بداية رواية السجن في فلسطين -المفاتيح تدور في الأقفال- علي لخليلي

رائد الحواري
2016 / 12 / 7

بداية رواية السجن في فلسطين
"المفاتيح تدور في الأقفال"
علي لخليلي
الحديث عن أول عمل روائي فلسطيني يتحدث عن المعتقل/السجن، وكيفية التحقيق من قبل المحتل، يوجب علينا أن نحترم من قام بكتابة هذه الراوية ونوفي له حقه كاملا كمبدع روائي استطاع أن يكتب أدبا روائيا في زمن عز فيه رواية الاعتقال، وحتى كتابة الراوية الفلسطينية بشكل عام، العقد السابع من القرن العشرين كان الانتاج الروائي الفلسطيني محدود ومقتصر على اسماء محددة، لكن "على الخليلي" الشاعر أراد أن يوثق تجربة الاعتقال ويقدمها لنا بشكل روائي وليس بقصيدة.
يبدأ الراوي روايته بسرد سريع وبوتيرة عالية، بحث يجد المتلقي بداية الراوية تعكس حالة الاضطراب التي يمر بها الراوي، والتي تواكب حالة السجين الذي يخضع فيه المعتقل لعمليات تعذيب جسدي ونفسي، وهذه حالة الطبيعية يمر بها كل من يخضع للاعتقال والتحقيق عند محتل لا يعرف سوى البطش والقهر.
"انجليز، العرب جرب، الدنيا قائمة والعرب نائمة، انجليز ينتشرون مثل القمل والملاريا والسل، بريطانيا العظمى، الله أكبر والعزوة للعرب، ولندن مربط خيولنا، طز، مشايخ وزعامات، تحت اللفة، ليرات ملتفة، إن ينصركم الله فلا غالب لكم، ضب لسانك، مشانق، انجليز، الموت ولا المذلة" ص6 يأخذ هذا الشكل من السرد خمس صفحات، وهو يعكس حالة الغضب والاضطراب والقهر الذي يمر به الراوي، فالإحباط من العرب، وخيانة الانجليز، كلها حاضرة في هذا السرد، ونجد هناك ذكر لعز الدين القسام: "أما عز الدين القسام فقد استشهد وحده مثل وطن بكاملة" ص7، وهناك اشارة إلى حالة التخلف عند الفلسطيني، وكيف نظر للحركة الصهيونية نظرة دونية، مستهترا بقدراتها وقوتها العسكرية:
"ـ بقباقيب نساءنا نطردهم.
ـ نساؤنا حافيات يا بعجر
ـ لو بصق كل واحد منا بصقة، اغرقناهم جميعا." ص7، كأن الراوي يتهكم على النظرة الفلسطينية/العربية لقوة دولة الاحتلال، ويريدنا أن نتحدث/نقيم تلك الدولة حسب قدراتها الواقعية، وليس حسب ما نريد، حسب تفكيرنا المغلق على ذاتنا.
ومن مظاهر الحنق على الواقع الفلسطيني ، قصة الرجل الذي اخذ مسدس من انجليزي وأطلق منه الرصاص على خزان طائرة وملأ ولاعته من خزان الطائرة: "...نفذ البنزين من ولاعته التي غنمها عن جدارة وشجاعة في احدى المعارك العنيفة من جيب ضابط انكليزي مقتول، فحمل مسدسه الذي غنمه هو أيضا في معركة أخرى، وخرج به إلى الجبل، حتى إذا ظهرت له طائرة هادرة مغيرة، أطلق رصاصته الوحيدة نحو خزان وقودها، فأصابه فورا، فتدفق البنزين منه، وملأ جوف ولاعته" ص9، بهذا الشكل يصب الراوي لجام غضبه وحنقه على طريقة تفكير المجتمع الفلسطيني الذي يخضع لأذكى وأدهى احتلال مرت به البشرية، فكيف يمكن أن ينتصر شعب/مجتمع يفكر بهذه الطريقة الساذجة؟
مؤشرات على غضب الراوي
الحيوانات والحشرات
هناك مؤشرات في الرواية تمثل حلة الغضب التي يمر بها الراوي، فمثلا عندما يكون الشتم والسب والكلام العامي البذيء في النص يشير إلى ما يعانيه من ضيق وحصار مفروض عليه مما يجعلنه يفرغ الاحتقان بالشتم والسب، وهناك شكل آخر أقرب يتمثل في ذكر الحيوانات والحشرات التي من خلالها يشير إلى قرفه من الواقع.
الراوي في هذه الرواية يظهر لنا غضبه من خلال ذكر الحيوانات والحشرات فيقول: "أن العصافير والقطط والكلاب والفئران والذباب والدود يهرب من الثلج البغيض ويكتسب الدفء في ما وراه" ص19، فهذا الكلام يشير إلى حالة الغضب والقهر التي يمر بها الراوي، وإذا ما تتبعنا بداية حديثه سنجده بدأ بذكر العصافير الجميلة، لكنه يستكرك حالته وينتقل مباشرة إلى القطط والكلاب..، وعندما يحدثنا عن منزله المتواضع جدا، والذي يفتقد لأبسط مكونات المنازل ـ الحمام ـ نجده يتحدث أيضا بحالة من الغضب والعصبية المفرطة: "بيتنا بلا حمام أو دورة مياه، نحن نفعلها، بلا استثناء في الجبل، والجبل ضخم هائل يكتم كل الأسرار، بيتنا تدب فيه العقارب وأفراخ الأفاعي والعناكب وأمات أربع وأربعين والفئران والصراصير والسحالي والابارص" ص26، يحدثنا الراوي عن وضعه الاقتصادي البائس من خلال الحديث عن البيت الذي يقطنه، فهو يطرح وضعة الاقتصادي الطبقي من خلال هذه السرد، وكأنه يقول لنا أنا الفقير اتكلم بهذه الحدية وهذا الغضب لأني أرفض أن أعيش في هكذا وضع. وهنا نستشف الطرح الطبقي والفكر الاشتراكي الذي يحمله الراوي، وهذا ما سنتحدث عنه لاحقا، عندما يحدثنا عن فكرته عن الأغنياء والتي تتماثل مع الفكر الاشتراكي الذي يقسم المجتمع إلى اغنياء وفقراء، إلى عمال/فلاحين وملالك أصحاب رؤوس الأموال.
المعتقل والتحقيق
كما قلنا حالة الغضب التي بدأ بها الراوي سرد الأحداث استمرت في بقية اجزاء الرواية، فموضوع الاعتقال والتعذيب والتحقيق موضوع يثير الراوي ويجعله مضطربا ومقهورا، وكما قالت "عائشة عودة" في روايتها "ثمنا للشمس" : "أن الحديث عن الألم هو تعذيب إضافي للنفس" فليس من السهل على من عذب وقهر أن يحدثنا عما مر به، فهو يعيد ذكريات مؤلمة وقاسية تسبب له حالة من الإكتاب، من هنا سنجد الراوي عندما يتحدث عن المعتقل والسجان سيكون مضطربا وغاضبا ومتوترا.
"دارت المفاتيح في الأقفال، فتح الشرطي باب الزنزانة نادى محمد حمدان بعجر, وقفت، دفعت بقدمي في فردتي حذائي، إلى أين؟ لم يجب الشرطي، أمسك بقيضتي وراء ظهري وأغلق الكلبشة على معصمي، .. دفعني شركي بالمفتاح في الكلبشة، فانكسر فيها، ....خذه إلى المشغل، وأغلق الباب بعنف، في المشغل، تركني الشرطي لدى ثلاثة وجوه ملطخة بالشحمة والسواد، اقتربوا مني معا، وشدوني إلى عجل كربائي مشرم، قاومتهم وصرخت: قد يخترق ذلك ظهري كله، لطمني أحدهم على وجهي، ثم عادوا شدي إلى العجل الذي يدور بسرعة مجنونة، صحت: هذا لحمي، ضحكوا" ص29و30، يحدثنا الراوي بدون تكليف، فهو يتحدث عن حالة قاسية ومرة، ولهذا نجده يستخدم كلاما عاديا، ليس فيه تجميل، فهو يريد فقط إيصال المعلومة/الحدث إلينا.
فنجده يركز على لمعاملة القاسية التي عومل فيها من قبل المحتل، إن كان من خلال ربط يديه للخلف، أو من خلال كسر مفتاح الأصفاد من خلال دفعه بقسوة، ونجد أيضا طريقة قطع الأصفاد وكأن المعتقل هو حيوان وليس إنسان، من هنا وجدنا من يقموا بقطع الأصفاد يضحكوا ساخرين.
يصف الراوي اسباب حادث الثانية التي حدث له: "بعد ستة اشهر خرجت من السجن، ثم اعادوني إليه بتهمة الجرأة على مناقشة جندي في وسط الشارع شتمني دون سبب فسألته: لماذا تشتمني؟ فلطمني على وجهي، فسألته لماذا تلطمني؟ فاعتقلني، وبعد ستة أشهر رفضت خلالها دفع الغرامة أيضا، خرجت أصلب عودا واشد اصرارا، ثم أعادوني إليه من جديد، بتهمة التظاهر وتوزيع المناشير، فمكثت فيه سنتين كاملتين فقدت بعدهما أملي بالمدرسة" ص36، اسباب الاعتقال كثيرة، فيكفي الفلسطيني أن يكون فلسطينيا ليتم اعتقاله، فهذه وحدها تهمة يستكفي بها لمحتل لإلحاق الأذى المعنوي والجسدي به، فهو موجود ليكون (ملطة) للمحتل، ليمارس عليه ساديته وعنجهيته، من هنا نجد المحتل يمارس حالة من القمع والبطش بحق الفلسطيني دون أي سبب، فقط لأن الفلسطيني فلسطيني ولأن المحتل هو محتل.
كما قلنا سابقا بما أن الراوي يتحدث عن تجربة قاسية ومؤلمة، فلا بد أن يكون حديثه متداخل ومتشعب، بمعنى لا يسرد لنا بطريقة متزنة ومتسلسلة، بل نجده يحدثنا مرة عن السجن، ومرة عن التعذيب، ومرة عن التحقيق، وهكذا، وهذا يعكس حالة الانسجام والتماثل بين ما يعانيه الراوي من ألم وبين طريقة سرده للأحداث، فنجد شكل/طريقة السرد تعكس حالته النفسية، ينقلنا الراوي إلى جلسة من جلسات التحقيق: "ـ كن عاقلا يا محمد، نسفنا بيتك وشردنا اخوتك بسبب رأسك العنيد، ماذا تريد بعد؟ تكلم. هل رفاقك أفضل لديك من أخوتك؟ هل بيوت رفاقك أحسن من بيتك؟ ها أنت أخرس إلى هذا الحد؟" ص41، استخدام ذكر الأعمال القاسية والوحشية التي يمارسها المحتل لكي يضيع المعتقل ويجعله يعترف يمثل قسوة اضافية لما يمر به المعتقل، فرغم ما فيه من ألم جسدي ومعنوي، ها هو يتعرض لتعذيب جديد من خلال تذكيره بما حصل لأسلاته من هدم منزلهم وتشريدهم. فالراوي تعمدن أن يتكلم بعين للغة والألفاظ التي يستخدمها لمحقق لكي يوصل فكرة/الحدث كما هو، كما كان وقعه عليه.
"...يقف الضرب، ارتفعت الخرقة، وانهارت الكلبشة.
ـ محمد حمدان بعجر عبد الفتاح.
ـ نعم
ـ أعترف، نعيدك فورا إلى أهلك، بل نبني لك بيتا جديدا،
... حمار، رأسك يابس، كل الرؤوس تتكسر هنا، ولن يشذ رأسك أبدا.. نجعلك تأكل جلدة رأسك، نجعلك تأكل خراك
... تحسب نفسك بطلا؟ نعلقك مثل فأر في السقف..." ص68، تركيز المحقق على تكلم المعتقل جعله يستخدم كل الوسائل والطرق، فنجده يستخدم التعذيب الجسدي العنيف، ونجده يستخدم الترغيب والترهيب، مرة يهدد ومرة يوعد، مرة يريد قتله وأخرى يريد له الحياة، طبعا هذا التناقض بين الوعد والوعيد، أيضا يشكل حالة تعذيب نفسي للمعتقل، فهو يجعل الضحية تصاب بعدم التركيز ثم بالانهيار.

ويحدثنا عن طريقة تحقيق أخرى يتداخل فيها التعذيب الجسدي مع التعذيب الروحي: " ـ ستموت وتنتن مثل جيفة إذا لم يتحرك لسانك.
نبح الكلب، نهشني، كنت واعيا تماما، قلت في نفسي هذا كلب مدرب، لم أطق صبرا، كان يشد موشيه على عنقي مكن يريد قتلي خنقا" ص47، شكل من اشكال التعذيب التي يمارسها المحتل لانتزاع اعترافات من المعتقل الفلسطيني، فعندما حدثنا عن وعيه كان يشير إلى فقدانه الوعي بعد عملية الشد على رقبته، فالجلاد كان يهدف إلى قتله أكثر منه إلى انتزاع اعتراف منه، ولهذا فقد الوعي أثناء عملية التعذيب.
ينقلنا الراوي إلى الحديث عن مكان السجن، فهو أيضا شكل من اشكال التعذيب التي تمارس بحق الإنسان الفلسطيني، "اتدفق في الغرفة المكتظة، ثلاثة وخمسون رجلا" ص57، مكان يكدس فيه الرجال كما لو كانوا مجموعة ن الحيوانات، فلا فرق عند المحتل أن يجعل الغرفة التي لا تتسع لأكثر من عشرة أفراد إلى مكان يتم حشوه بأكثر من خمسين رجلا، فهو يهدف إلى إلحاق الأذى بهم وتحطيم معنوياتهم.
محاكم الاحتلال تمارس قانون الاعتقال الاداري، والذي بمقضتاه يمكن للحاكم العسكري أن يعتقل أي مواطن فلسطيني دون توجيه تهمة له، وسجنه لمدة ستة أشهر قابلة للتجديد، يحدثنا الراوي عن هذا الاجراء وكيف كان يستخدمه المحقق في عملية ترهيب المعتقل: "ستون يوما في "الاكس" وثلاثة اشهر في الزنزانة، لم اتعب كان على موشيه أن يقرر: أن ينتحر غيظا أو يلفق لي مع ضابطين أخرين حكما اداريا بالسجن، كان موشيه بعيدا جدا عن جذوري، فقرر أن يستمر بغيظه وأن يمارس سلطته القمعية بالحكم الاداري ضدي. قال: سوف أكررها ستة اشهر تلو أخرى حتى تركع وتعترف" ص58، إذا ما عرفنا بأن هناك فترة سجن سابقة كانت للراوي، بسبب اعتراضه على شتم جندي له بدون أي سبب، وهنا نجد الضابط التحقيق يحكم عليه بالسجن ستة أشهر دون وجود أي تهمة رسمية، يتأكد لنا طبيعة المحتل العنصرية والقمعية التي يمارسها بحق الفلسطيني.
ولمعرفة طريقة تعامل المحاكم العسكرية مع الفلسطيني يقدم لنا الراوي مشاهد محاكمة "أسامة" بعدما قرر ضابط التحقيق تقديمه للمحكمة بتهمة اطلاق النار، دون اعتراف المتهم بهذه التهمة، ورغم خضوعه للتحقيق والتعذيب الجسدي والنفسي، فتقرر المحكمة العسكرية سجنه خمس سنوات، فما كان منه إلا أن .. "أشار أسامة بأصبعه الوسطى إلى القاضي المثقل برتبه العسكرية، فاعتبرت المحكمة ذلك اهانة لها، وأضاقت بكامل قضاتها للحكم خمس سنوات أخرى" ص62 و63، أرادنا الراوي أن نتأكد بأننا أمام محاكم صورية، ليس لها أي أساس/علاقة بالعدل، فهي محاكم احتلال، كل هدفها إلحاق أكبر قدر من الأذى بالفلسطيني، دون مراعاة لأي حقوق إنسانية أو مدنية أو حقوقية له.
هناك مشهد قاسي جدا يقدمه الراوي يمثل قذارة المحتل في نزع اعترافات من المعتقلين، "ـ أنا نفسي اعتقلوني مدة شهر كامل، لم أصدق أول الأمر، قلت لهم أنا امرأة طيبة متدينة لا تخرج من باب دارها، ضحكوا، قالوا كلاما قذرا، وقالوا : زوجك مخرب ..ضربوني على فمي، نهض رجل من ثلاثة حولي في حجرة ضيقة، خجلت من حركاته البذيئة، صرخت، أحضروا زوجي أمامي، عيناه بارقتان هائلتان، جسد محطم، لم ينطق بحرف، لم أنطق بحرف، جروه خارج الباب، سقطت عن الكرسي، " ص44، استخدام الزوجة في انتزاع اعترافات من المتهم يمثل تعذيبا لها وله، فما ذنب الزوجة ـ على فرضية أن زوجها متهم/مجرم/قاتل ـ أن تهان وتلاقي مثل هذه المعاملة الوحشية؟ بكل تأكيد أرادنا الراوي أن نتأكد بأننا أمام مجموعة من الوحوش المفترسة والتي ليس لها علاقة بالإنسانية لا من قريب أو بعيد، فهذا المشهد من أصعب المشاهد التي تناولتها الرواية.
من خلال هذه المشاهد يمكننا أن نتأكد بأننا أمام عصابة تدعي بأنها دولة، وادعائها ليس بأنها دولة عادية، بل الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، لكن الراوي يعريها تماما، وينزع عنها قناعها ليظهرها على حقيقتها، فهي بشعة وقذرة وليس لها صلة بالدول التي تخضع للقوانين، فهنا نحن أمام عصابة من اللصوص/المتوحشين يمارسون ساديتهم بحق الفلسطيني.



الصورة الايجابية للآخر
ما يحسب للرواية الفلسطينية أنها تقدم الآخر على حقيقته، على طبيعته، فهي لا تقدمه بشكل قاطع على إنه متوحش-عديم الرحمة، بل تظهره لنا كما هو، فهناك بعض الأفراد في دولة الاحتلال مجبرون على القيام بخدمة الدولة، لكنهم في داخلهم يرفضونها، لا تتوافق طبيعتهم الإنسانية، مع ما تقوم به الدولة من بطش بحق الفلسطيني.
يقدم لنا الراوي هذا المشهد الذي يظهر إنسانية الآخر، رغم أنه يقوم بدور الجلاد، "وحين بدأت اشارات رحلتي الخامسة، هب عصام على ساقه الواحدة، عانقني طويلا، همس الشرطي كأنه يفضي بسر هائل: أضنك عائد الآن إلى سجنك بنابلس، كان سرا هائلا" ص70 و71، مثل هذه المعلومة البسيطة بالنسبة للمعتقل تمثال نقلة نوعية، فهو لن يخضع للتحقيق من جديد، ولن يبعث به إلى سجن بعيد، فنابلس مدينته، ويمكن للأهل أن يزوره بدون مشقة وتعب كما لو كان في سجن آخر.
الأمثال
يستخدم الراوي مجموعة من الأمثال في هذه الراوية، كتأكيد على ارتباطها بالواقع الفلسطيني، وعلى فلسطينيتها، الأمثال التي يقدمها الراوي، منها ما هو يقدم فكرة ايجابية، ومنها ما يقدم فكرة سلبية، فهي تعكس صورة المجتمع الذي انتج هذه الأمثال، "أنت قايم من القفة، قاعد على أذتيها" كتعبير عن عدم سوية التصرف، ص27، "في المال ولا في العيال" اشارة إلى اهتمام الفلسطيني بالإنسان أكثر من المال، ص36، "الناس بقتلني وأنا بقتل مؤتي" ص43، مثل يقدم لنا حالة القمع الدوري الذي يمارسه لمجتمع بحق نفسه، فكل فرد قوي يضطهد من هو أدنى منه، خاصة عندما بتعلق الأمر بالمرأة التي تتعرض لاضطهاد السلطة والمجتمع والزوج، "عمر باب السجن ما أغلق على أحد" ص74، كلام يحمل الأمل وعلى أن الفرج قدام لا محال.

الرمزية
رغم واقعية الرواية إلا أن الراوي يقدم لنا مجموعة عبارات تحمل الرمزية، فهو لا يريد روايته أن تكون بمجلها مباشرة، فوجد هذا الشكل الأدبي يخرجها من قتامة الواقعية المباشرة، ويطفي عليها لمسة جمالية فنية.
يقدم لنا مشهد استشهاد خاله، والطريقة التي جاءت بهذا الخبر: "خالكم استشهد، لم أفهم كثيرا، أضاف أبي بجدية تامة: خالكم أحد البطال الذين قاتلوا الأعداء حتى الموت، لم تبكي أمي، ولم نبك نحن الأولاد، كانت حجارة الدار تبكي، وكان الباب يخضع في تلك اللحظة لطرقات مرعبة، فتح أبي الباب، فأنتشر الجنود في الشقوق والثقوب والحصيرة العتيقة، بكت أمي فبكيت، وبكي اخوتي وأخواتي، وحين تواري أبي بينهم في الظلمة البعيدة، توقفت أمي عن البكاء، ثم صارت شجرة متوهجة بالثمر والدموع الصامتة والبحار" ص24، الجمع بين ما هو واقعي وما هو رمزي أجمل ما جاء في هذا المشهد، فهو يجعل المتلقي يحتار، طريقة تقديم الحدث ولا هي واقعية ولا هي رمزية، التشابك بين الطرحين خدم الفكرة وجعلها تأخذ بعدا أعمق، فعندما جعل الجنود ينتشرون في المكان بتفاصيله الدقيقة، وعندما جعل اختفاء الأب بين الجنود، وعندما جعل الأم تتوقف عن البكاء، وكأنها في تلك اللحظة أخذت دور الأب، وعندما تحدث عنها كشجرة متوهجة ومثمرة، اعتقد بأن مثل هذه المشاهد يجعل النص الروائي يأخذ بعد جماليا، ويجعله قريب من المتلقي.
شهر الهزيمة، شهر حزيران يمثل حالة انهزام العربي والفلسطيني في معركة كان من المفترض أن تكون له وليس عليه، ومن هنا كان وقعها شديد، وهذا الشهر لا يمحى من الذاكرة لما فيه من ألم وقهر، "لو كان حزيران رجلا لقتلته وانتهى الأمر" ص 33، سنجد العديد من هذا التناول شهر حزيران، شهر الهزيمة وشهر الذل.
"ولماذا لا يكذب حزيران" ص 39
روح المقاومة قدمها لنا الراوي بأشكال متعددة، وجعل علاقة الفلسطيني بالأرض تتماثل مع علاقته بجسده، "وكان حمدان يحسب أن الدماء، لا تكون إلا في عروق البشر فيأخذه الذهول حين يعرف أنها تتدفق أيضا في لترتب والشجر والماء والأغاني" ص33، تصوير رائع لما يراه "حمدان" على الأرض الفلسطينية، فهي جسد بشري تماما، يحيا من خلال الدماء التي يضخها القلب لبقية الاعضاء.
"حين يصبح عود الثقاب جسدا، تثمر الحجارة وتنطق المناشير المخبأة في الأزقة" ص39 رمزية العناصر/الأدوات البسيطة التي يستخدمها الفلسطيني في مقاومة المحتل، لكنها تكون فاعلة ومؤثرا ورافعة لعمل المقاومة.
"...لماذا أيتها الارجوحة المشنقة من حبال مهترئة وظهر محن؟ لماذا تطير القدس حمامة فتهوي مذبوحة فتطير، فتهوي، فأمسك دمها" ص50، كتأكيد على ما تتعرض له المدينة المقدسة من تهويد على يد المحتل.
"ويؤكد مرة ثالثة على أن ثماني سنوات من الاعتقال يحملها الآن على ظهره، ستكون أخف من قشة تذروها العاصفة، ... فالنجوم لا تموت، والبحار لا تجف، والكرة الأرضية تنبض بالحياة" ص56، فالعاصفة هنا هي ترمز إلى القوة العسكرية لحركة فتح، ونجد ذكر النجوم والبحار والأرض كتأكيد على استمرارية النضال حتى تحقيق الهدف الفلسطيني المتمثل بالتحرر من المحتل.
"في جنوب لبنان تنمو الزهور الجميلة وتلتقي، رغم المسافات، يحوض الزهور في المخيم" ص76، فهنا اشارة إلى المقاومة الفلسطينية في جنوب لبنان.
الشاعر والراوي

اعتقد بأن "علي الخليلي" في هذه الراوية كان من أوائل الشعراء الذي اتجهوا نحو كتابة الراوية، فهو سبق "إبراهيم نصر الله، ومريد البرغوثي، ومؤيد العتيلي، والمتوكل طه وغيرهم" ولا أدري لماذا لم يتم لفت الأنظار إلى تجربته الروائية، وإلى إلى روايته "المفاتيح تدور في الأقفال" رغم أن الفلسطيني في الحقبة السابقة كان يهتم كثيرا بأدب السجون وأدب المقاومة أكثر من اهتمامه بالنواحي الابداعية والفنية.
يحدثنا الشاعر عن ذاته، كشاعر وكراوي، "ـ اسمعي يا وردة، كتب قصيدة.
فتنهرني بغضب:
ـ والله كلنا وشربنا، عف عن ديني.
لم امزق قصيدتي، ربما بكت، ربما تمنيت أن أموت، ذهبت إلى المسجد، شاهدت ملابس نظيفة واحذية لامعة، تحسست دفء السجاجيد تحت جبيني، فأبقيت سجدتي قائمة، حتى نمت واستلقيت، فانتزعتني ابد قوية من المكان وألقت بي إلى برد الشارع ومزابله، لم أطرق ذلك الباب من بعد أبدا، ولكنني تابعت كتابة الشعر" ص14، إذا ما تتبعنا طريقة سرد الراوي للنص الروائي، سنجده لا يحثنا عن ذاته كشاعر إلا في هذا الموضع، تحديدا، فهو يتحدث عن شخص فلسطيني يتعرض للاضطهاد والقمع من خلال المعاملة العنصرية ومن خلال السجن تحديدا، لكنه هنا حدثنا بشكل واضح عن ذاته كشاعر، ونجد شاعريته/لغته/تصاويره في النص. في السرد، فهذه الراوية رواية تجربة قاسية جاءت بعد تعرض راويها للعديد من حالات القمع.
يكمن الابداع في هذه الراوية من خلال اللغة الروائية الكامنة فيها، فرغم أن "علي الخليلي" كتبها وهو مضطرب، متسرع، غاضب وحانق على الاحتلال وما فعله، إلا أن ذات الشاعر كانت حاضرة في النص الروائي، "إلا أن ضابط مخابرات بلباس مدني أنيق، وبضعة جنود داهموا الفرن في النهار، وأعادوني إلى السجن، هنا تتوهج الأشاء، هذا هو الحبل السري، الخيط، العلاقة الجدلية المتنامية في الموت تلتغي لأشياء، أنا أرفض الموت، وأبحث عن عيون تعشقني وأعشقها، امنحيني قوة الحياة يا قضبان الحصار، امنحيني قدسي المتوثبة ومخيلتي الخصبة، دقي صدري واصطادي قمر فلسطين" ص37و38" بداية الحدث كان عادي جدا، وسرد بلغة عادية، لكن ـ الشاعر ـ يخرج عن واقعية الحدث، وأخذ يحدثنا بلغة الشعر، فنجد اللغة التي اكمل فيها الحديث تخرج/تتجاوز/تتباين عن مسار السرد العادي الذي استخدمه في المقدمة، فهو يظهر لنا شاعريته وقدرته على الرسم الفني وعلى تألقه في الخروج عن منظومة واقعية السرد.
يؤكد لنا الراوي على شاعرته في موضع آخر، "ربط الجندي الثاني خرقة سوداء على عيني، قادني في العتمة، اصطدمت بحديد الباب الصغير المنفرد عبر البوابة الكبيرة، آلمني رأسي، اخذ احدهما بتوجيهي في المسير: انحن، اقفز، أصعد درجة، قف، تحرك، أركض، امتثل له، أيتها الصخور التي تتعرى تحت زخات المطرـ ايتها المحاريث التي تشق لحم الأرض، أيها الحديد الطيع اللون تحت أصابعي، هانذا اتدفق ولا اموت، للجسد حكايات أيضا، وللعتمة ما تشاء" ص67، كما هو الحال في المشهد السابق، يبدأ السرد عادي، لكننا سرعان ما نجد أنفسنا أمام لغة جديدة، وطريقة سرد تتجاوز المألوف، لغة مخاطبة الأشياء تعطي الشاعر شيئا من القوة، فهو هنا السيد الذي يأمر ولا يؤمر، فهو يحاول أن يواجه سادية الجندي بهذا الأوامر التي أطلقها، فهو كشاعر لا يقبل أن يكون مجرد منفذ، مجرد معتقل عادي، يخضع للأوامر وينفذ ما يطلب منه، من هنا وجدناه يستخدم هذا الخطاب الآمر وكأنه سيد/قائد الأشياء وعليها أن تخضع له.
"ـ لماذا تأخرت بفتح بابك؟ هل تريد أن تموت؟
لم يستوعب. داسوه، اتقدت العتمة بالغضب والهلاك، صرخوا:
ـ أشعل اللمبة.
كانت البحار تنزف في الصحاري التي ترتجف عارية، ماحلة، حزينة، كان أبو سمية ينهض.
ـأشعل اللمبة يا حمار.
ـ انكسر القفل.
انكسرت نجمة بعيدة، وحاولت شجرة اللوز أن تخبئ ثمارها تحت الجلد فلم تفلح، فاحتلوا الحجرة الضيقة وأحدا أثر واحد، وتطرق اعقاب بساطريهم أذني سمية بدوائر عاصفة" ص89، الشاعر يظهر لنا كلما كان الموقف قاسيا وصعبا، وكأنه بهذه اللغة الشعرية يريد أن يخفف من وطأة المشهد، أو كأن الشاعر في عقله الباطن يتجاوز السارد "محمد بعجر" عندما يشتد علية الحال، محاولا التخفيف عنه باستخدام لغة شعرية تحثه على الصمود والمقاومة.
رجال الدين
كتبت هذه الروية في فترة المد القومي واليساري العربي، وأثناء تخاذل التيار الديني أمام العديد من القضايا القومية والوطنية، ففي تلك الفترة كان رجال الدين والتنظيمات الدينية السياسية تلعب دورا قذرا لصالح النظام الرسمي العربي، مما ترتب عليه تقديم/تناول رجال الدين والدين بشكل سلبي، ولا أدل على ذلك من قول "زكي الندواي" بطل رواية "حين تركنا الجسر: "لقد كان أبي قاسيا كجدار المساجد يا وردان" وقد جاء أيضا في رواية "الرب لم يسترح في اليوم السابع، "أنا أكره موسى" اشارة على نبي اليهود، وهناك الكثير من الاعمال الروائية التي كانت تتعاطي مع الدين ورجال الدين بشكل سلبي.
"علي الخليلي" في هذه الراوية أشار إلى سلبية رجال الدين من خلال اخراجه من المسجد بعد أن غفى أثناء السجود، مما جعله لا يرجع إلى المسجد مطلقا، "ذهبت إلى المسجد، شاهدت ملابس نظيفة واحذية لامعة، تحسست دفء السجاجيد تحت جبيني، فأبقيت سجدتي قائمة، حتى نمت واستقيظت، فانتزعتني أيد قوية من المكان وألقت بي إلى برد الشارع ومزابله، لم أطرق ذلك المكان من بعد أبدا" ص14، بهذا الشكل نجد الراوي يحمل كراهية لرجال الدين والذي لا يحسنون التعامل مع الأطفال، فكيف سيحسنونه مع الكبار؟، هذا الموقف تماثل تماما مع ما جاء في مذكرات "يوسف الصايغ" التي تحمل عنوان "الاعتراف الأخير لمالك بن الريب" حيث يحدثنا عن عزفه عن الكنيسة بعد أن طرد منها وهو طفل، وهذا الأمر أيضا تحدث عنه "مكسيم جوركي" في كتابة "طفولتي" وها هو "علي الخليلي" يؤكد عنف وقسوة رجال الدين من جديد.
هناك حوار يمثل منطق رجال الدين في وضع كان من المفترض أن يكونوا فيه أصحاب موقف فاعلة ومؤثرة، لكنهم اخلدوا إلى الأرض وكفروا بالوطن وبالمقاومة وأمنوا بالركود والخنوع:
"ـ الاحتلال لعنة من الله.
ـ الاحتلال لعنة من أنفسنا.
ـ لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
ـ أزواجنا يتعذبون كثيرا.
ـ قالت الشيخة عذاب القبر أعظم
ـ الشيخة قالت أ خروج النسوان إلى الشوارع حرام.
ـ الشيخة قالت أن الطاعة فرض.
ـ الشيخة قالت أن ما يجري وما جرى وما سيجري هو من الله وحده.
....تأخذ أموالنا مقابل بعض لحظات من التلاوة ثم تتركنا في البئر المقفلة" ص44، هكذا هو طرح رجال الدين، وهكذا يفسرون الدين، فكيف لنا أن نثق بهم وبتفسيرهم للدين، فهم يمثلوا مقولة السطلة ـ أي سلطة ـ بضرورة القبول/الخنوع لها، حتى لو كانت سلطة الاحتلال، بمعنى علينا الخضوع لما هو كائن/حاصل لأنه هذا الحاصل هو من أرادة الله، فكيف نتحدى/نخالف أرادته؟
تحالف الديني والطبقي
لم يقتصر الدور السلبي لرجال الدين على النواحي الفكرية والسياسية وحسب، بل تعداه إلى النواحي الاقتصادية، فكانوا عونا للطبقات المسيطرة اقتصاديا على حساب الطبقات الفقيرة، وكانوا يقفون مع السلطات الاقتصادية ضد العامة من الناس، قدم لنا الراوي بعض المشاهد عن التركيبة الدينية الطبقية التي لعبت دورا سلبيا في المجتمع من خلال هذا المشهد:
"..رفعت لافتة جديدة ضخمة خضراء معززة بالعربية، لغة القرآن، "متجر المستور ـ استيراد وتصدير" وفي وسطها "الله/ محمد، ومن حولها بجهاتها الأربع، "أبو بكر، عمر، عثمان، علي" أرضيت ضميري، وأرضيت أخوتي في الدين، كدت اعناق كل وجه وأهتف: هنا محلات عمك المستور، ولكنني كنت مخطئأ تماما، وجدت في اليوم التالي ورقة مدسوسة تحت باب متجري تهددني بالويل والثبور وخراب القصور وسكني القبور، إذا لم اتوقف عن خيانة القضية، فأن مجرد تغيير اللافتة لا يكفي لستر جرائمي." ص103، المشهد السابق يقدم لنا صورة الخائن، التاجر، المتدين، صفات سلبية تجتمع في شخص واحد، أي صفة من هذه الصفات سلبية وتعطي صاحبها الصورة البشعة، فالصفات الثلاث سلبية، حتى لو اتصف بواحد منها فقط، فرجال الدين سلبين، وكذلك الأغنياء/التجار، وأيضا الخون والجواسيس، فما بالنا إذا ما اجتمعت كلها في شخص واحد؟
"أنت تعدل في الميزان عدل وتقى وورع، وتلعب في الاسعار ما شاءت لك الأحوال،... أنك شريف، أمين، نزيه، وجيه، تخزن البضائع، وتزور المستندات، وتنحر الخرف لضباط إسرائيل وموظفي إسرائيل، تنحني للبسطار، وتستقي للصفعة، وبعد، تضع الأسواق في جيب، وذكر الله في جيب آخر، فلا الزكاة منك فالتة، أو اطعام اليتامى والأرامل منك ضائع، أو تبرع لبناء مسجد عنك فأنت، تمسك بالدنيا الفانية والأخرة الباقية بقضبة واحدة عابثة" ص105، أراد الراوي بهذا المشهد أن يقرن/يربط رجال الدين بالاستغلال، وأيضا بالخيانة والتعامل مع لمحتل، فرغم ما يقمون به من أعمل خيرية، هي في حقيقة الأمر ليست سوى قناع يتسترون به، لبقاء الأنظار بعيدة عنهم.
الطرح الطبقي
الفكر الماركسي كان له دور مؤثر في أفكار العديد من الكتاب، حتى أننا ـ في حقبة الستينيات السبعينيات والثمانينيات ـ لم نكن نجد كاتبا واحدا يكتب الراوية لا يميل نحو فكر اليسار أو الفكر القومي، فرجال الدين كانوا قد نصبوا انفسهم للدفاع عن الأنظمة الرسمية العربية، وساهموا عن طريق محاربتهم للأفكار الاشتراكية والقومية في ترسيخ قواعد النظام الرسمي العربي.
من هنا وجدنا الطليعة العربية المتمثلة بالكتاب والأدباء والمفكرين والسياسيين تميل إلى الفكر الاشتراكي أو الفكر القومي، كرد على موقف رجال الدين والدين من القضايا الحياتية والقومية والوطنية، يحدثنا الراوي عن طفولته البائسة وكيف جعلته يتخذ موقف معادي للأغنياء: "وتابعت كراهيتي الشديدة لأغنياء مدينتنا إلى حد الحقد، أحيانا كنت افكر أن كل أولادهم مخانيث بلا استثناء، وأحيانا كنت أضرب بعضهم، فأخاف كثيرا من ردة الفعل لدي أبي الذي يرهب هؤلاء الناس، ويحاول أن يتدبر لقمة خبز لنا من بين أنيابهم" ص14، الصراع الطبقي واضح وجلي في هذا المشهد، فهناك طفل تم الاعتداء عليه داخل المسجد وطردته شر طرده، لا لشيء سوى أنه تجلى في سجدته بحيث أخذه النوم. وهذا نعكس على طريقة تفكيره اتجاه الأغنياء بصفة عامة.
حالة الفقر التي لازمت الراوي في طفولته كانت مؤثرة عليه وعلى مواقفه من مسألة الصراع الطبقي، فنجده يتحدث من منظور ماركسي مركزا على هذا الصراع: "نحن فقراء جدا، روحوا أجروا حالكم وهاتوا كلوا: فعلينا، وظلت الرقع على أقفية بناطلينا العتيقة تغطي الشوارع بالحزن والخجل، ليلة أحلم أنني أذهب إلى المدرسة عاريا، وليلة أحلم أنني أذهب إليها حافيا" ص15، لا يمكننا أن نأخذ هذا المشهد كتقليد لما كان في سائد في أدب تلك المرحلة، لكن الراوي يحدثنا عن ماضي قاسي عاشه، فنعكس ذلك على ما يقدمه لنا من أفكار، من هنا نجده يستذكر كلمات الأب : "أن أولاد الفقراء يكبرون مبكرا" ص16، فحالة الفقر فرضت ذاتها عليه وعلى اسرته، من هنا وجدنا حضور الطفولة وما فيها من ألم حاضرة وفاعلة.
حالة العداء للأغنياء لم تأتي بدون مقدمات، بدون أسباب، فالراوي يحدثنا عن اسباب هذا العداء لهم: "مر شحاذ على تاجر غني في متجره في الصباح، وطلب منه حسنة لله، فأستمهله التاجر إلى الظهر، فجاءه ظهرا فأستمهله إلى العصر، فحضرا عصرا وطلب الحسنة، فأستوقحه التاجر وصفعه" ص20 بهذه القصة يريد أن يؤكد الراوي بشاعة وقسوة الأغنياء وعلى ضرورة مقاومتهم ومحاربتهم.
ويقدم لنا الروي صورة أخرى عن هؤلاء الأغنياء واصفا أحدهم: " طلق زوجته الأولى وأشترى الثانية، اللي معه فلوس على الشنب بدوس" ص22، فهذا المشهد يعطي صورة بشعة لهؤلاء الأغنياء.
ويحدثنا عن منزله بهذا الشكل : "بيتنا بلا حمام أو دورة مياه، نحن نفعلها، بلا استثناء في الجبل، والجبل ضخم هائل يكتم كل الأسرار، بيتنا تدب فيه العقارب وأفراخ الأفاعي والعناكب وأمات أربع وأربعين والفئران والصراصير والسحالي والابارص" ص26، فكيف لمن يعيش بهذه الظروف أن يهادن الآخر الذي لا يلقي بالا له، ويعامله بقسوة وشراسة؟.
أعتقد بأن ما تعرض له الراوي من فسوة من الأغنياء يتماثل مع تلك التي تعرض لها من قبل المحتل، وكأنه بهذه المشاهد أراد أن يربط بين الطرفين، المحتل والأغنياء، فكلاهما يمارس ساديته عليه وعلى أسرته وعلى أقرانه من الفقراء.
من هنا نجده يؤكد على هذا التحالف بين المحتل والأغنياء/التجار يهذا المشهد: "عصام الممستور... ولن تجري له |أي محاكمة
ـ كيف؟
كانت تهمته أنه شتم أحد التجار الكبار الذي صدف وجوده في مكتب أحد الموظفين الكبار أيضا قال ضرار، كل التجار والموظفين، تحت ظرف الاحتلال، كبار، حتى الفارغين منهم تنفخهم سلطات الاحتلال فنتفش ريشهم، ويتهادرون طواويس نتنة" ص76.
ولكي يكون الراوي متوازنا فيما يقدمه من مشاهد تتناول التفاوت الطبقي في المجتمع يقدم لنا هذه الصورة: "...ولكن، لماذا يا عبد الجليل، لماذا؟ لم تمتلك في يوم زرعا أو قلعا، لم تملك مطرح قبر لك، كفاك مشققتان من حراثة أرض المختار وأبن المختار وكلب المختار، تجمع قرش على قرش من دمك وعرقك،" ص22، نجد هنا الهوة السحيقة التي تفصل الأغنياء عن الفقراء، فلكل منه عالمه الخاص به.
الرواية من منشورات صلاح الدين، القدس، كانون ثاني 1980