11 الحلقة الثانية من المذهب الظني

ضياء الشكرجي
2016 / 12 / 9

11 الحلقة الثانية من المذهب الظني
ضياء الشكرجي
dia.al-shakarchi@gmx.info
هذه هي الحلقة الحادية عشرة من مختارات من مقالات كتبي الخمسة في نقد الدين، ونحن ما زلنا مع مقالات الكتاب الأول «الله من أسر الدين إلى فضاءات العقل»، وخصصت ست مقالات من العاشرة حتى الخامسة عشر لمبحث (المذهب الظني) الذي يعرض لعقلاء المتدينين الذين يراوحون بين إيمانهم بإلهية الدين وبين احتمال بشريته، راجيا الصبر عليها ممن قد لا يرى أنها تعنيه، لحين البدء بالتأسيس للاهوت التنزيه (عقيدة الإيمان العقلي اللاديني). [أدناه ما كتبته عام 2007، ولو كتبته اليوم، لغيرت الكثير من مفرداته، رغم إيماني بمضامين معظم ما كتبته آنذاك، باستثناء ما نسخته عقيدة التنزيه. فواضح أني ما زلت في هذه المرحلة متأثرا بأدبيات خلفيتي الدينية لاسيما بأدبيات القرآن.]

المذهب الظني - (العقلي/التأويلي/الظني) - الإسلام الجديد
باسم الله أجمل الأسماء، باسم الله الرحمان، وباسم الله الرحيم أستفتح، وبه أستعين، وباسمه أقرأ وأكتب، أقرأ باسم ربي الذي خلق، خلقني، وخلق عموم الإنسان من علق، أقرأ وربي الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وعلمني ما لم أعلم، وأكتب باسم الذي لولاه ما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعله روحا بأمره ونورا يهدي به من يشاء من عباده إلى صراط مستقيم، أو إلى ما هو أقوم من السبل، والحمد لله الذي هداني إلى ما لم أكن لأهتدي إليه لولا أن هداني الله، وإن كنت ما أزال وسأبقى أعيش قلق الاهتداء إلى ما هو أصوب، وما هو أقوم، وما هو أرضى له سبحانه. الحمد لله الذي كنت ميتا فأحياني وجعل لي نورا أمشي به في الناس. باسمه سبحانه وتعالى أستفتح هذا المشروع، الذي سيعتبره البعض ضلالا وارتدادا وكفرا، بينما أطمع أن يكون في حسابات الله اهتداءً ذاتيا وهداية لغيري، إلى ما يقربنا من الحقيقة، التي لن نبلغها بالمطلق، بل إن كلا سيكتشف جزءً آخر منها، حتى آخر شوط من مسيرة المجتمع الإنساني، وحتى يلقى كل ربه بعد طول كدح إليه، يلقاه وهو على نفسه بصير، ولو ألقى المعاذير، فيما يعمل وفيما يترك، فيما يفكر وفيما يعبر، وفيما يُصدِّق وفيما يُكذَّب، وفيما لا يحسم أمر تصديقه أو تكذيبه، والحمد لله الذي يثيبنا على صدقنا، ويغفر لنا خطأنا، ولا يكلفنا ما لا طاقة لنا به، ولا يؤاخذنا إن نسينا أو سهونا. والحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، الذي أحسن كل شيء خلقه، وقدر لكل شيء أجله.
منذ غادر نبي الإسلام الحياة الدنيا، مودعا أمته، راحلا إلى الرفيق الأعلى [حسبما تروي عنه كتب السيرة والحديث]، وتعدد المذاهب والفرق والمدارس والرؤى والاجتهادات لم يتوقف عند حد. فكانت مدارس متعددة في عقائد الإسلام، التي هي أصول الدين، أو ما يسمى بعلم الكلام، وكانت المذاهب الفقهية التي لا تحصى، رغم إغلاق أهل السنة لباب الاجتهاد، لكنه بقي مفتوحا على نحو ما وبعناوين أخرى، هذا الإغلاق لباب الاجتهاد الذي كان قرارا سياسيا أكثر منه فقهيا أصوليا، وهكذا نرى اجتهادات فقهاء الشيعة وتنوعها واختلافها في معظم المسائل لم تقف عند حد، والتي تجاوزت الاختلاف الفقهي إلى العقائد والتفسير والفكر السياسي، إضافة إلى المدارس والمذاهب والتيارات والأحزاب الإسلامية السياسية، كما هناك المدارس الفكرية والفلسفات المتعددة والمتنوعة.
وبعد، فهذا كتاب [حسب مشروعي آنذاك] يصوغ فهما جديدا، ولا نقول مذهبا، لأنه ليس مذهبا بالمعنى التقليدي للمذاهب، ولا على نحو ما صيغت به المذاهب، إذ أنه لا يهمه الخوض في جزئيات المسائل الخلافية في قضايا الخلافة والإمامة، بل هو يريد أن يقدم مخرجا من مأزق يعيشه صنفان من المسلمين الملتزمين، أو الراغبين في الالتزام وفق تصور محدد؛ الصنف الأول أو الفريق الأول هم أولئك المسلمون الباحثون عن فهم وممارسة للإسلام ينسجمان مع أسس العقل والعقلانية والمثل الإنسانية، والفريق الثاني، والمنطلق من جهة من نفس المبدأ الذي انطلق منه الفريق الأول، والمنتهي من جهة أخرى إلى نتيجة مختلفة، ألا هم أولئك المسلمون غير الحاسمين أمرهم في التسليم بكون الإسلام يمثل وحي الله، وإن كانوا من جهة لا يستبعدون ذلك تماما، لكنهم يعيشون أبدا قلق البحث عن الحقيقة، ولذا يراوحون بين الشك واليقين، فلا شكهم يجعلهم يسلمون لكل مفردات ما وجدوا بين أيديهم من دين ورثوه عن آبائهم، بما فيه من عقائد وشرائع، ولا يقينهم يسمح لهم بالتخلي عن كل ذلك الاعتقاد والتسليم والالتزام.
وسبب قلق البحث الذي يعيشه الكثير من هؤلاء هو صفاء نفوسهم وتوقد عقولهم، بحيث إنهم عندما يقفون أمام شبهة تعارض بين بعض مقولات الإسلام وبين ضرورات العقل الفلسفي (العقل)، والعقل الأخلاقي (الوجدان والضمير وأسس العدل)، والعقل العملي (العقلانية والحكمة)، يستبعدون أن يكون الله سبحانه وتعالى هو مصدر دين يشتمل على كل ذلك التعارض. ولكن كلما وجدوا أنفسهم أمام حجج أخرى دامغة أو تبدو لهم كذلك، ومقولات تنسجم كليا مع تلك الضرورات، يجدون أنفسهم أمام حقيقة لا يمكن - بحسب قناعتهم - إلا أن تكون صادرة عن الله سبحانه. وهم في كل ذلك لا يستبعدون أن تكون حيرتهم وشكهم وعدم قدرتهم على فهم ما لديهم من تساؤلات، إنما هو ناتج عن قصورهم، وليس بالضرورة قصور الدين، والقصور معذور عند الله في كل الأحوال.
يقين هؤلاء أو ظنهم الراجح يجعلهم يحرصون على ألا يتركوا ما يترتب على الإيمان بالدين من التزامات، وشكهم يجعلهم لا يرون أنفسهم منشدين عقليا وبالتالي روحيا إلى بعض ما يجب عليهم فعله أو قوله، لاسيما في عباداتهم. فهم عندما يعيشون هاجس أن يكون الإسلام ربما مجرد نتاج بشري، ولكن من غير حسم لهذه القناعة، لأن الحسم قد يوقعهم في ترك ما قد ينبغي الالتزام به اعتقادا والتزاما، إذا ما صح بالنتيجة احتمال صدق نبوة نبي الإسلام التي لم يستبعدوها كليا. فمن جهة لا يجد أكثرهم مشكلة في أنهم يعيشون نوعا من الشك، لأنهم يعلمون أن شكهم ليس شك عناد ومكابرة، بل هو شك ناتج عن إعمال للعقل وتأمل وتدبر، مما يحبه الله، أو بتعبير آخر هو شك ناتج عن قلق البحث عن الحقيقة، أو هو شك قصور منهم كما مر ذكره، وهم يوقنون أن الله بعدله ورحمته لن يؤاخذهم على هذا النوع من الشك وتبعاته. لكنهم بسبب تقواهم الناتجة عن علاقتهم الحميمة والصافية مع الله سبحانه، يريدون، ما زالوا لم يحسموا أمرهم سلبا أو إيجابا تجاه دين الإسلام، أن يجمعوا بين لوازم الإيمان، إذا ما تبين صدق الدين، وبين تمسكهم بالصدق مع أنفسهم ومع الله في عدم مزاولة ما فيه معنى الحسم واليقين، في الوقت الذي لا يملكون هذا الحسم ولا ذاك اليقين، كي لا يقعوا فيما يشبه النفاق.
ويتجلى موقفهم هذا في أنهم يتوقفون في صلاتهم عند الأمور الآتية، فيتخذون منها موقف اللاحسم، فلا هم مسلّمون بثبوتها، ولا هم جازمون بنفيها:
1. ما له علاقة بالإقرار بنبوة محمد وإلهية مصدر القرآن والدين الإسلامي، وعلى رأس ذلك الإقرار المعبر عنه بالشهادة الثانية بقول «أشهد أن محمدا رسول الله» في الأذان والإقامة، والإتيان بكل من العبارات الثلاث في التشهد؛ بعبارة «وأشهد أن محمدا عبده ورسوله»، وعبارة «اللهم صل على محمد وآل محمد»، بهذه الصورة المختصرة، أو بصيغة الصلاة الإبراهيمية، وأخيرا عبارة «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته».
2. قراءة سور من القرآن فيها ما هو من الممكنات العقلية، وليس من الواجبات العقلية. وحيث أن الممكنات مما يمكن أن تكون أو لا تكون صادقة في آن واحد، وإنما يتوقف التصديق بها على التصديق بمصدرها، لا يجدون أنفسهم منسجمين مع النطق بإقرارها، وهم في شك منها.
وحيث إن الإقرار بصدق مصدرها يعني الإيمان أن الإسلام يمثل وحي الله سبحانه ودينه، لأن ذلك لم يحسم عندهم، يجدون أنفسهم على مسافة من الصدق عندما يأتون بألفاظ على أنها من المسلَّمات، وهي ليست كذلك عندهم، وإن كانت من الممكن أن تكون كذلك، لأنهم يعتقدون أن ما يحسب عند الله ليس بمقدار ما يصيب الإنسان به من الصواب، بل بمقدار صدق الإنسان مع نفسه ومع ربه، لأنه إذا كان صادقا وأخطأ، سيغفر له الله له خطأه، ويثيبه على صدقه، باعتبار أن إخطاء الصواب ناتج عن قصور، ومجانبة الصدق ناتج عن تقصير واضح وتعبير عن مخالفة لا شك فيها، والقاصر معذور عن قصوره، والمقصر محاسب عن تقصيره، على وفق المعايير العقلية - وبالتالي بالضرورة الإلهية - للعدل.
بالنسبة للمسألة الأولى فيمكن ترك ما يعتبر مستحبا، لجواز ترك المستحب، باعتباره تكليفا ترخيصيا، وليس إلزاميا، أي مما يمكن الالتزام به أو تركه. ولكن ما كان واجبا، أي تكليفا إلزاميا، فيقف مثل هذا المؤمن بالله، الموحِّد له، العابد له، ولكن غير الحاسم لصدق الدين المفترض نزوله إلى إنسان نبي مرسل من الله عن طريق الوحي، أي بين ترك ما تتوقف الصلاة على صحته، مما لا يريد أن يقع فيه، ما زال يحتمل أن الإسلام هو دين الله، وبين عدم صدقه بين يدي الله في عبادته له، من جراء التلفظ مقرا بما لا يقين له به. وهذا الإشكال هو مما يحاول هذا المذهب معالجته، لمساعدة مثل هؤلاء المؤمنين، كي لا يحرموا أنفسهم من لذة مناجاة الله وعبادته عبر الصلاة بكل فلسفتها الرائعة، وربما يخسرون بذلك ثوابا من الله بترك هذه الصلاة التي يمكن أن تكون واجبة عليهم. وبالتالي يصوغ هذا المذهب صلاة يمكن تسميتها بـ «صلاة اليقين»، لكون المصلي لا يأتي فيها إلا بما يؤمن به على نحو اليقين، ويترك أو يعالج ما هو في مستوى الاحتمال أو الظن أو الشك، أو بـ «صلاة الصدق»، لصدق المصلي بين يدي ربه بكل ما يلفظ به، أو بـ «صلاة الصدق واليقين»، كتسمية جامعة، أو بـ «صلاة المذهب الظني».
أما بالنسبة للقرآن، فإن هذه المدرسة في فهم الإسلام للمؤمنين به بدرجة، والشاكين به بدرجة، فتختار لهم أن يقرأوا في صلواتهم منه ما يكون صحيحا بضرورة العقل، حتى لو ثبت أنه لا يمثل وحيا إلهيا، بل هو اجتهاد بشري، أو هو وحي ذاتي، آمن صاحبه صادقا بأن مصدره الله.
هذا الفهم للدين، وهذا اللاحسم، وهذا الصدق مع الذات وبين يدي الله في الإقرار بما يكون الإنسان متيقنا من صدقه، والثقة هذه وحسن الظن هذا بعدل الله ورحمته، هذه الفلسفة الجديدة للدين، وهذا المذهب، وهذا الإسلام لا يتخذ لنفسه اسما خاصا، بل يمكن التعبير عنه بأنه:
- إسلام الشاهدين بألا إله إلا الله.
- إسلام الموقنين بالتوحيد والعدل والمعاد.
- إسلام غير الموقنين بالنبوة، لكن غير المستبعدين صدقها.
- إسلام الشاكّين بالنبوة، غير الجازمين بنفيها.
- إسلام الموقنين بالضرورات العقلية، من غير حسم لإثبات أو لنفي الممكنات العقلية من مقولات الدين.
- إسلام العقلانية والإنسانية.
- إسلام المؤمنين بتأصيل مرجعية العقل.
- إسلام المعولين على العقل والضمير الإنسانيين.
- إسلام المرتكزين على ركيزتي الصدق واليقين.
- إسلام دعاة تنقيح الدين.
- إسلام الموقنين بعدل الله ورحمته.
- إسلام الرافضين للإسلام السياسي.
- إسلام الديمقراطيين العقلانيين الإنسانيين.
- إسلام رفض الخرافة والتعصب والتطرف والعنف.
- إسلام حب الخير لكل المجتمع الإنساني.
- إسلام الحب والسلام والجمال والخير.
- الإسلام العقلي/الظني/التأويلي.
بالنسبة لي فقد حسمت قراري بانتمائي إلى هذا المذهب في شهر تموز عام 2007 [واستمر التزامي به إلى [ما يتراوح بين تشرين الأول و] كانون الأول 2007 أو [كأقصى احتمال] كانون الثاني 2008، بعدما حسمت خياري لعقيدة التنزيه، بمعنى تنزيه الله من الدين، عبر مرحلة بينية، هي مرحلة إمكان التفكيك بين الإيمان والدين. هذا مع إنه يمكن لغيري أن يمثل المذهب الظني التزامه الدائم، أو لحين طروء متغير على قناعته. ومن الدوافع لهذا القرار [في حينه]، إضافة إلى ما بينته، هو أني [كنت أفكر بأني] لم ولن أملك العمر الكافي من أجل التحري والبحث الدقيق والدراسة المستفيضة المعمقة الشاملة، من أجل الوصول إلى حسمٍ يقينيٍّ [وإن كنت قد حسمت خياري لاحقا].
وهذا الإسلام، أو هذا المذهب الظني لا علاقة له بإشكاليات المذاهب القائمة، ولا يتأطر بمذهب محدد، ولكنه قد يجد نفسه أقرب إلى مقولة لمذهب عقائدي أو مذهب فقهي أو مذهب تفسيري أو مذهب سياسي من مذاهب الإسلام القائمة، بسبب التقائه مع أي منها في أسسه ومتبنياته، أو قد يجد نفسه أقرب إلى فهم أو فلسفة بشريتين غير دينيتين. وهو بالتالي يحترم خيارات أتباعه أنفسهم بالتعويل على مذهب أو آخر في بعض التفاصيل، إما بسبب خلفية الأتباع المذهبية، أو بسبب قناعاتهم التي تكونت لديهم عبر تأملاتهم، وهو لا يلزم أحدا في تبني كل متبنيات المذهب، لأنه يعطي للعقل فسحة التأمل وحرية الاختيار، ويتخلص من مشكلة الانتماءات التاريخية للمذاهب من خلال تبنيه للتأويلية والتبعيض، فأينما استطاع أتباع المذهب تأويل مقولات مذهب ما إلى ما ينسجم مع متبنيات المذهب العقلي، ببعديه؛ العقل الفلسفي والعقل الأخلاقي، يمكن لهم اعتمادها، ثم مبدأ التبعيض يسمح لهم باختيار ما يرون من أحكام شرعية مستنبطة من المذاهب والفقهاء، بما يرونه أكثر انسجاما مع أسس المذهب، أو مع قناعاتهم، وحتى لو اختار أحدهم التعويل بشكل أساسي على مذهب من المذاهب الأربعة، أو على اجتهاد فقيه من فقهاء الشيعة، ثم توقف عند مسألة من استنباط ذلك المذهب أو الفقيه، لتعارضها مع أسس المذهب العقلي التأويلي، أو لعسرها، أو لتعارضها مع ثوابت الإسلام، أو ضرورات الإيمان العقلي، فيما يرى الالتزام به منها، فيكون الحل بالنسبة له باستخدام رخصة التبعيض في الاتباع، أو ما يسميه الشيعة بالتبعيض في التقليد، فيأخذ بفتوى فقيه أو مذهب آخر فيما يتعلق بتلك المسألة. [بل يجوز له التعويل على فهمه واستحسانه هو.]
نعم قد أجد نفسي [أو وجدت نفسي آنذاك] كمؤسس أقرب إلى مدرستَي المعتزلة والإمامية في العقائد بسبب كونهما [حسب قناعتي آنذاك] مدرستين عقليتين، دون الالتزام بكل تفاصيل مقولاتهما العقائدية، وكذلك قد أرى نفسي [أو هكذا كنت أرى نفسي، بأني] أقرب إلى أئمة أهل البيت، لأني [كنت] أجدهم مجسدين أكثر من غيرهم للعقلية والعقلانية والإنسانية والفهم الفلسفي للتوحيد [لكن لو كنت قد تجردت كليا، لكنت ربما قد وجدت مذهب المعتزلة هو الأقرب إليّ]. المهم إن هذا المذهب [المذهب الظني] لا يلزم أتباعه - إذا صح مصطلح الأتباع - بثوابت نهائية، كما تفعل الأديان والمذاهب غالبا، على أقل تقدير على وفق فهم الناس لها، باستثناء اعتماد أسسه من العقلية، والتأويلية، والظنية، وإن كان لا يقتصر على الظنيين، بل يستوعب العقليين التأويلين الحاسمين أمر اعتقادهم بالإسلام دينا إلهيا، إضافة إلى أسس النسبية والاعتدال والعقلانية والإنسانية.
ثم إن المذهب العقلي/التأويلي/الظني هذا، يعتمد التجزيئية، فهو في الوقت الذي يحاول محاولة بشرية ناقصة أن يحدد ملامح كل من العقيدة والشريعة والمفاهيم والأخلاق، غير معني بإلزام الفرد بالأخذ بكل متبنياته أو بعضها، أو بالأخذ بالجانب النظري، دون العملي، باستثناء البعد الأخلاقي في التشريعات. لأن المذهب لا يتبنى ثقافة التكفير ولو ضمنيا، بحيث يحكم على إيمان الإنسان من خلال التزاماته، لاسيما تلك ذات البعد الشخصي، كالعبادات والمعاملات الفردية، أي التي لا يكون فيها طرف آخر، كأحكام الطعام مثلا. وهذا يتأتى من مبدأ النسبية الذي يقول أن الإيمان نسبي والالتزام نسبي، كما أن الكفر نسبي واللاإلتزام نسبي، وإلى الله مرجعنا جميعا فينبئنا بما كنا نعمل وما كنا فيه مختلفين.
يتبع في الحلقة القادمة.