مُفارقات الديمقراطية(2)

سامي عبد العال
2016 / 12 / 7

لا تُخْفِي ممارسة الديمقراطية الرواسب الآسنة الكامنة فيها. وربما تلك هي حيوية فكرتها حينما تُظهِر المفارقات قيد العمل. لأنَّ النظام الديمقراطي- بخلاف غيره- يجدّد نفسه بنفسه. وهذه السمة تشترك فيها مع المعرفة العلمية كما يذهب كارل بوبر. فالاتجاه التصحيحي الذاتيself-corrective غير القابل للتدخل سنجده في المجالين: السيسي والعلمي. تبدو المفارقات رغم جانبها السلبي إلاَّ أنها ترسم طريقها، تنحته نحتاً. ولذلك فكل أنظمة الحكم وآليات الممارسة السياسية وقيم الفعل ستكون عرضة للانكشاف إذا ما انحرفت عن ماهية الديمقراطية.
المفارقات بهذا ضروب من النقد العملي الذي يحمل طرافة الديمقراطية ذاتها. فإذا كانت الأخيرة ثقافة فإنها تعرض ما آلت إليه لكافة مواطنيها. ولا تحتاج إلى إدارة من خارجها. لكنها تتيح لمن يقطنها ألا يغيب الوعي عما يحدث. كأنها تقول وهي الصامتة أنها خطاب يومي بما يجري لها. مثلها مثل الذكاء الاصطناعيartificial intelligence حينما يتضمن قدرته الخاصة على إعلام مستعمليه بالأخطاء. إذن المفارقات مساحة لتعديل المسار ورسم الحدود. وكل مراحل الديمقراطية ما لم تجري بهذا المعنى فإنه ستصل إلى طريق مسدود.
وربما سر بقاء الديمقراطية وتجاوزها للعثرات كونها حاملة لبذور اخفاقها بهذا المعنى. كما أنَّها تبذل الموت بمنطق الحياة. أو تضيفه بالأحرى إلى رصيد الحياة. لأنها تقوم على المنافسة التي تستنفد الامكانيات لصالح ماهيتها بصرف النظر عن الثغرات. ولئن جاءت ملتوية هنا أو هناك فإنها تقضي على من يمارس ذلك بأساليب سلمية تماماً. وفضلاً عن كونها تستوعب كافة التجارب الإنساني وتنوعها. فالديمقراطية ليست ذات شكل واحد لكنها تختلف من مجتمع إلى آخر. وتصبح ممكنة التشكل على مداها الأبعد. وتفتح الآفاق أمام الممارسة إلى مالا نهاية.
* مفارقة الإرادة/ السلطة.
تنطوي الإرادة على شيئين، إرادة فردية وأخرى جمعية, وبمنطوق فلاسفة العقد الاجتماعي, فإن الإرادة الفردية تذوب في نظيرتها الجمعية كما يرى هوبز وروسو. حيث تعد الإرادة الجمعية تجسيداً للإرادة الفردية, والمفارقة: أن الديمقراطية تسمح بممارسة التحرر الجمعي, غير أن وجود الإرادة الفردية شيء صعب وسط الادعاء - كما يُقال- بأنَّ هناك أخطاراً تهدد النظام الديمقراطي.
لذلك رأى بعض الفلاسفة عدم إمكانية فصم عرى الإرادة الجمعية تحت أي مبرر من مبررات الإرادة الفردية. ولا يحق للأفراد الطموح إلى ذلك (هوبز). وهذا يعنى: أن هناك تعارضاً في قلب النظام الديمقراطي بين الإرادتين. وأنّ هناك تهديداً يراه ممارسو هذا النظام تجاه أقليات أو فئات. بالتالي تظهر "السلطة" التي تنفصل تدريجياً عن إمكانية التغيير، التي تفتتحها الممارسة الديمقراطية, لتصبح وضعاً مفروضاً وغير قابل للنقاش. فكما رأى كارل بوبر popper أنَّ الدولة يمكن - في النظام الديمقراطي- أن تتسامح مع الأحزاب الأخرى، طالما خضعت لتلك السلطة ولقواعد التعايش، غير أنها لا يمكن أن تفعل الشيء نفسه مع الأحزاب التي ترفض القيم والأسس المشيد عليها النظام الديمقراطي. بمعنى أنه نظام محدود بمحاذير لا ينبغي تخطيها، وأنه قد ينقلب إلى ضده إذا واجه تهديداً.
هذا يعني بالمقلوب أنَّ الديمقراطية كنظام يتيح كافة الإمكانيات من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. ويعطى المشاركين فيه الحق كل الحق في التعبير عن وجودهم السياسي بكامل الحرية والاختلاف. ونفس الحق لا يمكن احتكاره من قبل فئة أو طبقة أو أقلية على حساب العناصر الأخرى. وأن الديمقراطية لا تتعامل مع الأفراد على أساس الانتماء الطبقي أو الفئوي، لكن استناداً إلى المواطنة. تلك القاعدة التي تعطى الإنسان كمواطن حقوقاً عامة أخرى، ما كان لينالها لولا أنه فرد في فئة أو طبقة ما.
أما لو جرى عكس هذا، فيدل على :
- تحول الإرادة الجمعية إلى تسلط جمعي غير قابل للذوبان فيما بين أفراد الشعب. وعليه لا يمكن لها أن تُذيب الطبقية والنخبوية أو القبائلية. هذا ما تعانيه بعض الدول العربية الأسيوية والأفريقية. فرغم وجود برلمانات على خلفية ديمقراطية, إلاَّ أنَّ هناك "بطانات قبائلية" تؤثر أيما تأثير على سير العمليات الانتخابية والممارسات السياسية بشكل أو بآخر.
إذن ليست الإرادة الجمعية سطحاً كلياً يحمل فسيفساء الشعب, لكنها نفق سياسي يحمل تأثيرات لقوى غالبة اجتماعياً، حسب تكوينها وثقافتها. وتبدو الديمقراطية غطاءً واقياً يحمى داخله هذه القوى التي تتأقلم معه. وتأخذه لتأدية مصالحها الخاصة, ولا نعرف بالضبط أية ديمقراطية مع أنها في الشكل محكومة ببرلمانات وانتخابات وممثلين ودوائر إعلامية مستقلة!!
- إلغاء الحرية الفردية بحجة الحرية الجمعية. فيشار إلى أن هناك مصلحة عليا، ينبغي بإملاء من الديمقراطية الحفاظ عليها, وعادة ما يكون ذلك بمبرر حماية النظام وإتاحة المساحة للآخرين, أي...الآخرون ضد الآخرين, ولا ُيتحقق من هم الآخرون سواء أكانوا يميناً أم يساراً؟ وذلك يسمى إدارة التعايش بمنطق الصراع، حتى يكون ثمة طرف أعلى بمنأى عن الصراع، إذ يجنى ثمار السلطة، ويبقى فاعلاً عبرها، مدعياً أنه يحمل اسم الديمقراطية.
وقد تكون الحرية الفردية مقيدة، كحال بعض المجتمعات الأوربية ضمن ظروف الحرب على الإرهاب. مثل محاولة فرض المراقبة على وسائل الاتصالات والتنقل لحماية المواطنين من الأخطار. وذلك يتم أيضاً بمبررات ديمقراطية، مع أن الوضع أحياناً ليصب في مصلحة فئة ما أو لعقد صفقات سياسية. ولماذا نذهب بعيداً؟ فهناك في الدول العربية كمصر يجرى فرض قانون الطوارئ بمبرر الحفاظ على استقرار البلاد, في وقت ينتهك هذا القانون فيه أخص حريات الإنسان، ويتم ملاحقته ليل نهار. ومع ذلك يخضع من جهة أخرى إلى قواعد اللعبة الديمقراطية, كيف يجتمعان؟!
إن السلطة في الأنظمة الديمقراطية مشكلة خطيرة. وبخاصة أن التواطؤ- الذي قد يحدث - يكشف جوهر النظام داخل الدولة. وتلك المشكلة تظهر بمقدار ما تناقض عمق الديمقراطية ذاتها. ففي الأخيرة لا يوجد ما يسمى بالسلطة بهذا الشكل التراتبي الطبقي. إنها ما وضعت بجميع أشكالها إلاَّ للتخلص من التسلط، وتذويب حالة الجمود. وكما تكشف تلك المشكلة علاقة السلطة ككيان تجريدي بما هو شعبي، وإلى أي مدى تنفصل عن الأفراد، رغم اعتمادها على وقائع فردية لا تسير بدونها.
* مفارقة الحضور/الغياب.
مع أن الديمقراطية تعنى "حكم الشعب" إلاَّ أن الديمقراطيات النيابية تنهض على الممارسة التمثيلية. ليغيب الشعب في مقابل حضور بعض الأفراد قليلي العدد. المهمة الرئيسية لهم التعبير عن أهداف ومطالب شعبية. إن ذلك يمثل تغييباً مقصوداً أو غير مقصود, لكنه في معظم الحالات يحول دون فاعلية النظام الديمقراطي. فالمفترض أن يحضر الشعب في عمليات الممارسة, مع وضع آليات لذلك, بيد أن هذا الفراغ الذي يشغله الممثلون يؤدى إلى تراكم أفعال بديلة ليست مطابقة لموضوعاتها الأصلية ولا لفاعليتها الأصليين(أفراد الشعب).
إذ يبدو التمثيل وضعاً بديلاً حتى على مستوى الوجود والمصير. فماذا يعنى أن يحضر آخرون مكان الفاعل الأصلي للحكم؟ لا ُتحل تلك المعضلة إلاَّ باحتمالين: أولاً: إما أن ينتزع الشعب حقه, كما يجرى تاريخياً عن طريق التغييرات الجذرية، تجاه الأشخاص والمؤسسات المدنية والسياسية التي قامت على فكرة غياب الفاعل. وإن كان " نائب الفاعل " في النحو يأخذ الوضع الإعرابي للفاعل، على أساس أنه يقوم بنفس الوظيفة اللغوية، فإن السياسة بفضل المفارقات السالفة هي قلب لتلك الوظيفة تحت مسميات كثيرة, منها المصالح وتدعيم الطبقة أو النسق أو الأيديولوجيا.
ثانياً: وإما بغياب السلطة ذاتها أو أن تصبح غير فاعلة من جهة إمكانية أخذها بالإنابة. وهذا ما لا يحدث. لأن مجرد التراتب: الفاعل الغائب ثم نائب الفاعل على خلفية نسق سياسي/اجتماعي يعطى الفاعلين(بالإنابة/الأصليين) أهمية متدنية. بدليل أن فترات الانتخابات في الأنظمة البرلمانية تشهد تصاعداً لسلطة الشعب كـ"قاعدة انتخابية". بالمقابل يظهر تراجع لهؤلاء البرلمانيين، عقب انتهاء صلاحية السلطة الممنوحة لهم, ثم سرعان ما تنعكس الأوضاع وهكذا.
ومع أنَّ هناك نجاحات على صعيد التقدم الاجتماعي والنمو الاقتصادي وعادة تشهد حراكاً سياسياً, غير أنها تتطلب دعماً متواصلاً من نسق سياسي اجتماعي، يحول دون هذا الانحراف أثناء غياب الفاعل. وهذه استثناءات باعتراف علماء الاجتماع السياسي, بل أكد هؤلاء على أن الخطر الأكبر الذي يهدد النظام الديمقراطي يأتي من هذا الباب.
إن هناك تحدياً ديمقراطياً لا مناص منه: كيف يمكن ممارسة السلطة بدون سلطة؟ وهل يمكن للأفعال بالإنابة أن لا تمتص السلطة وتؤثر بها؟ وما مدى خطورة هذه الأفعال على الديمقراطية ذاتها؟
ربما تدعو استفهامات كهذه إلى فكرة أن لكل مجتمع نظامه الديمقراطي الخاص به. لأنه كما رأينا تتعدد أفعال الإنابة والتوسط: لكن في أغلب الأحوال يمثل التعدد في الأنظمة الديمقراطية تنويعاً بمرتبة الاقتراب من القضية الأم : كيف يحكم الشعب نفسه بنفسه؟ وهل هناك ضامن غير الشعب نفسه لهذا الحكم؟
جاءت النظريات السياسية المعاصرة كاستجابةٍ لتلك المفارقات. وهى تقدم تحليلات فكرية ذات طابع عملي عبر أكثر من اتجاه:
1- مع تشخيص المشكلات السياسية تبرز الخلفية التاريخية المهمة لها. اعتماداً على الجوانب السلبية التي اكتنفت ممارسات الديمقراطية على اختلاف مجتمعاتها. ويبدو هذا الاتجاه -استناداً إلى التاريخ والخبرات الحياتية والثقافية- بمثابة إظهار العمق الاستراتيجي لمقولات سياسية كمقولة أن "الاحزاب هي دكتاتوريات عصرية" أو "الجماعات السياسية هو قبيلة العصر الحديث". ذلك إذا كانت تتضخم على حساب الحريات الفردية وتحول الناس إلى قطعان. من ثم تأخذ النظريات في كشف العلاقة القوية بين الجوانب السلبية في أنظمة الحكم والسلطة ومردودها على المجتمع.
2- بلورة البدائل الملائمة في التنظيمات الشعبية السياسية وافساح المجال للحريات العامة. مع الالتزام بتلافي الجوانب السلبية لتجارب ديمقراطية كانت أقرب إلى الطبقية منها إلى أي شيء آخر. ويتم ذلك عملاً بمنطق الحرية الفردية والجمعية.
3- تأسيس الفرضيات النظرية على قاعدة نسق إجمالي من الحلول السياسية لمشكلة الحكم والحلول الاجتماعية والاقتصادية لها. فإذا كانت التنظيمات الشعبية كالأنشطة السياسية والمؤسسات لا تخضع لفكرة التوسط بالمعنى التمثيلي(النيابي)، فإن هناك تنظيمات اقتصادية منفتحة تواكب حركتها لتصبح فاعلة في البناء الاجتماعي. لذلك امتدت الأفكار الإنسانية من السياسة إلى الاقتصاد ومن الرياضة إلى الموسيقى ومن المرأة والأسرة إلى الشعب. ويبدو مستحيلاً التحدث عن هذه الأشياء دون نسق يعطينا التوضيح والترابط.
4- تطرح النظريات السياسية آفاقاً لمجتمعات كونية متعددة الأجناس والاتجاهات . وبذلك لا تستمد أهميتها من تجاوز مشكلات الديمقراطية, لكن بفضل مفاهيم وضعتها للإنسان والمجتمع والحياة والاقتصاد والأخلاق والمرأة. وهى في معظمها مفاهيم تأخذ دلالات جديدة في المجتمع بمعناه المفتوح open society. ومن ثم تنعقد هذه المفاهيم معاً لتأسيس واقع مختلف. حيث تشكل ما يسمى بالمرجعية النسبية. وقد تمتزج بالثقافة ومصادرها، سواء المعرفية أو الموروثة أو الاجتماعية. ولهذا ربط جون ديوي بين الديمقراطية والثقافة والتربية على أساس أنها مسار طويل لا يتوقف.
إنه لمن الصعوبة بمكان حل مشكلات الديمقراطية بدون تقديم هذه المفاهيم وتحديد وظائفها. بحيث يعاد بناء المجتمع في ضوئها، وبإمكان الإنسان كإنسان أن يمارس حياته من خلالها، حتى تغدو ثقافةً حرة. في هذا الإطار حاولت كل نظرية سياسية أن تؤسس للعلاقة بين المنطق والسياسة من جديد. فحكم الشعب طبقاً لدلالة الديمقراطية لا يتم بتحول الشعب إلى مفعول به على طريقة النحو أو باعتباره اسماً, إنما هناك "علاقة هوية" غير قابلة للتبديل بين الحكم كفعل وممارسة وبين الشعب كحالة عينية وكيفية، لابد لكي يحكم أن يستغرق في الممارسة على نحوٍ كاملٍ.
لذلك فإن الديمقراطية اجتماعياً هي "حكم الشعب" وليست "سلطة الشعب". لأن هوية الشعب كوجود سياسي أنه يحكم نفسه بنفسه مبدئياً. أما السلطة الشعبية فهو عبارة عن حالة وسط بين الأفراد والجماعات وبين الحكم. بلغة المنطق فعل هوية بين الموضوع والمحمول، بالتالي تستدعى بموقعها هذا وسطاء(لقطاء) لا يحققون قانون التنوع. كما أن السلطة الشعبية مجرد علامة على رغبة عامة. قد تتحقق أو لا تتحقق. أما "حكم الشعب" فهو الإنجاز الذي يقوم به الشعب دون مبارحةٍ. فالشعب حين يجتمع، فإنه لا يجتمع إلا بفعل ديمقراطي، إذ يمتلك أدوات الحكم والقرارات والقوانين, لا لتعود فتتحكم في أفراده، إنما لتفعيل حياته من خلال وجوده السياسي الذي يغتصب بعناوين كثيرة.
هنا يتعين معنى أن يكون الشعب حاضراً في الأنظمة الديمقراطية. وأن تكون حرية الإنسان معياراً لتنوع هذا الوجود السياسي وخصوبته. هي ليست ديمقراطية مباشرة، لأنها كذلك بدون وسطاء, بل لأنها ديمقراطية حاضرة خلال ثقافة الشعب وحياته ورؤاه. فالحضور هنا حالة راهنة لذاتها. حيث الفعل الذي يسمى حُكماً, لا باسمه ولا بغيره. وعليه يمكن تجنب المفارقات السالفة. لذلك فإن الديمقراطية بأشكالها الحالية تحتاج إلى نقد متواصل.
لكن لماذا؟ لأنها – كما في دول الاستبداد الشرقي- تصبح لونا من الدجل العام. والدجل هو الإيهام بإيقاع الرغبات والأمنيات كأنها قانون كوني خالق، يتجسد بضربة آمرة أو بطقوس وسيطة بين الدجال ومملكة الأسرار المقدسة. وبنفس العملية – في الأنظمة المشار إليها- يفعل ممثلو الشعوب الأفاعيل والايهامات. لبيع الأحلام الاقتصادية والاجتماعية، المتعلقة بالثروة والمكانة، عن طريق ربط الحالمين بعالم الأسرار,.. عالم السلطة. ثم ُيتوقع أن يحقق هذا الربط نفسه كأنه قانون عام, بينما هم أضعف من أن يفعلوا ذلك, لينتهي الحكم إلى تغليب طبقة على طبقة أخرى، وحصر السلطة في حزبٍ أو صفوةٍ أو عائلة.