لماذا سيحارب ترامب الإرهاب؟!

سامي عبد العال
2016 / 12 / 9

قد تكون هناك إجابةٌ ما لهذا السؤال. لكن- بخلاف الإجابات- تكمن أهميته في كونه اشكالياً. لا يحدد اتجاهاً معيناً، كما يُعقَّد مجموعة من الخيوط والمتغيرات. ناهيك عن دعوته المفتوحة للتفكير السياسي فيما هو واضح. فطرح العنوان بهذه الصيغة ربما لا مبرر له. نظراً لأنَّ أعمال الارهاب تحمل أسباب محاربتها وتضييق الخناق عليها. ولاسيما أنه(الاستفهام) ينقب عن مستقبل ظاهرة دينية باتت مؤرقة في العالم كله.
علينا التخمين خارج الإطار الاعتيادي لسؤال زمني. فالأسئلة الزمنية تلف رأس المتلقي كالقماش حين نتعصب به درءً لصداع نصفي. وترامب منذ أيام ترشحه الأولى إلى النهاية وهو يصر على إصابة متابعيه بهذا الوجع اللعين!!
فلم يفوت فرصة دونما التحدث عن محاربة الإرهاب، ملاحقته، تفكيكه، تدميره، تجفيف منابعه. واتجهت تصريحاته بهذا الشأن إلى جماعات وتنظيمات مثل داعش والقاعدة وجبهة النصرة. واتهم إدارة أوباما برعاية الإرهابيين وتدمير الدول العربية الربيعية لتمكينهم من السلطة. كما حدث مع تجربة الإخوان بمصر وتونس. وبهذا أطلق انتقادات حادة لهيلاري كلينتون باعتبارها شريكة في دعم الإخوان دولياً. وأنها كم ضغطت على المجلس العسكري بمصر آنذاك لأجل تسليمهم السلطة كاملة بقيادة مرسي. وظلت تضغط حتى جلس رئيس الاخوان على عرش الكنانة. ولم يمل ترامب الإشارة إلى مقاومة الإرهاب عوضاً عن تغيير الأنظمة العربية الحاكمة.
وفي هذا السياق تطرق ترامب إلى الدول الداعمة للإرهاب. وإن اعلنت مقاومته ظاهرياً مثل ممالك وإمارات الخليج. واعتبرها تحت الحماية الأمريكية وأنه عليها دفع الثمن باهظاً وإلاَّ سيتركها لمصيرها المجهول. بينما هناك دول أخري ما كان يجب التدخل في شؤونها ولا اسقاطها مثل ليبيا وسورياً. وترامب بهذه المسألة يقصد خلط الأهداف والمصالح وإعادة رسم خريطة ذهنية مختلفة. إذن: ماذا سيحدد وماذا سيقصي؟ وكيف سيخط الحدود الجديدة لجغرافيتها؟
لو سألنا متابعاً للأخبار بماذا تشعر حينما تتابع ترامب وخطاباته؟ سيقول أشعر بالدوار والالتفاف حول محور الأرض دون معرفة الاتجاهات. فقد اختلط الحابل بالنابل وبلغ السيل الزبى. والسياسة- كتعريف جديد- هي اخفاء المآرب بأكثر العناوين وضوحاً. بعبارة أخرى: كيف أربك حسابات المتابعين بواسطة كلام معين وأكثر دلالة إليهم؟ والسؤال بالأعلى من العجينة التي تشكل خميرة لعالم السياسة اليوم. فهل هناك دولة لا تحارب الإرهاب؟ هل يوجد نظام سياسي - حتى لو بالمريخ- لا يلاحق الإرهابيين؟ بل هل يوجد دولة لم تكتوِ بنار الإرهاب؟ أليست الأنظمة السياسية(خبراؤها- ورهبانها- وضاربو ودعها) تحاذر نار الإرهاب؟
إذن يبدو سؤال: لماذا سيحاب ترامب الإرهاب؟! سؤالاً ملغزاً. فهناك دول اُسقطت تحت هوامش استفهامية كهذه. العنوان السابق متخصص بإسقاط المجتمعات وليس الدول فحسب. حالة العراق المأزوم الآن والأكثر فوضوية لهي أقرب الأمثلة عليه. إنه كلام براق إلى درجة الاعجاز العولمي. ونحن العرب نعاني سطوع الشمس أربع وعشرين ساعة وليس فقط ساعات النهار. نحن مجتمعات شمسية نراها حتى بعد غيابها. ولهذا يخاطبنا ترامب بعبارات شمسية توافق مزاجنا الشرقي الأصيل.
ها هو يؤكد: ماذا نريد بالتحديد؟ والغريب أن أية إجابة لن تكون إلا كما يريد أيضاً. فهل يوجد عاقل لا يحاب الإرهاب؟ وبالتالي الإجابة معروفة سلفاً. وهنا بداية الخيط لفهم كل هذه الاسئلة. لأنها مكتوبة بلغة ناعمة فوق مستوى الإدراك. فلن تطلب إجابة بعينها هذه المرة، لكنها ستفرض علينا استجابة من نوع ما.
ومحاربة الارهاب لا تنتظر أنصاف حلول أو جميعها. فالأنصاف تتلاقى على أرض الواقع الزلق. ذلك بموجب إلقاء الأسئلة التي نريد سماعها نحن العرب. ويريد العالم كله أن يسمعها في هذا التوقين بالذات. وهو توقيت مضبوط العقارب على ساعات الإرهابيين. فلا يكاد يمر جزء من اليوم دونما سماع أخبار الأعمال الإرهابية. ولا يكاد يمر الجزء الآخر من غير متابعة سير الارهابيين وضحاياهم ومخططاتهم.
طبعاً بقاع العالم توحدت في ذروة ساعات الارهاب لسماع التوقعات الدموية هنا أو ناك. ماذا يعني رئيس منتخب لتوه ويريد محاربته؟ يريد القول أنا اعرفكم تعانون من شيء نعانيه نحن. أنتم ونحن في سلة واحدة، قضيتنا واحده وهدفنا واحد. وأنا(ترامب) المنقذ لكم من شر ملأ الكون والتاريخ الراهن. وأنه لو بقي الحال كما هو لن يجد من إدارتي إلا حرباً طاحنة في كل مكان.
يريد ترامب التأكيد ها أنتم بالمقابل تعرفونني... أنا آخر المحاربين الأشداء للإرهاب!! ولن تجدوا سواي يتصدى له بجسارة منقطعة النظير. أنا معكم فيما تتوقعونه من أكبر رئيس دولة معاصرة. وحتى إذا كنتم تقولون أنها دولة صانعة للمؤامرات فأنا انفي هذا الرأي حالاً. فلتثقوا بي دوماً على تقديم البراهين إزاء ذلك. في خضم الخطاب بهذا المضمون يخطف المتحدث(ترامب) وعي المتلقي. بدليل أن الكلام نفسه يحمل طلب التصديق به. وهذا أمر مصوغ بعتاد فكري يدرك مع من يتحدث بالضبط. وإيلام يهدف من وراء كلامه؟ وكيف سيحقق رمي الكلمات داخل شباك مرماهم مباشرة(مرمى المتابعين)؟! إنها "عملية نصب" كاملة الأركان على أكثر من صعيد.
الصعيد الأول: الرمي في اتجاه آخر بخلاف الحقيقة. فهناك ارتياب كبير حول أمريكا وما تفعله بالإرهاب. أنها الجدار الخلفي لكل أدارة تتعامل مع هذا الملف. وبالتالي سيكون ترامب داخلاً في دائرة الشك أيضاً. وسيلحق به كل تعليق على إدانته للإرهاب والعنف. والأهم أن هذا المعنى لا يشير فقط إلى الموقف من الرهاب إنما إلى من يصنعه ويوفر له الأجواء العولمية للنمو أيضاً. وبما أن أمريكا أكبر قوى في هذا المضمار فلن يخطئها الشك يوماً. لأن انتشار ظاهرة كهذه تخلق أعداءها تلقائياَ. من هنا وضع رئيس أمريكا المنتخب محاربة الإرهاب كأولوية على أجندته بالخارج. ليستمر في تزييف الوقائع راسماً صورة لإدارته الجديدة على شاكلة مختلفة.
الصعيد الثاني: اعتبرت أمريكا الارهاب "مكنسة كهربائية". أي انقلب لديها من موضوع يتطلب دراسة وفهماً وتحليلاً إلى آلية وذريعة بشكل ما. فما الذي يضمن ألاَّ يستعمله ترامب بتلك الطريقة مستقبلاً؟ وخاصة أن أمريكا كنست مجتمعات كالعراق وسورياً على النحو السابق. وكانت لها أغراض ومصالح أخرى بخلاف الإرهاب فوق الأرض. وهنا سيتضح التوظيفات المزدوجة للإرهاب. فهو من ناحية أولى يترك آثاره في المحيط الحادث فيه وهو من ناحية ثانية يؤدي مهاماً مسموحاً بها. كما أنه من ناحية ثالثة يدمر نفسه، يستنفد بعضه البعض.
ثمة فكرة أتصور أن ترامب سيأخذ بها. هي أنه مع كل كوارث الارهاب سيكون هناك تأمين لمصادر الطاقة والتجارة والاقتصاد والأسواق في الشرق الأوسط. وبالتالي يبدو الإرهاب من حيث كونه مصدراً للدمار والحروب كذلك سيعد مصدراً لانتعاش اقتصادي. والتلاعب بالقيمة التداولية للدولار ورفعها إلى أكبر المستويات. فرغم أن الشرق الأوسط اشتعل صراعاً دموياً أثناء الربيع العربي وبعده إلاَّ أن النفط ظل منخفض السعر. بينما العكس هو ما كان يجب أن يكون. كيف لبرميل النفط أن يهبط سعره وهو آت من مناطق النزاع والحروب؟! الموضوع كأنه لغز يصعب فك شفرته.
الصعيد الثالث: لم تقض أمريكا يوماً على الإرهاب بمفرده بل تخترق المجتمعات وصولاً إلى الإرهابيين. وبهذا فهي تحدث الخسائر قبل أية ارباح. ويغدو الارهاب طريقاً مهماً أشبه بالطرق التجارية والاستعمارية القديمة. كطريق رأس الرجاء الصالح المار حول القارة الافريقية وكذلك طريق الحرير المتوغل وسط آسياً بالغاً دول شرقها. ولهذا سيكون الارهاب بالنسبة لترامب على نفس خطورة مسمار جحا. حتى يدعم امبراطورته المالية السياسية. وكذلك حتى يحرس اسرائيل من أية تهديدات ممكنة. وف ي كل هذه المراحل سيقول أيضاً: نحن نحارب الإرهاب.
الصعيد الرابع: غدا الارهاب خطاباً وليس حدثاً فقط. وربما ذلك أكبر انقلاب رمزي لفهم العالم والقوى التي تستوطنه شرقاً وغرباً. لنلاحظ أن الدول التي تتحدث عنه هي صاحبة النصيب الأوسع من مصالح في الشرق الأوسط. إن تفجير الطائرة الروسية فوق سيناء كان نموذجاً لهذه الفكرة. فما إن سقطت الطائرة هبت رياح الخطابات المنددة بحالة المطارات المصرية.
ومن كل حدب وصوب سمعنا أن مصر بلد غير آمن. في هذه اللحظة اعلن تنظيم داعش عن تبنيه للعملية ورفض الافصاح عن الكيفية. وبالإمكان تصديق كلامه وبخاصة أن كل شيء ماشي في ظل الفوضى. حيث لا اثبات هناك ولا يوجد من يستطيع الجزم بذلك من عدمه. وهنا ظهر الخطابان( البريطاني والأمريكي) لركل المسألة بما يحقق الضغط على النظام المصري. واعلنا أن مصر تشكل خطراً على السياح وأن شبكات الأمان فيها مخترقة. وناشدت كلا الدولتين مواطنيها بمغادرة البلاد. وهب الإخوان من طرف بعيد حيث فهموا الشفرات وراء ذلك. ليرددوا أن المطارات في ظل الانقلاب غير آمنة. فعلى حد قولهم: الأمن متفرغ لمحاربة الإخوان وقمع الشعب دونما الالتفات إلى السياحة. وهناك من أعتبر الحادثة شراً لا بد منه نتيجة خطيئة النظام المصري نتيجة قتل الثوار. والأمر لا يعدو أن يكون عقاباً إلهياً للاقتصاص من الروس والمصريين جنباً إلى جنب.
المحصلة أن جميع هذه الملابسات والتصريحات تعتبر –ضمنياً- أن تفجير الطائرة نموذجاً قابلاً للتكرار repeatable model. بمعنى أن خطابات أمريكا وبريطانياً تضرب موعداً سلفاً مع كل حادثة إرهابية. ذلك ما يفهمه الارهابيون نظراً لكونهم يريدون نفس الصدى وردود الأفعال من دول العالم. والتبادل الخطابي بينهم يجعل النماذج غريبة وممعنة في العنف. طالما أن القوى الكبرى تستثمرها على أكثر من اتجاه حيث سيأتي ترامب ماراً على ذات الطريق،... إنه طريق الحرير الجديد!!