9 الدين واجب أم ممكن أم ممتنع عقلي

ضياء الشكرجي
2016 / 12 / 5


هذه هي الحلقة التاسعة من مختارات من مقالات كتبي الخمسة في نقد الدين، ونحن ما زلنا مع مقالات الكتاب الأول «الله من أسر الدين إلى فضاءات العقل».
هل يوجب كل ذلك وجود دين؟
نرجع إلى سؤالنا السابق. إذا ما فرغنا من حقيقة وجود الله تعالى ووجود الحياة الثانية، وما يترتب عليها من جزاء، وبالتالي من كون الإنسان مسؤولا [فيما هو مسؤول] أمام ربه [وقبلها وبعدها وأثناءها أمام ضميره] في تلك الحياة، فيما قدم وأخر في هذه الحياة، بحيث يمكن أن ننعت هذه الحياة - فيما هي وليس حصرا - بالحياة الامتحانية، والثانية بالحياة الجزائية، وكون هذه الحياة امتحانية لا ينفي الأغراض الأخرى منها لتكون حياة تكامل وبناء وإبداع وتسخير مُطرد لملكات العقل المتنامي عبر التجربة والتأملات، ولمفردات الكون وقوانين الطبيعة، وكما إنها حياة استمتاع دونما ظلم للآخر. لكن ألا يمكن أن يكون هذا كافيا، بحيث يُجزى كل إنسان بما قامت عليه من حجة من عقله، مأخوذا بنظر الاعتبار كل ما ساهم في صنع شخصيته وسلوكه من عناصر، تنقسم على النحو العام إلى ما هو مسؤول عنه، من حيث وقوعه في دائرة اختياره، وما هو غير مسؤول عنه، من حيث وقوعه خارج دائرة اختياره، فيجزى على ما هو مختار فيه، ويُعذر عما هو غير مختار فيه، ولا حاجة لنُبوّات ولا أديان ولا شرائع مُنزَلة، بل يكفي العقل، وكل من تحسينه وتقبيحه، والفطرة، والتجربة، والفرص، والظروف، لتصنع شخصية الإنسان، وتضعه أمام مسؤوليته، وتحدد استحقاقه من الجزاء الإلهي ثوابا أو عقابا؟
هذا الفرض من غير شك ممكن عقلا، [بل راجح كما ثبت لي لاحقا] لأنه لا يتنافى مع العدل الإلهي، بحيث أن عدل الله المطلق يمنع وقوع أي إنسان تحت طائلة ظلم ما عبر الجزاء، ولو كان بمقدار مثقال ذرة، إضافة إلى انسجامه التام مع شروط الحكمة أي العقل العملي.
وحيث أنا افترضنا إمكانية ذلك، نفهم من وضع هذا الافتراض في حيز الإمكان العقلي، أنه ليس واجبا عقلا، بل يمكن أن نتصور ممكنا آخر، تتوفر فيه شروط تحقق العدل الإلهي بنفس الدرجة، أو بدرجة أكمل، أو بدرجة أخرى، دون الحكم على أيهما الأكمل، قد يكون الله اختاره بحكمته التي لا ندرك كل حيثياتها. وحيث أن هناك دعوى بوجود نبوات ورسل وكتب ورسالات وأديان، فيمكن أن نفترض أن هذا الممكن الآخر هو أطروحة النبوات والوحي هذه.
وقبل أن نفحص صدق أطروحة النبوة، لنفحص ابتداءً التبليغ كغرض للنبوة، والذي يمكن أن تكون النبوة وسيلة من وسائل تحقق هذا الغرض. فنطرح سؤالنا عن التبليغ، أي التبليغ عن الله - بأي وسيلة كان - إلى أفراد المجتمع الإنساني عما يريده الله منهم، فنسأل:
هل التبليغ ممتنع عقلا؟
- الجواب: بكل تأكيد لا.
- لأن ذلك:
1. ليس خارج قدرة الله.
2. ليس منافيا للحكمة.
3. ليس منافيا للعدل.
هل التبليغ إذن ممكن عقلا؟
- بكل تأكيد نعم.
- لأن ذلك:
1. مقدور عليه من قبل الله.
2. يتفق مع الحكمة.
3. يتفق مع العدل.
هل التبليغ واجب عقلا؟
- الجواب: بكل تأكيد لا.
- لأن ذلك أي عدم التبليغ:
1. لا تتوقف عليه حكمة الله.
2. لا يتوقف عليه عدل الله.
فلا العدل ولا الحكمة منحصر تحققهما في هذا الطريق المدَّعى أو المفترَض أو الممكن أو لعله المتحقق، أي التبليغ، ولا دعوى توقف اللطف الإلهي عليه يُعَدّ دليلا يحتم وجوب التبليغ.
وفي سؤال «هل التبليغ واجب عقلا؟» هنا تكمن بالذات العقدة الحقيقية في إثبات وجود الدين أو الوحي أو النبوة. قلنا إن القطع من البداية في نفي النبوة كمفهوم، ومن حيث المبدأ، غير ممكن، ولو كان انتفاؤها ممكنا، باعتبار أننا أثبتنا أنها ليست من الممتنعات العقلية، بل من الممكنات. ولكن كما أننا لا نستطيع إثبات نفي النبوة، من الممكن ألا نكون قادرين على إثبات ثبوتها، لعدم إمكان إثبات وجوبها، وهذا يبقيها في دائرة الإمكان، وما كان من الناحية العقلية لا يتعدى إلا أن يكون ممكنا، لا يُتعقَّل أن الله يعاقب من لم يصل إلى الاعتقاد بثبوته، حتى لو كان ثابتا حقيقة، بل ربما يمكن القول أنه مما يتعارض مع الحكمة، أن تكون النبوة التي تمثل إرادة وحكمة إلهيتين ثابتتين، ولا يجعل الله سبيلا ميسرة للوصول إلى الاقتناع بها، إما بدليل عقلي أو بدليل نقلي، بأكثر مما هو الحال بكثير. أكثر علماء الكلام المسلمين الإمامية قالوا بالوجوب العقلي لوجود النبوة، وذلك بما أسموه بدليل اللطف، وبنفس هذا الدليل أوجبوا الإمامة وجوبا عقليا. وملخص هذا الدليل، إنه بسبب مدعى عدم تمكن الإنسان مستقلا وفي كل التفاصيل الاهتداء إلى الحق، يستوجب لطف الله بعباده ألا يدعهم من غير هداية وإرشاد وإنذار، ومن هنا كان لا بد من عدم خلو زمان من نبي أو وصي نبي. ويجاب عليه أن اللطف إذا سلمنا به كدليل إنما يمكن أن يكون مفاده، أنه من الممتنع على لطف الله بعباده أو على عدله سبحانه أن يحاسبهم إلا على ما أدركوه، ولا يمكن أن يحاسبهم على ما لم يدركوه قصورا لا تقصيرا، لأن عدم الإدراك يقع هنا خارج دائرة الاختيار، وكل ما يقع خارج دائرة الاختيار يكون الإنسان معذورا فيه وغير مسؤول وغير مُحاسَب، ناهيك أن يجوز معاقبته. فدليل اللطف لا يملك من المتانة ما يجعله يصمد أمام الشكوك والتساؤلات والشبهات. من هنا وأثناء تدريسي لموضوع النبوة في إطار درس العقائد في حوزة المرتضى في دمشق في أواخر التسعينات، حاولت إثبات النبوة بدليل العدل، أي العدل الإلهي، وليس بدليل اللطف، ولكن لم أجد في النهاية هذا الدليل كافيا من الناحية العقلية المجردة للوصول إلى مرتبة القطع واليقين. في وقتها حاولت من أجل إثبات النبوة أن أصل إلى القول بوجوب التبليغ، بضميمة كل من العدل والحكمة واللطف إلى بعضها البعض، وبتعضيد بعضها البعض. فوجدت أن ما يمكن الاستدلال به على وجوب التبليغ هو ما يُعتقَد به أنه يمثل قاعدة عقلية، وهي تلك القائلة بقبح العقاب بلا بيان، وحيث ثبت أن الجزاء المتضمن لكل من الثواب والعقاب أمر لازم للعدل، الذي هو واجب عقلي، لأنه لازم من لوازم كمال الله، وهذا بدوره لازم من لوازم واجب الوجود الأزلي المستقل الغني. وقاعدة قبح العقاب بلا بيان تصلح بالاتجاهين، حيث إنه إذا ثبت أو رجح عدم البيان، أي عدم التلبيغ، ينتفي العقاب على الإتيان بعمل يفترض قبحه عند الله، إذا لم يدرك كل من العقل والفطرة الإنسانيين قبحه.
وربما نجيب هنا من زاوية فهم أخرى أننا حتى لو افترضنا أن الله يجازي كل إنسان بعمله، وفقا لموازين العدل البالغة غاية الدقة، من غير لزوم التبليغ، بل بما جعل الله على الإنسان من حجة من قبل عقله وفطرته، ووفقا لمستوى إدراكه، وبحسب الفرص المتاحة له، والملكات والقابليات الممنوحة له، والظروف المحيطة بكل أشواط حياته، والعوامل المكونة لشخصيته، حتى ما سبق انبعاثه للوجود، كتأثيرات الوراثة أو تأثير الحالات النفسية للأم أثناء الحمل، وغيرها، لا ينفي ذلك إمكان اختيار الله للنبوة طريقا للتبليغ ولهداية العباد. فهنا يمكن أن يقال بأننا عندما نجد أن ليس كل شيء خاضعا للحسن والقبح العقليين على نحو القطع والإطلاق، بل هناك من الأمور ما يكون فيه التحسين والتقبيح العقليان على نحو الظن والترجيح والنسبية، مما يجعل الترجيحات متفاوتة بدرجة أو بأخرى، بل في بعض الأحيان متفاوتة تفاوتا حادا بين الأفراد، مما يؤول حتى إلى الاقتتال، فيكون كل من القاتل والمقتول قاطعَين بأنهما مُحِقّان؛ يمكن أن يكون هذا مرجحا لبعث الأنبياء من الله تعالى، حسما للخلاف. ولكننا إذا علمنا عبر التجربة والواقع والتاريخ، وليس عبر النظرية المجردة، أن الأديان لم تحسم الخلاف، بل كانت هي سببا من أهم أسباب الاختلاف والفرقة والعداوة والاحتراب، ثم كون التحسين والتقبيح في بعض القضايا نسبيين، لا تلغى هذه النسبية بنزول الوحي، لأننا نجد أن ما يفترض فيه وحدة الرؤية من خلال الدين، قد تعددت فيه الرؤى بتعدد الاجتهادات في استنباط الأحكام الشرعية، بل وحتى في فهم تفصيلات العقيدة. فاختلاف الناس إذن ليس دليلا على وجوب بعث الأنبياء، بدليل أن بعث الأنبياء لم ينه الاختلاف، بل إن الأديان ربما أسهمت في تكريس الاختلافات وتعميقها وتصعيد حدتها. ثم اللطف لا يمكن أن يكون متحققا في فترة، وغير متحقق في فترات أخرى، أو متحققا لأقوام دون غيرهم. فالنبوات قد خُتِمَت، والإمامة المعصومة والمنصوص عليها بالتعيين الإلهي، والتي ينفرد بها الشيعة الإمامية قد جُمِّدَت وعُلِّقَت إلى إشعار آخر غير معلوم عبر الغيبة التي لا يدري أحد كم ستطول. فإذا كان اللطف هو الدليل على ثبوت النبوة ومثلها الإمامة، فهو دليل ضعيف الحجة. ولكن هذا لا ينفي وجود دليل عقلي غير دليل اللطف.
لكن المستدلين على وجوب التبليغ، يقولون - ردا على ما مضى - مع هذا أن اختلاف الناس الحادّ هذا يوجب إذن التبليغ، لاسيما في المسائل النسبية الترجيحية، وذلك من خلال قاعدة اللطف والعدل والحكمة. فالذي خلقهم على نحو تكون لهم فيه القابلية على الاختلاف، والذي يريد أن يعيدهم بعد هذه الحياة، ليحاسبهم فيجازيهم إثابة أو معاقبة، لا بد له من أن يضم إلى العقل حجة أساسية على الإنسان، والذي سُمِّيَ بالرسول الباطني، وربما كذلك إلى الفطرة الإنسانية، التي تتضمن فيما تتضمن ما يُدعى بالضمير، طريقة إضافية ما للتبليغ من الخارج، لينبئ الإنسان، ما الذي يريده منه ربه، وما الذي ينهاه عنه. وهذا كله يقود من الناحية العقلية إلى رجاحة ثبوت النبوة والوحي، ولكن تبقى القضية دون درجة القطع واليقين، بدرجة ما هو الحال مع مقدمات النبوة، كوجود الله وتوحيده وكماله وتنزيهه وعلمه وقدرته وحكمته وعدله، وبالتالي ما يترتب على ذلك من وجود حياة أخرى من طبيعة غير طبيعة هذه الحياة التي نحياها، تجري فيها سد ثغرة العدل، والتي بدونها ينتفي العدل الإلهي، وهذا محال عقلا على نحو الوجوب العقلي القطعي الذي لا شك فيه. إضافة إلى وجود مرجحات ليكون عقل وضمير الإنسان هو الحاكم، خاصة في الجانب التطبيقي للدين فيما هي الأحكام والحقوق المتطورة والمتكاملة بتطور تجربة الإنسان مع ثبات المبادئ، والذي يمنحها ديناميكية تنسجم مع ديناميكية حركة التاريخ، ولا تجمد على نصوص كانت وليدة ظرفها الزماني والمكاني، فيُتوهَّم ثباتها بثبوت الدين، كونه صادرا عن إله ثابت غير متغير، من خلال عدم التمييز بين الثابت والمتغير، وإضفاء القداسة المطلقة على ما هو مقدس نسبي، ناهيك عما هو غير مقدس، بل حتى على ما هو مدنس كالقتل الديني، وهذا كما هو واضح يربك حركة التاريخ للمجتمع الإنساني. ومع هذا تبقى ثمة مرجحات لكل من إثبات النبوة ونفيها، لا بد من دراستها دراسة مستفيضة، للانتهاء بثبوتها وترتيب الأثر، أو عدم ثبوتها وترتيب الأثر، أو موقف عدم حسم العلم بثبوتها أو عدمه وترتيب الأثر باعتماد المذهب الظني أو المذهب اللاأدري.
والآن وقبل البحث في وجوب أو عدم وجوب التبليغ عن الله، ونعني التبليغ كمبدأ أو مفهوم مجرد، وليس النبوة كتطبيق للمبدأ أو كمصداق للمفهوم في الواقع، ذلك من الناحية العقلية الصرفة، نريد مع فرض ثبوت التبليغ، أن نرى، مدى إمكان أو وجوب أو امتناع أن تكون النبوة هي طريق التبليغ الإلهي للإنسان.
من الممكنات العقلية
هناك مجموعة مقولات دينية غيبية، يمكن عدها من الممكنات العقلية، فلا هي من الواجبات العقلية، ولا هي من الممتنعات العقلية، يتوقف الإيمان بها على ثبوت صدق مصدرها، إنجيلا كان أو توراة أو قرآنا، أو حديثا نبويا أو رواية إمامية، فما لم يثبت صدق ولا كذب تلك المصادر أو أي منها، لا يستطيع العقل إلا أن يتخذ موقف الحياد وعدم الحسم منها. من هذه الغيبيات التي هي ممكنات عقلية متساوية الصدق والكذب بحكم العقل الفلسفي المحض، هي الملائكة، الجن، الشيطان، النبوة، الإمامة، الشفاعة، ختم النبوة، صلب المسيح، رفع المسيح إلى السماء، ولادة مريم العذراء لعيسى من غير أب، غيبة المهدي وإطالة عمره، معجزات الأنبياء عموما، طريقة الثواب والعقاب ومكانهما، لا أصل تحققهما، الرجعة، حساب القبر، البرزخ، عالم الذرّ. فكل هذا مما لا يملك العقل مستقلا أن يثبت صدقه ولا كذبه، ولا يدعي وجوبه ولا امتناعه، بل يبقيه في دائرة الممكن. إن ثبت صدق كتاب مقدس ما يقينا، وكان مما يقول بوجودها، يكون الإيمان بها أو بما يورده ذلك الكتاب منها إيمانا يقينيا. أما إذا ثبت عدم صدق الكتب القائلة بها، تبقى في إطار الممكن، ولا يكون من الواجب على عقلاء الناس أنفسهم بالبحث عن تحققها أو عدمه، بل يكون من الراجح لهم ألاّ يُشغلوا أنفسهم بذلك، لأن العلم بهذه الأمور علم لا ينفع من علمه، ولا يضر من جهله.
من الممتنعات العقلية
ومثلما هناك من الغيبيات الدينية ما هو ممكن عقلي، لا يحسم العقل المجرد الموقف منه قبولا أو رفضا، فهناك غيبيات يمكن عدها من الممتنعات العقلية، ولذا لا بد من رفض العقل لها، إلا إذا أُوِّلت تأويلا رمزيا أو مجازيا، بما يتفق مع ضرورات العقل. ومن هذه الممتنعات العقلية تعدد واجب الوجود، بنوة المسيح [أي البنوة بالمعنى الحقيقي لا المجازي] أو [بنوة] أي إنسان لله، وبالتالي أبوة الله له، إلا إذا أريد به معنى مجازيا عرفانيا كما مر، تجسد الله في المسيح، أي استحالة الله إنسانا، أو استحالة إنسان إلها، اتصاف المعصوم بصفة من صفات الله المطلقة، كالعلم المطلق، والقدرة المطلقة، وامتلاكه للولاية التكوينية [الأصح «الولاية الكونية»] على الكون بقوله للشيء كن فيكون، كما الله تعالى، بعث الله لأنبياء يرتكبون من الذنوب والموبقات ما تأباه العقول السوية، أو يتصرفون تصرفات مجانبة للحكمة والعقلانية، تقاطع مشيئة نبي ما مع مشيئة الله ودحض الأولى للثانية، التناسخ، معاقبة أجيال بذنب سلف لهم، وإثابة آخرين بصلاح سلف آخر، وغسل ذنوب المؤمنين بالمسيح عبر معاناته مصلوبا، أو غسل ذنوب محبي وزائري الحسين بدمه ومعاناته، معاقبة النساء بالخطيئة الأولى المدعاة في العهدين القديم والجديد لأمهن حواء، إلى غير ذلك من الخرافات التي تأباها العقول السوية، ويأباها جوهر الإيمان بالله تعالى وتنزيهه عن كل ما يتقاطع مع الضرورات العقلية، إن بحكم العقل الفلسفي الذي هو معيار التصويب والتخطيء، أو بحكم العقل الأخلاقي الذي هو معيار التحسين والتقبيح، [وكذلك معاقبة الله للإنسان لمجرد عدم إصابته - فيما يؤمن وما لا يؤمن به – للصواب، فيما هي العقيدة الدينية أو غير الدينية التي اعتنقها، أو تلك التي لم يعتنقها، تلك التي اقتنع بها، أو تلك التي لم يقتنع بها، مما يكون اختياره له غالبا خارجا عن إرادته]؛ هذا كله يُعَدّ من الممتنعات العقلية.

هل النبوة هي الطريقة التي اختارها الله للتبليغ؟
النبوة ليست واجبة بذاتها كطريقة للتبليغ، بل إذا ثبت أن التبليغ نفسه كغرض للنبوة المفترضة واجب عقلا، يمكن أن يقال، بأنه وبما أنه لم يثبت دعوى أخرى بطريقة غير طريقة النبوة للتبليغ، يكون الواجب الذي هو التبليغ منحصرا في ممكن واحد هو النبوة، مما يجعل هذا الممكن واجبا مفهوما، ويثبت، إن ثبت صدقه مصداقا. طبعا هذا كله مع فرض ثبوت وجوب التبليغ عقلا، لأن القول بوجوبه يبقى غير محسوم، إذا اعتبرنا التبليغ أو الغرض منه حاصلا - كما بينا - عبر العقل والفطرة.
يبقى بحث النبوة مصداقا (المصطلح عليه بالنبوة الخاصة)، لا مفهوما مجردا (المصطلح عليه بالنبوة العامة)، هو وحده الذي يمكن أن يوصلنا إلى صدق أو عدم صدق نظرية النبوة عموما، بصدق النبوة الخاصة، ألا هي النبوة الخاتمة. [وهذا لا يعني عدم وجوب اختبار بقية مصاديق الوحي والنبوة.]
ومع فرض ثبوت النبوة أو النبوات، يأتي دور العقل في فحص المقولات الدينية المتفاوتة والمتقاطعة أحيانا بين الأديان المختلفة، أو في إطار الدين الواحد، وهنا يأتي دور ركيزتي العقلية والتأويلية، لعله تضاف إليهما ركيزة الظنية في حال عدم الحسم وتساوي كفتي الثبوت والانتفاء، أو بقائهما حتى مع فرض عدم التساوي بنسبة أو بأخرى.
وسنعرض لتفصيل أكثر لموضوعة النبوة والتبليغ، والدين والإيمان اللاديني في فصل (المذهب الظني)، لاسيما في موضوع (الموقف من المقولات الدينية المتعارضة مع ضرورات العقل). ولكن قبل هذا سأتناول - مستنزلا قيادة يد الرعاية الإلهية - في الفصل القادم رحلة تحولاتي الإيمانية، لما لذلك من دور في تسليط مزيد من الضوء على الأفكار التي يتناولها هذا الكتاب.
[وجدت ألا ضرورة لنشر المقالات المتعلقة بتجربتي الميتافيزيقية، وتحولاتي بين تدين الطفولة الساذج والسطحي لسبع سنوات، ثم الشك في بداية الشباب لسنة، ثم الإلحاد لأربع عشرة سنة، ثم اللاأدرية لسنة أو سنتين، ثم العودة للإيمان بالله وبالإسلام لثلاثين سنة، وما جرى خلالها من تطور من تدين متشدد، إلى نمو للاعتدال والعقلانية، إلى اعتماد تأصيل مرجعية العقل لعشر سنوات، إلى المذهب الظني أي اللاأدرية الدينية المقترنة باليقينية الإلهية لبضعة أشهر، إلى لاهوت التنزيه أي الإلهية الفلسفية اللادينية.]