10 المذهب الظني كحل بين احتمالي إلهية وبشرية الدين

ضياء الشكرجي
2016 / 12 / 7

10 المذهب الظني كحل بين احتمالي إلهية وبشرية الدين
ضياء الشكرجي
dia.al-shakarchi@gmx.info
هذه هي الحلقة العاشرة من مختارات من مقالات كتبي الخمسة في نقد الدين، ونحن ما زلنا مع مقالات الكتاب الأول «الله من أسر الدين إلى فضاءات العقل»، وستخصص ست مقالات ابتداءً من هذه (العاشرة) حتى الخامسة عشر لمبحث (المذهب الظني)، الذي يعرض لعقلاء المتدينين الذين يراوحون بين إيمانهم بإلهية الدين وبين احتمال بشريته، عسى أن يساعدهم على الخروج من مأزقهم، راجيا الصبر عليها ممن قد لا يرى أنها تعنيه، لحين البدء بالتأسيس للاهوت التنزيه (عقيدة الإيمان العقلي اللاديني) من بداية المقالة السادسة عشر.

المذهب الظني
لماذا الدعوة إلى المذهب الظني؟
قد يكون غريبا - وهو كذلك - أن أدعو إلى مذهب [أو لنقل أروج لمذهب]، لم أعد ألتزم به. لذا أردت إزالة هذه الغرابة، قبل أن ندخل - القارئ الكريم وأنا – إلى رحاب المذهب الظني. اللاإلهيون غير معنيين حتما بهذه الدعوة، لأنهم [مع احترامي لقناعاتهم بعقيدتهم اللاإلهية] غير معنيين أصلا بموضوعة الدين، السالبة عندهم بانتفاء موضوعها، أو لنقل بانتفاء شرط البحث فيها، ألا هي أصل الإيمان بالله [إلا من أحب الاطلاع على هذه المباحث]. كما إن اللادينيين من الإلهيين - كما أنا عليه - غير معنيين هم الآخرون بالمذهب الظني، كونهم قد حسموا نفي الدين، واقتصروا على الإيمان بالله وحده، منزهين إياه من كل الأديان. مع هذا فإني أدعو هنا إلى دين لا أنتمي إليه؛ أدعو إلى هذا الدين كل المؤمنين بالله من الدينيين، ممن لم يملكوا إلا أن يؤمنوا مثلي بالله، لكنهم لم يقدروا مثلي حسم نفي الدين عن الله، إذ إنهم لم يستطيعوا أن ينتزعوا أنفسهم مما وجدوا عليه أمهاتهم وآباءهم من دين. فمشتركهم معنا التنزيهيين (الإلهيين اللادينيين) أنهم عقليون كما نحن، بل إنهم منزهون لله كما نحن، لكنهم لم يبلغوا من التنزيه ما يحسم نفي الدين عن الله، لكونهم قد استطاعوا - أو هكذا بدا لهم - أن يجدوا في الدين ما ينسجم مع إيمانهم التنزيهي بالله [أو بلغوا ما هو قاب قوسين أو أدنى، لكن لم يمتلكوا الشجاعة لاتخاذ قرار الحسم]. ومن أجل أن يكونوا عقليين في دينهم، لا بد أن يكونوا تأويليين، كي يستطيعوا تأويل ما لا ينزه الله في دينهم حق تنزيهه في معناه الظاهر، إلى ما ينزهه حق تنزيهه في معناه المُتأوَّل. وحيث إن التأويل يحتاج أحيانا إلى تكلف، لا يملك مثل هؤلاء إلا أن يكونوا ظنيين في إيمانهم الديني، مع كونهم يقينيين في إيمانهم الإلهي. وظنيتهم الدينية ستجعلهم أكثر انفتاحا على غيرهم، وأكثر تمثلا للنسبية، التي هي شرط العقلية والعقلانية، والتي يتجسد فيها توحيد الله حق توحيده، بنفي الإطلاق عما سواه، إذ بتحوّل الدين إلى مطلق إلى جانب المطلق تقدست آيات جماله، يكون شريكا له في الألوهية، بينما التوحيد الخالص يستوجب ألا يكون مطلق ثان إلى جانب المطلق الواحد الأحد المتفرد النافي للإطلاق عمن سواه. [علاوة على اعتمادي لفكرة أن من يرى نفسه امتلاك الحقيقة المطلقة، إنما ينصب نفسه من حيث لا يشعر إلها، بتصيب نفسه شريكا لله في العلم المطلق.]
الموقف من المقولات الدينية المتعارضة مع ضرورات العقل
عندما يواجه العقل مقولات دينية تتعارض مع ضروراته الفلسفية أو الأخلاقية، أو لا أقل تبدو متعارضة مع تلك الضرورات، لا بد من سلوك الخطوات الآتية من أجل تحديد الموقف، من تلك المقولات، ومن فهمها وتأويلها، وبالتالي من الدين الذي يعتمدها، أو من المدرسة التي تتبنى فهم ذلك الدين على ضوء تلك المقولات.
1. التثبت من كون المقولة الدينية الثابت تحققها، أو المظنونة، أو المفترضة، هي مما يتعارض حقا وقطعا مع الضرورات العقلية.
2. يجري - إن أمكن - التحقيق فيما إذا كان نسبة المقولة إلى ذلك الدين ثابتا، أم يمكن أن تكون من الموضوعات المُدَّعى نسبتها إليه، أي المكذوبة عليه. ومن ضمن ما يجري فحصه في هذا المضمار، ما إذا كانت تلك المقولة مما يحظى بإجماع أهل ذلك الدين، لاسيما علمائه، أم لا، مع ملاحظة أن مقاربة الإجماع لا تكفي وحدها لصدق نسبة تلك المقولة إلى ذلك الدين، ولكن يمكن اعتبار ذلك سببا آخر يضاف إلى أسباب الشك في إلهية الدين.
3. ثم لا بد في البداية من النظر بتجرد ودقة علمية، ما إذا كان تعارضها مع ضرورات العقل تعارضا قطعيا لا شك فيه، أي ما إذا كانت المقولة من نوع النصوص المُحكَمة بحسب المصطلح القرآني، أي غير قابلة التأويل إلى معنى آخر، أم هي من النصوص المُتشابِهة، أي مما يحتمل التأويل إلى غير المعنى الظاهر، مما لا يشتمل على ذلك التعارض.
4. في حال ثبوت نسبة تلك المقولة المتعارضة تعارضا واضحا مع ضرورات العقل، سواء الفلسفية منها أو الأخلاقية، ولكن كانت من النوع الذي يمكن تأويله إلى معنى آخر، خاصة إذا كان هناك من نصوص أخرى منسوبة إلى ذلك الدين تنسجم مع المعنى المُؤَوَّل إليه، يجري تأويل ذلك النص إلى ذلك المعنى، سيما إذا كان صاحب التأويل يحتمل بنسبة يُعتَدّ بها صدق نسبة الدين إلى الوحي الإلهي.
5. أما إذا رجح المعنى المتعارض مع ضرورات العقل، سيما إذا كان ما يؤيده من نصوص متواترة عن ذلك الدين، يكون ذلك ثمة مبرر لرفض ذلك الدين كوحي إلهي، أو يضع ثمة احتمال لبشرية مصدره.
6. والرفض يكون مُحَتَّما ومُؤَكَّدا مع التأكد من صدق نسبة المقولة المتعارضة مع ضرورات العقل إلى ذلك الدين، ومع عدم إمكان تأويلها إلى معنى آخر، ويكون أكثر حتمية، إذا ما تعددت وتضافرت وتواترت مجموعة من مقولات ذلك الدين في نصوص أخرى منسوبة له وفي ميادين متعددة ومواضيع مختلفة، تؤيد ذلك التعارض، عندها قد يصل الأمر إلى حسم اعتبار ذلك الدين ليس وحيا إلهيا، وترتيب الموقف العملي المتحتم على من وصل إلى تلك القناعة، بالقطع أو بالظن الراجح جدا. مع إن الوصول إلى هكذا قناعة لا يكون مبررا بالضرورة للتحول إلى موقف خصومة من ذلك الدين، إلا إذا كان نقدا موضوعيا، كما يمارس التصحيحيون (أو التنويريون أو الإصلاحيون) من أصحاب نفس الدين نقد الفكر الديني، والذين يميزون بين الفكر الديني كفهم بشري نسبي، وبين الدين كحقيقة إلهية - ولو مفترَضة - في عالم التجريد.
7. وفي حال عدم حسم الأمر فيما يتعلق بالتحقق من نسبة المقولة إلى الدين المعني، أو فيما يتعلق بإمكان التأويل إلى معنى آخر، يبقى الموقف متأرجحا ما بين ثلاثة مواقف، ما بين موقف الرفض، أو موقف التأويل، أو موقف التوقف والتحفظ، دون اتخاذ موقف حاسم ونهائي.
8. مع افتراض أن دينا ما يمكن تأويله بما ينسجم مع ضرورات العقل الفلسفي والعقل الأخلاقي، وحتى مع فرض صحة هذا التأويل، أي مع فرض انطباقه مع حقيقة ذلك الدين، ولكن مع اقتصار ذلك الفهم العقلي له على نخبة ضئيلة العدد، ومتهمة في دينها من أكثر أتباعه، ما إذا لم يكن ذلك مبررا لدراسة ما إذا كانت نسبته إلى الله سبحانه راجحة، لأن افتراض أنه سبحانه قد أنزل دينا، لا يفهم حقيقته إلا نخبة ضئيلة ومتهَمة ومحارَبة، قد يمثل حالة تواجه التساؤل عن مدى الحكمة في ذلك، لاسيما مع فرض صدوره عنه سبحانه، وهو الحكيم حكمة مطلقة.
9. هناك حالات لا يستطيع بعض الأشخاص أن يصلوا فيها إلى الموقف الحاسم والقاطع من الدين، الذي ينتمون إليه، فهم من جهة يجدون فيه الكثير مما يوحي بصدق نسبته إلى الله سبحانه، كما يجدون فيه الكثير مما ينفي ذلك، لتعارضه مع ضرورات العقل الفلسفي، أو الأخلاقي، ويبقى مثل ذلك الإنسان غير قادر على أن يصل إلى حسم في موقفه، إما لعدم توفر الوقت لديه، لأنه قد يحتاج إلى عمر يتفرغ فيه لهذه المهمة، وإما لعدم توفر المؤهلات العلمية الاختصاصية الكافية، التي تجعله يحقق فيما وجده متعارضا مع ضرورات العقل، أو ربما لعدم امتلاكه القدر الكافي من شجاعة مراجعة المألوف والموروث، فيرجح لمثل هذا الإنسان أن يجعل موقفه العملي على ضوء المذهب الظني، الذي هو مذهب الاحتياط بين فرض الاحتمالين؛ صدق الدين أو عدمه، فيجمع بين المنهج التأويلي والمذهب الظني. وإذا كان هذا الكتاب حاول صياغة المذهب الظني بالنسبة للمسلمين، فيمكن أن يكون هذا المذهب نموذجا يُحتذى به من قبل المؤمنين الظنيين من الديانات الأخرى.
وفي الواقع أردت في مرحلة ما أن أجعل مهمة هذا الكتاب أن يصوغ مذهبين؛ المذهب العقلانِنساني، أو المذهب التأويلي، والمذهب الظني، علاوة على مذهب ثالث هو المذهب التفكيكي القائل بالتفكيك بين الإيمان والدين، باعتماد الأول أي الإيمان دون الثاني أي الدين، كمقبولة من المقبولات العقلية المجردة. مهمة الأول هي تأويل النصوص التي تبدو متعارضة مع أسس العقلانية والإنسانية، أو مع أسس العقل الفلسفي والعقل الأخلاقي، إلى ما يكون منسجما معها، والثاني يعطي منهجا للتعاطي مع من لم يحسم صدق الدين أو عدمه، ويشترك المذهبان في قيامهما على قاعدة وجوب انسجام الدين مع ضرورات العقل والضمير أو الفطرة الإنسانية، وذلك بحكم قاعدة نفي التقليد في أصول الدين، أي العقيدة، التي تمثل القاعدة والأساس التي تقوم عليهما الفروع، وما كان لا تقليد فيه، لا بد من إخضاعه إلى قوانين وقواعد وضوابط وثوابت، تكون حاكمة على مقولات الدين.
من هنا فالمذهب العقلي التأويلي الظني إنما يقوم على هذه الركائز الثلاث:
1. العقل.
2. التأويل.
3. الظن.

المذهب الظني
بِاسمِ اللهِ الرَّحمانِ الرَّحيم
[لم أعد أستخدم هذه البسملة، رغم جماليتها، بسبب رمزيتها الإيديولوجية.]
تمهيد:
في صيف عام 2007 [بأربعة أشهر بعد كتابتي لموضوع طويل بعنوان «أيُّهُما في الدّين حاكِمٌ على الآخر: وَحْيُ السَّماء أم عَقلُ وَضَميرُ الإنسان؟» في 27/02/2007، والذي مثل مقدمة لتحولي إلى المذهب الظني، وكان هذا الأخير مقدمة لتحولي إلى الإيمان العقلي اللاديني في نهاية نفس السنة] اخترت المذهب الظني، ثم حسمت خياري لعقيدة التنزيه، أي حسم إثبات الإيمان [التوحيد] مع نفي الدين [النبوة]، في كانون الأول من نفس السنة، أو في كانون الثاني من 2008، وحيث إني أجد الفائدة من اعتماد من يريد من المسلمين العقلانيين، ممن لا يملك اليقين في ثبوت الإسلام، كما لا يملك اليقين في انتفائه، أن يختار المذهب الظني لنفسه، كخيار ممكن لمن يقتنع به، أو لمن يراه الأقرب إلى قناعته. لذا أقدم عرضا لهذا المذهب، تتبعه كيفية الصلاة على المذهب الظني، أو حتى لأتباع عقيدة التنزيه، لمن يحب منهم أن يصلي متى ما يشاء كعبادة طوعية.
يتبع في الحلقة القادمة.