والركاكة. هذا يشبه ما تكلم عنه أرسطو فيما يُعرف بـ"التطّهر الأرسطي"، وهو معالجة الداء بالداء بأن يُفرّغ المريضُ المسمومُ سمومَه في قلوب الأنقياء، لكي يشعر بشيء من الراحة الوهمية والطُّهر الزائف، فيبرأ من بعض عذاباته.
 أيها الخادشون حياءنا، ارتقوا فإن القاع امتلأ.