وقفات مع مقولات من كلام الصوفية -4-

إبراهيم الوراق
2016 / 12 / 5

وقفات مع مقولات من كلام الصوفية

-4-

وهكذا، فإن التيارين ما افترقنا إلا حين عبر كل واحد منهما عن المراد بلحظة الوصول، ونقطة الحصول، فذا قد رآه بنظر نال به حصته ‏في وصال الأصول، وذاك قد رآه بنظر كشف فيه عن الحقيقة بالمثول، لأن اختلاف الطرق بين آثارها المتشابكة، واختلاط الهمم بين ‏آجامها المتكاثفة، لا يفرض إلا الحرص على انتخاب أسرع المسام النافذة إلى صراح العسل المتدفق منها، ومحض الخمرة التذوق فيها. ولذا ‏كان الاختلاف غير مرئي في رسومها، لكون طلاب المعرفة في أعلى حد من حدودها، لا اهتمام لهم إلا بكسب القربة، ونيل المنة. وهكذا، ‏لا أراني إلا مؤلفا فيما بينهما، لا موفقا أو ملفقا لهما، لأن ما هو كامن في محل السر الذاتي الذي لا يستفيض إلا من العمق، لا يملك زمامه ‏إلا ما تستكنهه في الأشياء من سمو ذوق. وما هو على سطح الحقيقة المنتزعة من ظواهر الأشياء الخارجية، لا يأتي منه إلا ما هو جار ‏عليه من أمر في المشيئة الأزلية. إذ هي لا تحابي أحدا لكونه قويا في الإرادة، ولا تناصر شيئا لكونه ضعيفا في القدرة، وسواء كان ما يقوم ‏به في واقعه نظاما قائما بالعدالة، أو كان ما يدبره محرفا للصورة الإنسانية في العناية. فكلاهما يتقوم به حال الصوفي ومقامه، ويتعدد به ‏سلوكه، وسيره. فما هو ذاتي في كينونته، لا يستوعب إلا في العمق الذي يخزن صورتنا الفطرية البريئة، وما هو محل نزاع في صيرورته، ‏فذاك لا يسدد إلا بالأنظمة التي تلامس حياته، وتشاكس لذاته.‏

‏ وعلى هذا الاعتبار، ونحن في أوج البحث عن حرية الاختيار، لن تكون الزوايا والتكايا إلا مساحات هيئت للتربية على نمط من ‏السلوك والآداب المحددة، ومجتمعات مصغرة يتحقق بها الانتماء في الدائرة المقيدة، ورواتب وضعت لتنمية الذات على الاندماج في المحيطات ‏المختلفة. وهي في معناها أقرب إلى الوسيلة من الغاية، لكونها تدل على طريق مسلوك لكسب المعرفة، وترمز إلى خصوصية يلبسها نوع ‏معين من الحقيقة. لكن الغور الأبعد، والشأو الأسعد، هو ما يجري على الصوفي من أقدار يهتدي فيها إلى معرفة حقيقته ضمن حقيقة ‏غيره، ويقتدي بها في ضروب معاناته التي يقطع بها طريقه المعشوق نحو عالم مثله. ولذا لا يمكن له أن يعيش في محيطه إلا إذا انفعل مع ‏الأشياء بمقتضى آدميته، وامتزج فيها بسوي أفعال بشريته، وإلا قلنا بألوهيته التي تبعده عن المسؤولية على فعله، وتحصره في عالم لا ‏يضيف إليه معنى تسمو به صولة كبده. ‏

ربما قد يكون الانتظام في سياق التجربة الجماعية ضرورة لمن استوهب من المعاني فوح طيبها الأزكى، وابتغى أن ينال من المقامات المرام ‏الأسنى، لكن من انغمس به العشق في جذر الشجرة الوارفة، وانحنى منه الأمل عند رموز المعاني الواجفة، وهو يبحث عن نواة ‏وجودها، ويفتش عن بؤرة روحها، ليس هو ذلك الذي نال الحصة بالميراث الأوفى، لا بالقصد الخالد في الكسب الأبقى، لأن كمال اليقين في ‏الجهد المبذول، لا في الجذب المعلول، إذ الصوفية في التنصيص على أحوال السالك لمقامات الأفعال، قرروا بصريح الأقوال، وواضح ‏الأمثال، أن المجذوب مراد، وأن خصوصيته ملك له على انفراد، وأن ما يتراءى عليه لا أمر له فيه، وأن ما يسبل على غيره من إزار ‏غموض معانيه، لا يفهم إلا في حال أمداء مقامه. ‏

وهنا يكون بدون قدرة على فتل حبل الترقي في حرد المريد، ولا على إرادة تنقدح قوتها في طي طرق الوصول إلى المراد، لأن جوهر ‏التسليك في الوعي بدروب الأطوار، والفهم لصروف الأدوار، إذ بهما يتحدد دور المشايخ في التربية، ويتحقق السلوك إلى معين المعرفة. ‏فلذا لا يحق لمن طُلب بالبحث عن ضالته، أن يبقى أسير الانتظار لمعجزته، ولا أن يرقب المحال في زمن مقصور على ممكنه، لأن المعاني ‏لا تشرق أنوار شمعتها، إلا إذا كان المكان زاهرا في أنظار عشاق ضوئها . ولكن لكل واحد منهما مقام، ولا يخلو من مرام، لأن الأول رسم ‏التصوف منهجا، فجاء منه الاتباع قصدا، وابتهاجا، والثاني حده باللامتناهي، فجاء منه التأمل في المادي طلبا لما توراى وراءه من المعنى ‏الروحي، والإلهي. وهنا يكون الزمن واحدا في التجربة، وما يفرضه نازلا عليهما في كبد المعاناة بلا استقلال، ولا ميزة. لكن ذا يسوس ‏أمر وصاله بالحد الموجود، وذاك يقوده الحد إلى معنى اللامحدود.‏

قد يستشكل بعض تداخل قوتي الزمان والمكان في انسياب تجربة الصوفي، وخبرته في محاربة حظه البشري، وهو في خطفة نظر، أو ‏ومضة حذر، قد يراه منحازا إلى نفيهما في وكده البشري، ومنساقا إلى سلب حقيقتهما في نظره العلوي. وذلك ما تشير إليه أدبيات السلوك ‏عند الصوفية، وعليه جرى القول عند من تذوق بعض المعاني الروحية، وخاض لجة اللفظ بسفين المواجيد المعنوية. لكن هل يمكن الفرق ‏بين القولين، والتمييز بين الآن الوجداني الخالد، والزمن الفيزيائي المحدود، لكي نعرف مقدار ارتباطهما في مقام، وانفصالهما في مرام.؟ إن ‏حقيقة الزمن الصوفي، وطبيعته في التصور الذهني، وخصوصيته في تجاوز الأحداث المتعاقبة على الأجيال، وقدرته على صياغة الخبرة ‏الذاتية الدالة على الكيان القائم بالامتثال، هي حقيقة الزمن الذي يعيشه غيره، لأنه لا معدى له عنه، ولا مهرب منه، وكلاهما يحس به، ولا ‏فرق بينهما فيه، لكونه مطردا في الحياة البشرية التي بها قوام وجوده، وضرورة شهوده. لكن ما يفرق بين الإدراكات في الوعي بالشيء ‏المقصود حيازته، هو ذلك المعنى المنظور إليه في لاوعي حقيقته، لأننا لا نتمايز بشدة الامتلاك له، ولا بحدة إخضاعه، إذ هو في كل عين ‏قابل للامتداد، لكون ما يحاز في الإحساس به واحد، بل يحصل التمايز بصوره الباطنية التي تمنح الأشياء تصورا معينا، وحقيقة ومعنى ‏عينيا، يتم بها الفرق بين ما نعيشه، أو ما نأمل أن نحياه فيه، لأن عمق الإنسان هو كهف معناه، وجرف مغزاه، وفيه تختلط حقائقه، ‏وتمتزج وقائعه، لكي تخرج في ضرورتها إلى الوجود المعروف به، وتظهر إما صحيحة وإما معتلة فيه، لأن الباطن هو الذي نختلف في ‏الإخبار عنه، أما الظاهر فهو فاضح لما يبرز عليه، وكاشف لما يرشح منه. ومن هنا، تكون لغة الأعماق هي التي تميزنا، وهي التي تظهرنا، ‏وهي التي تشهرنا، وإذا ما عن لنا أن نجعلها في جزئياتها واحدة، فقد آذنا الكون بالبغض، والضغينة. وما دمنا نقر بوجود التعدد في ‏الطبائع، فإن المتحقق يقع نظره على رأي تتآلف به النتيجة في القصد الأنفع، فيكون على هذا الحد ما يضمره الإنسان في الأغوار العميقة ‏القلاع، هو الأنا الذي نصير به أشخاصا نقبل تمدد الاتساع، ويكون ما نحن عليه بين الديار، والتلاع، هو واقعنا الذي نعيشه بين أنظار ‏التوقع، والانتظار لحدوثه في الوقائع، لأنه زمن المستقبل المجهول، وتاريخ الإنسان الذي يكتبه بنفَسه المبذول. إذ هو النتيجة المحصل عليها ‏في الفعل البشري، والخلاصة التي انتهى إليها الأمل في الجهد الإنساني.‏

ومن هنا، فإن الصوفي لا ميزة له فيما هو واقع موقع الجبر، ومسير فيه بمقتضى القدر، وهو الإدراك الذي يشعر به كل من يرى الزمن ‏كاسفا للهدوء، والأمان، ويحس في غبنه وألمه وقلقه بمعنى الحزن، والأشجان، وكأنه مفارق له بما تخلف فيه من نهم، وما تفجر في غوره ‏من ندم، فيشهد الحياة عبارة عن ساعة ألم، ولحظة ورم. وهؤلاء لا يستغرب منهم البكاء على الأطلال، ولا التألم بين الديار بكدر ‏الأحوال، لأن ما ينزف فيهم من كيس البلابل، لم يُنَمِّ فيهم إلا السآمة من خداع شغب الدلائل، إذ ما يذرف من دمع على الديار ‏الدارسة، لم يكن إلا عشقا للأيام الخالدة. ولولا ذلك، لما كان الشعر صوت البكاء، ولما كان التأمل صمت العناء. وهكذا، يكون الزمن في ‏صفاته المكونة لذاته نفسيا، يطوي عندنا ما كان في البواطن معنى ساريا، ثم انطوى على أمل الإنسان في درك مشترك الوجود، لكي ‏يدل على ما يعقده من وصال مع حقائق الحدود، وينص على الذات المنصهرة في كليتها مع معاني التوحيد، لأن مجرد الزمن الثابت ‏العلاقة، ومهما كان هبة، فهو عند الإحساس بضياعه نقمة. إذ هو في قيمته لا يقاس إلا بالمعايير التي تنال به الإدراكات القويمة، والمعارف ‏السديدة. ‏

ولذا لا يستساغ أن يميز الصوفي برأي عند هذا الحد، ولا أن يدعي فيه مبتغ للحقيقة أي دعوى باطلة في الاعتقاد، لأن ما يناله من ‏فاعليته، وما يغنمه من انفعاله، هو عين ما يكسبه غيره بالجد، ويحرزه بدافع الجهد. لكن مناط الاختلاف لا يتحقق إلا عند النظر إلى ‏الزمن المرتبط بإدراك الذات المتفردة، وقدرتها على تجاوز المخارج والمعايير الموضوعية المتغيرة، لكي تُكسب في عمقها معنى للذات المتوحدة، ‏وهو المقصود بتعدد التجربة عند إرادة توضيح المقامات المتنوعة، وهو المطلوب بتنوع الموارد عند تحديد منابع المعرفة المتنورة، لأن زمن ‏الصوفي في قابلية قيمه الكامنة في قوى عمقه، والنازفة في رشح ذاته، لا يشترط القبلية، ولا يفترض البعدية، ولا يستوجب القدرة، ولا ‏يستوحي من الإرادة، وإن كانت الواردات في الاعتبار واقعة عليه بالنسب المحدودة بوجوده بين متغيرات الطبيعة، ووقوعه تحت سياط ‏الأقدار المدبرة للمعاني المحسوسة بنظام الحقيقة، بل كسب المعرفة به في ملكات الكيان، لا يفرض مقام الحضور في كون الزمان، ولا ‏المكان، لأنهما ظلان لخيال هو في عينه حادث بين الأكوان. ولذا، فإن ما انتهى أمره إلى النهاية، فهو غير الأبدي المستغرق في الأزلية. ‏لأن الصوفي لا غاية لعشقه إلا في الفناء، وكل ما يدني إليه فهو أجدر بالوفاء. ‏

فلا عجب إذا غدا الزمن عنده شاحب المناظر، لا يرى فيه ما يحمله على رفرف العشق إلى صفاء المعابر، لأنه فتق من الزمن ضده، ‏فكان لازمنه وقتا هاديا للوصول إلى قصده. وما غايته إلا أن يتصل بالأبدية، حيث لا زمن إلا شمس الأحدية. ولذا يكون الزمن معنى ‏روحيا، لا شيئا ماديا، ولا عرضا خارجيا، لأن الانفصال في وحدته، يعني أمران في تبصر محمولات حده: الأول، أنه لا علاقة للإنسان ‏به، فيكون كسبه مستحيلا في حقيقته. والثاني، أنه مملوك له، وهو الذي يعده، ويحصره، ويشهد فيه ليله، ويلبس فيه نهاره، ويرى فيه ما ‏تغير أصله، وما توارى عينه. وعلى هذا يكون قادرا على طيه، وفاعلا في نشره. ولكن يرد علينا هنا أن الزمن الباطني، إما أن يكون ‏إحساسا بكونه لا يقوم إدراكه إلا في الماهية، والجوهر الذاتي، وهو مطرد، ونسبي، وإما أن يكون إدراكه سببا للتماهي في الزمن ‏الكوني، والمعنى الإلهي، وعلة للتجاوز المفضي إلى اعتباره شيئا متوهما لا حقيقة له، ومقاما يكون العشق فيه كمالا لتقديسه. ‏

ومن هنا، فإن قيمته تتجلى في كونه شيئا متعلقا بإدراك الذات للمعاني التي يتوارد عليها الأمر الإلهي بالتعاقب، والتوالي، لا من حيث كونه ‏مدركا بجارحة العين المحددة للأشياء بأعيانها وأجرامها الموصولة النسب بالمتغير المادي، لأن التجاوز للمادي الفيزيائي إلى النفسي، أو ‏الروحي، أو الميتافيزيقي، هو الانشقاق عن دائرة الزمن الاجتماعي، والمحدود النسبي، والمتجدد في الموجود الخارجي، لكي ينسى الإنسان ‏بين ريب الزمن آلامه الشقية في حياته، ويتحرر من العناء الذي يدبره في خاصيته، لعله يتصل بتلك اللحظة المفعمة بحضوره في مشهد ‏ألوهيته، إذ النظر بتسام إلى سيلان الزمن، ما هو إلا عشق لفاعله الذي لا يحده حد في الكيف، ولا في الأين. ومن هنا، فإن الصوفية ‏حين عبروا عن مجرد الزمن المنساب في الحقيقة، جعلوه ما يقوم به الحال في اللحظة، لأنهم يشهدونه حاضرا في خصوبة المعنى المتدفق بين ‏ذواتهم، ويلمسونه بارزا بين معلوم ألحاظهم، لا فيما يعن لهم من سراب يخدع سوْرة العقل، ويغري بلازم الأفعال، ولكنه إذا أراد ‏الإمساك به بدا سرابا بلا عقال، وصار حسرة وندامة وفقدان آمال، إذ الحسي فيه، هو الذي يؤلمك الوجود معه، لكونه مدركا بما ‏تؤقته، ومرتجى فيما ترسمه. وهكذا يكون الزمن مرآة في القلب، يكعس ما تعالت به الروح في الطلب، وينقش عليها ما تحن إليه الأفئدة ‏من صميم العشق، وتدب إليه من صراح العتق.‏

وإذا أدركنا أن الزمن الصوفي هو الحال، أو الأين بلا مِحال، فلا محالة، سنكون قد كشفنا عن القصد غرة الإشكال، وأزلنا التباس ‏المقام عند النظر في الإجمال، لكن بقي لنا أن نشير إلى أمور لها علاقة بما نحرره، لكون الزمن من أعقد الدروس التي لها ارتباط بتحديد ‏وجودنا فيه. ولذا، فالزمن لا يعرف إلا بقياس أنظارنا، وإذا قلنا عنه شيئا بتفكير عقولنا، فإنما هو رهين أذواقنا، وسجين إحساسنا. ولا ‏شيء أدعى إلى الاختلاف مما نحبر فيه العبارة بمنتهى إدراكنا للأشياء، لأن اختلاف طرق صوغ المعرفة نظير تفاوت طاقتنا في ‏الاستعداد، والأداء، إذ كل واحد منا له حظه الذي ينتهي إليه، وقوله في العلم موجود بمقدار إدراكه له. وهنا اختلفت الآراء، وتسامت ‏عند مرتبة الحكماء، ودنت في دركات الأغبياء، لأن حركة الزمن لا وجود لها حقيقة إلا في اللحظة الآسرة، وما سواها من معاني ‏الإحساس بتعاقبه، وتوارده، فهو تدفق الماضي في الغد المجرور إلى الأمام بقوة آمرة، وتغير المقام من لون متوحد إلى ألوان متكثرة لم ‏تكشفها العين المقيدة. ‏

ومن هنا يصير الحال أو الأين هو النقطة التي تتجمع فيها الأزمنة، وتذوب فيها المعاني بين بحار الأبدية، لكونها ليست ماضيا لا يكرر، ‏ولا غدا مجهولا ينتظر، ولا حالا يحصر. وعلى هذا يصير لازما علينا عند الحديث عن الصوفية أن نفصل بين قولهم بالأين، وهو صورة ‏الزمن عندهم، وبين قولهم بالأبدية، وهو حقيقة الزمن عندهم، لأن الأول هو الجزء الذي امتاز به الصوفية في تركيب حقيقته بين ذواتهم، ‏لأنهم جعلوا الحال ما يعيشونه كغيرهم، وإن لم يتفق النظر معهم في تحديد المراد، إذ هم يريدون ما هم عليه بلا قيود، بينما غيرهم يراه مقسما ‏بين دوائره الثلاثة، فيخشون من العدم، وهو العناء، والألم في الحياة النابضة بالأفراح والأقراح المتوالية. فلو حسبوا الزمن متوفقا، ‏لنالوا فيه معنى الأزلية وفاقا. وأي ألم أجلى من رعب يدبره انقضاء الزمن بين الأشباح، والغوائل.؟ الثاني، هو الانتقال من صورة ‏المجرد إلى حقيقة المطلق، ولهذا سبحوا في زمن الأحدية، وهو عين الأبدية، والسرمدية. ومن ثم اكتست المعية قيمتها، وصارت برهانا على ‏تذوق المعرفة بمعناها، لأن الارتقاء من الأين الدال على الأنا، هو الانزياح نحو بؤرة الحقيقة في دائرة الإلهي، وهو المعايشة المتجاوزة ‏للطور البشري، والمساكنة لليقين الحاصل في تجليات الأحدي.ومن هنا يشهد الصوفي في الزمن صفات مقامه، فهو بين السكر، والصحو، ‏والحضور، والاحتجاب. وذلك ما يجعل الزمن ثابتا في مقام، ومتغيرا في زمان، لأنه في ارتباطه بالذات متحرك بحركتها، وفي علاقته ‏بالتجليات الإلهي أزلي بثباتها. ‏

وتأسيساعلى هذا، يكون الزمن الصوفي في ذاته، هو المعنى الذي يحس به، ولو تنافى مع غيره، فإذا شعر بالوحدة فيه، فإن ذلك يعني ‏أن طيه الذي حصل في موضع يكون نشره فيه ضرورة عند غيره، هو الذي يميزه، ويعرفه، لأنه قد انتبه لا نصرامه بين الموارد المتعبة، ‏فخشي الانقطاع عن مراداته المقدسة، فاستعان بطاقته في تجاوز ما هو نسبي وقابل للتغير، لكي يلج باب الآن برغبته في الأحدية الخالدة ‏الأثر. لكن هل الزمن يطوى في الجهد البشري، فيكون وحدة متكاثفة في إدراك الصوفي.؟ أم أن التغير سمته، والسرعة شيته، فيكون على ‏هذا غير قابل للاستيعاب، لأنه إما ماض تبدد بين الحسرات، والمصائب، وإما حاضر عان لما نبض فيه من أحداث، ومتاعب، وإما ‏مستقبل طافح بالمجهول، والغياب.؟ إن تقسيم الزمن عند الصوفي وهم من الأوهام، وحلم الأحلام، لأن تكراره وعلة سببيته دليلان على ‏حدوثه، وما هو متصف بالحادث في حكمه، فالصوفي لا يعير له بالا في نظره. كلا، بل يرتقي الإحساس عنده إلى اعتباره تيارا واحدا لا ‏قيمة له عنده، ولا طوبى لمطاردته له، لأنه لا يرى في الأشياء إلا سرا واحدا، ولا يشهد فيها إلا قصدا مفردا، وهو غير محصور للزمان، ‏والمكان، بل هو غير محدود لهما في الجنان، ولا مقصور على ما يرد به البيان. ولذا يكون معنى الزمن اللامحدود هو المقصود في كل ‏التجارب التي أدركها الصوفي في طبعه الإنساني، لأنها إما تجربة في الزمن الأرضي، أو الكوني، أو الأزلي، ولهذا يكون الزمن الإلهي ‏عنده مجازا لنيل حقيقته، لأنه متعذر الحصول عليه فيما عرفه الإنسان من زمن معدود، وعمر محدود. ولذا لا يجوز القياس عليه في المعاني ‏التي نبحث فيها عن الأبدية، ونطلب معها سر الوصال بالسرمدية. وهنا يكون الزمن الصوفي الذي يقطعه السالك في طريق الحقيقة، هو ‏هذا النفَس الإلهي المخزون في نسمة الروح البشرية.‏

ومن ثم، اكتفينا بذكر الزمان، ولم نذكر المكان، لكون الأول يتضمن معنى اللامحدود، لأنه كما هو في حركة الأفلاك زمن أرضي، فهو في ‏اعتبار التدفق والسرعة عين الزمن السماوي، لكن المكان على عكسه، فهو يتضمن خاصية الثبات، لكونه يتضمن الكمية والكيف وغيرهما ‏من العوارض التي تجعله قابلا للصيرورة المانعة عن اتصافه باللامتناهي، لأنه قائم على الحركة الموجودة في الأشياء المتعارضة، والمتوافقة. ‏ومن هنا يكون المكان مرتبطا بالطبيعة، بينما الزمان مرتبط بالكون. وإذا اتفقا، كان الزمان دليلا على اللازمان، والمكان دليلا على ‏اللامكان، لأنهما لا يردان في باب الضدية، إلا لكون أحدهما لا يوجد إلا في محضن الآخر، إذ لا زمان بدون حيز المكان، ولا علاقة لنا به ‏إلا في حدود الزمان. والعلاقة بينهما تلازمية، لا ضدية، وإلا فإن اللازمان لا يدل على المكان، واللامكان لا يدل عليه الزمان. وإن ‏افترقا، وانفصلا، كان للزمن ارتباط بعالم الوجدان، والمثل، واللامتناهي، وكان للمكان ارتباط بعالم الإحساس، والصور الذهنية النسبية. ‏

وهكذا، فإن وجودهما كامن خارج العقل البشري، وهما مستقلان، وليسا مجرد أوهام إلا بالنظر إلى ما يكونان له ظرفا يحتوي الفعل بصيغ ‏شتى، وذلك مما تنفرد به رغبة الذات في اكتساب المطلق، والعقل الكلي، والعلة الفاعلة، والمثال الأعلى. وإذا كان كل واحد منهما مرتبطا ‏بالوجود عن طريق الآنات، أو النقاط، فإن الزمان يدل على التتابع فيه، بينما يدل الثاني على التساوق معه، فيحدث الفعل في الزمن ‏متتاليا، ولا وجود له إلا في حضن المكان، وهنا يصعب الفصل بينهما، إذ يستلزم أحدهما الآخر في الإيجاد والوجود، لكن إذا تعالينا على ‏المكان، وتسامينا عن الزمان، لأنه آلة الرحلة إلى العالم الفوقي، فإننا ننقدح بشرارة المعرفة للعالم المطلق الذي لا يعتريه الزمان بالتغير، ‏والا المكان بالتعاقب. وعلى هذا يكونان ظلالا للتجلي المطلق في الفيض الإلهي على الأكوان. ومن هنا، يكون للزمن أثر على الإنسان، ‏لأنه تحدث فيه التغيرات بين ماضيه، وحاضره، ومستقبله، وهي ما يحمله بين المراحل التي يقطعها الإنسان من طفولته إلى شيخوخته، بينما ‏المكان يحدث فيه التغيير بالانتقال من نمط إلى نمط آخر، يحدده تغير الأجيال، وتواردها، وتعاقبها، وانصراف الناس عن سياق إلى ‏سياق أكثر منه تقدما، وتحضرا. وعلى هذا، يكون الوعي بهما سببا لكسب علاقتنا بالعالم الأرضي، والسماوي، بل لا تحول لنا من حال ‏إلى حال، أو من مقام إلى مقام إلا بهما في السير الفردي.‏
يتبع