وقفات مع مقولات من كلام الصوفية ‏-3-

إبراهيم الوراق
2016 / 12 / 5

وقفات مع مقولات من كلام الصوفية ‏
‏-3-‏
وهكذا، فإن ادعاء امتلاك ترياق يشفي الأورام، أو سحر يداوي الأوام، ‏هو سبب آخر يضيف إلينا ألما، ويبني فينا عدما، لأن القول ‏بوجود ‏أرض بلا نصب، وحدوث نشاط في الذات بلا لغب، هو محض المين، ‏والزيف، ومعتقده فاسد العقد في ترتيب يقينياته بلا تآلف، ‏ولا ‏توليف. إذ ما نعانيه من قلْب الوحدة اختلافا في الموارد، ونكس ‏المعنى في تزييف الأفعال بلا حصر للمقاصد، ما هو إلا المشيئة ‏الأبدية في ‏الابتلاء، والاختبار، والأمر الصادع فينا بالأكدار، والأوزار. فلذا تفرق الناس ‏في ذلك طرائق قددا، وتوزعوا بين الديار ‏بددا، وكأنهم أدركوا أنه الطريق ‏الذي لا بد من العروج عليه، أو الجسر الذي لا بد في الوصول إلى الحق ‏من تجاوزه، أو أن وجوده هو الخلاص ‏لهم في جهدهم، والفداء اللازب في ‏حربهم، لأن أكثر الناس اعتقادا بموضوعات عالم الآخرة، والموقن بأنه ‏النهاية المحتمة، هو الأقوى حزما ‏في محاربة هوامل الملمات، والأجدر حظا ‏في كسب شوامل المهمات. إذ لا يقامر بلب حياته إلا لرغبة في ‏موته، ولو استبعدها إلى حينٍ في ‏خلده. ولذا يصير أشد الناس شراسة في ‏التعامل مع الحياة التي يعارك صخبها لكسب هدوئه، ونيل سكونه، ‏لكونها محل افتتانه بشهواته، ‏واغتراره بنزواته. ومن هنا يكون أهل ‏الديانات في الإحساس بها كغيرهم من أهل الثقافات، والحضارات. إذ لا ‏يفرق بينهم شيء في حقيقة ‏المدافعة، ولا في طبيعة المفاعلة، لأنهم توائم في ‏الإرادة، والفعل، والاختيار، وسواسية في سؤال الوجود، والأنا، والأين، ‏والمصير. ولا ‏غرابة إذا اختلفت الأسئلة، وتنوعت الإجابة، وهي في ‏تعددها دليل على وجود مأمن يلتجئ إليه الإنسان حين تستعر نيران ‏الحقيقة في ‏جوفه، ويختزن غيض ألم كبده في جونه. ولذا، فإن هذا الكن ‏الذي صنعه الإنسان لطمأنينته، وانتخبه لهموده، هو الذي يكسبه الثقة في ‏‏الصعود، والهبوط، وهو الذي يمتعه بشيء من المنى على بساط المنى، ‏والاغتباط، لأنه بدون أن يشعر بموئل يأويه، أو معاد يؤوب إليه، لن ‏يسير ‏بمعراج الأمل إلى لحظة الوصال، ولن يغدو موقع قدمه في العاجل، والآجل. ‏وإذ ذاك سينتحر وقته، وتنتهي قصة الحياة فيه، ‏وحكاية الخلد معه.‏
ومن هنا كان للصوفي نظره في تبين حاله من الحياة التي يغرم بها، ويغار ‏عليها، لأنه في جوهره البشري، وطبعه الآدمي، لا يشاكل إلا ‏ذاته، ولا ‏يناظر إلا غيره، فهو كائن بكليته، وكامن في جزئياته. فإن رفض أثر ‏بشريته عليه، وغالى في صوغ ملائكيته، وجحد ارتباطه بعالم ‏الذنب، ‏والخطية، وأنكر صلته بصوارف القدر، والعادة، فأنى له أن يدعي بلوغ ‏هامة ماديته إلى مقام روحيته، ويشهِّر نظافة معينه بين ‏آسن موارده.؟ بل ‏أنى له أن يسعد لوحده بما أغلقت فيه الكلمات، وأعجمت فيه ‏الآيات، ويترك غيره سائمين في صحراء الشهوات، وتائهين ‏بين ‏غمرات الغفلات.؟ إذ أكمل وجه في تقدير الذوات التي آمنت ‏بتناقض الألحاظ عند مكامن الأسرار، هو اعترافها بما يتدفق فيها بلا ‏‏نقاب يحجب الأكدار، لأن القناع لا يستر إلا طلاء الوجه القبيح، ولا ‏يظهر في سمو طلبه إلا الصورة المعدلة للإنسان الصريح. فالصوفي ‏إذا ‏اعترف بأنه هو الحياة بكل تجلياتها، والأقدار بكل فيوضاتها، فلا محالة، ‏سيكون سيره مقابلا لكبد ذاته، ومعانقا لأثر حياته، لأنه لا ‏يُستثنى بشيء ‏يحميه مما تزل فيه الأقدام، وتضل معه الأحلام. إذ مجرد وجوده بلا شيء ‏محوز له في الطبيعة الموصدة، هو الذي يرغمه ‏على الاختيار الأوعر لطريق ‏مخصوص بين السبل الموصلة، لأنه لا يملك شيئا آخر في ذاته يفارق به ‏جبلته، ويزايل به سجيته. وإلا، ‏اغتررنا بسبك المعاني التي تلاك حين ‏نشعر بلسعة الأحداث الغاضبة، وفجوة الديار الهائجة، فننزوي إلى ركن ‏قصي، وعمق هني، عسانا أن ‏نستلهم من المتخيل صورة متحركة بين ‏أعيننا، ومتوردة في أفقنا، تحيي فينا رميم الشوق إلى شيء مستغرق في ‏العماء، ولكنه يجمع كل ‏رغباتنا في الخلاص، والفداء. ‏
ولهذا لا يعني التصوف أن تفقد المعنى المشترك بينك وبين من يعيشون ‏حولك بأوضاع مختلفة، ولا أن تشهد فيك منتهى الكمال الذي يرتحل ‏‏من أجله السراة بأنفاس متعددة، بل ما أنت إلا جزء من هذا ‏المركب الذي يغني بحقٍ يود الوصولَ إليه آمنا، والمكث فيه ساكنا، ‏لعله ‏ينال منه سعادته التي فطرتها الأقدار في عمقه، ويحجز له محلا ساكنا ‏يقيم عليه صلوات أمله بوضوء سرور هناءته. وإذا أدركنا هذه البشرية في ‏ذات ‏الصوفي، وعلمنا أنه لا يخلو من قدره الآدمي، أيقنا بثلب كثير من ‏الحركات التي توجه الفعل الإلهي في ظاهر البشر، وتعده نهاية عهد ‏‏الوصل في العاقبة، والأثر، لأننا لا نتزين في ظاهرنا إلا بما نسجناه، ولا ‏نتعرى إلا مما لبسناه، وما خفي في بواطن سرنا من معان، هو ‏الحد الذي ‏يميزنا عن غيرنا في تدبير قصة الوجود بأمان. فلا غرابة إذا حيرت ‏الصوفية مقامات التوبة، وولهتهم مراتب الاستقامة، لأنهم ‏يتوبون حتى ‏من الخواطر التي ترد عليهم في المقدمات القائمة، ويستعيدون من ‏الإشراك في النتائج الحاصلة، لأن مغبة الشيء الذي نبحث عن ‏مكامنه، ويغرينا ‏عنفوان بريقه، هي التي تجعله روحا سارية، أو سحابة ‏عابرة. وهكذا، فإن التصوف لا ماهية له حتى يعرَّف، ولا هيأة له حتى ‏يكشف، ‏ولا وضع له حتى يحصر، ولا عادة له حتى يقصر، بل مظهره هو ‏هذا الإنسان الذي يبحث عما وراء بشريته، ويفتش عن جوهرته ‏الضائعة ‏في غموض ذاته، ولو اختلت الوجهة، واعتلت البغية، لأن ‏الصوفي لا يشعر في مشاكسته للمعنى الروحي بالتفوق، ولا بالارتياش، بل ‏غوره في ‏مقابلة المعاني مترع بالذهول، والاندهاش، وطبعه في مشاغبة ‏الأشياء مفعم بالانهزام، والانحياش. إذ التجبر بادعاء كمال الشرعة في ‏المرام، هو الدليل ‏على خبث الحلم، والبرهان على خزي الوهم. ‏ولهذا، فالصوفي في جهده ما انحنى، وفي سعيه ما التوى، إلا لكونه أدرك أن ‏باب الحقيقة لا يؤتى إلا بتفويض ‏المراد إلى جوهره في الوجود السرمدي، ‏وعودته إلى أصله في التكوين الأزلي. من ثم، كان ترنحه بين بحور التدله ‏والحيرة وسيلة لنيل المنية، ‏لا لإظهار النقمة. ‏
وهكذا، فإن الصوفي‎ ‎الحق، والعابد القائم بالفعل السابق، والمتبوع بأمر ‏اللاحق، وهو الإنسان الفرد بكل أوضاعه المتآلفة، والحياةُ الفذة ‏بكل ‏تغيراتها المتنافرة، لا يخرج عن مقتضى ما تندفع إليه الآمال من عوالم ‏تختفي فيها لواعج حرى، وخوالج شتى، لأنه محكوم بما وجد له ‏خلقة، ومجرور ‏لما وضع عليه جبلة، ومحدود بما فطر عليه من استعدادات تقتضي الجمع ‏بين النقيضين في شكل صوره، وتستلزم وجود تمام ‏الفعل في أثره، ‏وغياب كماله في تحريف معناه، وتقديس مبناه. ولذا، فإن الصوفي إذا ‏غالى في تقدير ذاته، وجعلها ملاكا يمشي بهوْن بين ‏ما يرضخ له طبعه، فإنه ‏قد نقش على لوح بشريته معنى الحقيقة المطلقة، ونحت في روحيته متاهة ‏لشوقه إلى ألطاف المعاني المجردة. إذ لو تاه ‏به الخيال في تنميق قوله، ‏وتزويق فعله، وتزيين كسبه، وذاب بين المعاني الغامضة، والأسرار ‏الغائرة، وأدرك فيها شيئا من السمو، وحقق بها بعضا من ‏العلو، فإنه وإن ‏لم يهتد إلى ما يرجعه إلى جوهر حقيقته، ولم يتبين بمرامي أنظاره ذلك ‏الممثول المصور في عمقه، قد أدرك باليقين ‏وجود مثال آخر للمعاني، ‏ومحضن آخر للبيان عن المرامي. ولو تباطأ سيره بين معالم طريقه، ‏ومعابد سبيله، أو فتر في بعض مراحل ‏صعوده، أو ضاع في بعض مناحي ‏هبوطه. فهل يمكن وجود ذلك المعنى المراد حقيقة، يكون التأليف به ‏فاعلا في الحجة.؟ أو لا يمكن وجوده إلا ‏في عالم الانطباعات الساهمة في ‏التحديق، والوالهة بالتوفيق، والراضية بالتلفيق.؟ ربما لم نعثر بين ‏مزامير الحقائق عن زمن كان التصوف ‏فيه نظاما شاملا للكون، ولا ناموسا ‏يدبر أمر الحياة بميزان، لأنه تجربة الإنسان الفذ، والفرد، وخبرته في نشر ‏الطرق وطيها بلا كمد، ‏والمعنى الذاتي الذي يقدس فيه الحقيقة، ويجلها، ‏وينزه فيه معاني العبدية، ويتوطنها، ويجعل المعرفة الممزوجة بالأمل والألم ‏كمالا في الاعتقاد ‏بنهاية الكينونة، ووزال الصيرورة. ‏
ومن هنا، فإن الصوفي الإنسان، والناسك المغرم بنول الخلاص، والأمان، ‏ما هو إلا قائم بما أقامه في مقام زمنه، وما هو إلا واقع بما ‏أوقعه فيه حال ‏واقعه. ولا معدى عنهما في سبره للمُتعَيَّن المحدود في حرده، ولا مفر منهما ‏في بناء متصوره الذي يحمي علائقه الممتدة بين ‏ظاهره، وباطنه. ولو انطوى فيه ‏كل سر غريب، والتوى على كل شأن عجيب، لأن بداية حظ ‏السعادة التي هي حاجة الذات في ‏الطبيعة الفوارة بالمعاني، لا تنتهي إلا ‏حيث تكون محروسة بخوف جيوشها المستوفزة بين المجاني، بل لا ‏تبتدئ النهاية إلا حيث تقع قدمك ‏على عتبة غيرك، وتلمس ‏أعناق المصالح أخواتها في الحصول عليها منك. إذ القول بالغير، ‏والسوى، والتعريض بالألم والدوى، ما هو إلا ‏إيقان بالعوارض التي تستر ‏الذات في كسوة الآخر الذي هو نظيرك في كل منفعة، وهو المعارض لك ‏في كل مصلحة، وتحمي وجوب ‏الائتلاف في صون هوية الجماعة المشتَرِكة ‏الحقيقة، والمتفاعلة النتيجة، لأن اعترافنا بوجود شيء خارجي عنا، يمكن ‏له أن يؤثر على صفاء اللحظة الآسرة ‏لأشواقنا، هو عين ما نسميه عارضا ‏يطرأ على رغبة الذات في السكينة، فيكدرها بالفجيعة، ويربكها بالوقيعة، ‏ثم يفتنها بشيء يصرف النظر ‏عما يتموج من معان في الأعماق، وما ‏يترنح من رؤى بين الأشداق. ولذا، لا يستفخم هذا المعنى في ذات ‏الصوفي، ولا يستعجم في عبث ‏الغبي، إلا حين نجعل التصوف نسقا ‏موحدا في البدايات، ومآلا نعنو إليه في النهايات، لا نمطا يحكي عن ‏زفرات العشاق في استشراف ‏معاني السماء بفناء الذات في مقام ‏التألم، والتعفف، والتوله، ولا بساطا تروى عليه الحكاية بلا نفاق، ولا ‏تضليل، ولا تمويه. ‏
ومن هنا، فإن التصوف لم يكن انعزالا عما يموج من أتعاب بين ‏الذوات الأخرى، أو اعتزالا تتحقق به الأنانية المستعليةُ بالمعرفة المصدِّقة ‏‏لكمال مفاهيمها المثلى، بل كان مشاكسة للوقائع، ومعاركة للطوالع، لأن ‏التصوف في بدايته، لم ينطلق من نقطة الهدوء التي انطلق فيها ‏الفكر ‏الواثق من ذاته، وإنما انبثق عن الصخب الذي تزفر بين الديار ‏المجللة بالوجع، والمكللة بالورع. ولذا، لم يكن التصوف هروبا مجردا ‏كما ‏توهم من رأى الانزياح نحو الذات انهزاما في المعركة، بل كان رغبة في ‏إصلاح الخارج من داخل الملحمة، لأن الصوفي حين انزوى ‏إلى غور ذاته، ‏وانساب بين مكتوم روحه، وهو النسمة الإلهية المخزونة فيه، والنقطة ‏البشرية التي تصرفه عن غيره، لم يرد إلا أن يخرج ‏منها ذاتا مؤثرة ‏في كونه، ويبدع من فضائها أرقى رسوم العناية، وأجمل حدود الرعاية. إذ ‏الصوفي لا يقف عند الحدود الظاهرية ‏للأشياء، ولا يرتبك بما جعله ‏أدعياء الكمال حاجزا عن النظر الحاد إلى معاني الأمداء، وإنما يرتمي في ‏غدران أحضانها، ويغوص في بحر ‏أعماقها، لكي يكتشف منها ما يفيد ‏في توثيق رابطته مع ذاته، أو ما يقوي آصرة التآزر مع غيره. ولذا استشكل ‏الناس ذلك لجهل ‏للموارد المشتركة، فظنوا العزلة هروبا يتوقى به الصوفي ‏عجزه عن سبك المعاني المعبدة. لكن هل يصح ذلك.؟ ‏
إن العودة إلى الذات التي هي عنوان نبع الوجود، لا تعني قطع حبالها ‏مع خارجها البارز منها بالتمام، بل تعني الرجوع إلى الأصل الذي ‏ابتدأ ‏منه الإنسان سيره بين المرام. وذلك لا يفيد بدركنا إياه مقتضى الهروب ‏الذي يرسمه بعض بسطور باهتة، وظنون فاسدة، لأن سير ‏الصوفي المستغرق ‏في تقديس ما يجوس حوله من قباب مباحثه، لا ينطلق من مركز ذاته إلا ‏إلى نقطة فيضه بين عوالم مداركه، لكونه ‏أيقن بأنها محل الروابط والعلاقات ‏التي تربط بين جونه، وبرانه. ومن هنا، فإن العودة إلى إصرار الذات، ‏والأوبة إلى رشد الإشارات، ‏لا تعني سبيلا واحدا يجوز لنا أن نعتبره هو ‏الأجلى فيها، بل العودة كما تكون من الخارج إلى الداخل لمجاراتها في ‏مطالبها، فإنها تكون من ‏الداخل إلى الخارج لتجاوز تناقضها مع مواقعها، ‏وكلاهما واردان في التجربة الصوفية التي تعرف الدائرة بأسمى ما فيها ‏من معان متنورة، ‏وعليهما المعتمد في وجود إحساس مشترك يتجه نحو ‏تخليق القيم المتبادلة بين الطوائف المختلفة. إذ هي إما البداءة من ‏التوبة إلى الفناء، أو ‏البداءة من المرادية إلى المريدية المنتهية بالصفاء، إلا ‏أن الأولى تنتج ذاتا شخصية، والثانية تفرز لنا ما نسميه بالذات الجماعية، ‏لأنها هي ‏التي تتبارى عليها الأقوال، والأفعال، وهي التي تحكم علينا ‏بالخير، أو الشر في الخلال، والخصال. ولا غرابة إذا كان الصوفي أنموذجا ‏‏للحب، والعطاء، وأيقونة للأمل، والرجاء، لأنه نتيجة حتمية لامتزاج ‏حقيقتي الظاهر، والباطن, وخلاصة تجربة الفعل والترك التكليفيين ‏في ‏مسرب الإنسان. ومن هنا، فإن اكتساب مفهوم الشخصية التي يتحدد ‏بها التمايز عند التقابل، لا يأتي من مدار واحد في صياغة قوة ‏التعادل، بل ‏يقوم على إدراك كل العوالم التي تلامس حقيقة الذات في مجالها ‏الفردي، ومحيطها الجماعي. ‏
وإذا قلنا بذلك، وأقررنا بأن التصوف يعني المثابرة الممزوجة بالأحلام، ‏والآمال، والمشاكسة المعلولة بالتروك، والأعمال، فما الذي يميز ‏الصوفي ‏عن غيره، ويرفعه في اعتبار سيره، وكلاهما قد ظهرت له الأنوار مظلمة، ‏والآفاق معتمة، وبدت له الحقائق عارية، والمعاني ‏كاشحة.؟ إن القول ‏بالتميز التي يفضي إلى التفريد الشخصي، هو سبب كثير من ‏الانتحارات التي يُغتال فيها الصفاء البشري، لأنه إن لم يدل ‏بأقل ‏دلالاته على الأنانية، والجبروت، فإنه يدل باٌقوى حججه وبراهينه على ‏الوثوق من تفوق معنى على ما سواه من المعاني المبسوطة في ‏الملكوت. ‏وسواء كان محيط المعنى روحيا، أو كان مداره ماديا، لأن ادعاء الكمال في ‏سبيل محصور بحدود الذات المنغلقة على معانيها، هو ‏في أقل درجاته ‏سلب للزوجية التي يتقوم بها وجود الأشياء القابلة لضديها. لكن هذا ‏المنحى الضيق في الاستدلال، وهذا البعد المتشنج ‏في التفصيل، والتأثيل، ‏لا يمكن له أن يرد على مورد التصوف، ولا أن يغدو صورة متعبة في ‏التأليف، إلا إذا حصل الغلو في اعتبار ‏التعدد ضررا على الوحدة، ‏وأفرط النظر في اقتضاب المعنى بعنوة، وادعى كل واحد تمام حقيقته في ‏ذاته، واستجاب كل فريق لقوته التي ‏تكسبه في سعيه سبب بقاءه، لأن ‏مجرد التفوق في العالم الطبعي، لا يستلزم حكما له ميزة في محل ‏التكليف البشري، بل العمل في الرسم ‏الأول الذي تميز به الإنسان ‏عن سائر الكائنات المنتشرة بين الأكوان الطبعية، يقتضي أن تكون ‏الغاية منه الانضباط للالتزامات الذاتية، ‏والمسؤوليات الجماعية. ولهذا ‏يكون الصوفي كغيره من الآدميين، لا ينفصل عنهم إلا في طريقة التعامل ‏مع المعاني التي تؤهل حياته لبناء ‏هويته الشخصية بين الآخرين. ومن ‏هنا يمكن لنا أن نتساءل: هل التصوف هو التمادي في المجرد، والتماهي ‏في المطلق.؟ أم هو المساكنة ‏للذات، والمعايشة للواقع.؟
‏ إذا كان المعنى الأول مستلهما للحقيقة في حدود الإدراكات الاستثنائية، ‏ومتعرفا على المعاني الغامضة بسبل مستغرقة في العشق للمطلقات ‏‏الخفية، والمكتومة، فإن مقتضى التصوف في الرأي الثاني، يستوجب ‏ألا يسير الصوفي إلا على بطن الأرض التي هي محل الجرم الجسدي، ‏‏ومنها يرسل عينيه إلى السماء في الكبد الأبدي، لئلا يفقد سر تعلقه بها، ‏ووظيفته فيها، وإلا، صار التصوف في الكلية ظاهرة وجدانية، ‏تدرس في ‏باب الإحساسات الباطنية. وعلى هذا تكون كالشعر، والموسيقى، ‏والحكايات، والأمثال، بل تشمل بطبيعة لا نهائيتها كل ‏الفنون التي تعتمد ‏على الصورة المثالية في الخيال. ولذا يلزمنا الفصل بين الحقيقتين، ووضع ‏الفواصل بينهما في التحديدين، لأن ما تدل عليه ‏الصورة الأولى، ولو ‏كانت مطلقة في استجلاء المعاني المثلى، لا تعني أنها متعذرة في ‏تصويرها، ومستحيلة في تحصيلها، أو أنها لا يمكن لها ‏أن تجمع مع غيرها، ‏ولا أن تبنى فيما عداها، بل هي وثبة نحو سؤال آخر، وهو قولنا: هل ‏يمكن للصوفي أن يتجاوز بشريته لملائكته.؟ أو ‏كيف يمكن له أن يعود ‏بعد السكر صاحيا.؟ أو هل يمكن أن يصل الصوفي إلى مرحلة لا اضمحلال ‏فيها، ولا زوال معها.؟ إن الإجابة عن ‏هذا السؤال، قد تضمنتها تنقلات ‏الإعراب عن مدار الألفاظ في هذا المقال، ولا أراني مجبرا عن الإجابة ‏عنها باللفظ الأكمل، لأن غاية التحرير في المراد ‏الأمثل، هو إثارة قلق ‏السؤال، لا وضع تصور لنهايته، ولا بداية لغاياته. ولهذا أرى الصورة الأولى ‏تبحث في المعاني الإلهية، بينما الثانية ‏تسلك دروب العروج بالوسائل ‏الذاتية، لكي تضيء قنديل المعرفة بالمعاني البشرية الدالة على عالم ‏الربوبية، والمتعلقة بلطف الألوهية. وبناء ‏على هذا، فإن التصوف ‏معطى ذاتي، ونسق شخصي، وإذا انتظم به أمر الجماعة، صار معنى غير ‏قابل للتفرد في التجربة العينية، بل ‏يستوحي خبرته من مجموع أفرادها، ‏وطرق بناء معارفها، لكي يقع الاختيار على مظهر يصاغ به الكمال في ‏الدائرة الأخلاقية، والمدارات ‏السلوكية. ومن ثم، يغيب الحس الفردي ‏في بؤرة الجماعي، لكي يكون سياقا متبعا في الالتزام بالفعل الظاهري، ‏ونمطا يجسد فيه الصوفي ‏أنه ابن ربعه، ويمثل فيه دور السياق في حقيقته. ‏
قد يستشكل هذا المعنى كثير من أصدقائي الذين ظنوا الانتظام في جماع ‏النسق هو تمام التصوف الأسنى، وكمال الالتزام به في الدور ‏الأعلى، ‏فخالوا التمييز حاصلا بقيود الجماعة التي تتشكل بها الحقيقة في أبعادها ‏البشرية، وتتجسد بكل ما تركب فيها من قيم ومثل علوية، ‏وظنوا ‏التوقف عند هذا الحد مجز في طي الطريق نحو الكمال، ورفع لواء ‏الانتصار في سابغ الخلال. قد يكون هذا غاية عند كثير ‏ضجروا من ويلات ‏المجتمع، وانحازوا إلى المجموعات الصغيرة التي تآلفت بالاجتماع، لكي ‏يعيشوا بين ظلال الكون بأحلام بسيطة، وأمان ‏معدودة، لكن لو جعلنا هذا ‏الانتظام شرطا في تحقق معنى التصوف، وهويته، ودرك كنهه، وماهيته، ‏والجماعة سبيل لوجوده، ومعبر لحدوثه، فإنه بذلك يجعل ‏الالتفاف حول ‏مائدته فرضا دينيا، وواجبا أخلاقيا، تؤدى به لازميات الاقتداء بلا توان، ‏وتبنى به صيغ الخلاص بإذعان. لكن لو قلنا ‏بتوقف التصوف عند حد ‏يجعله سياقا في السباق نحو معاني الائتلاف على مشتركات إصطلاحية، ‏فإنه لن يكون إلا مذهبا من المذاهب ‏المتسمة بالروحية، والمتصفة ‏بالمعنوية، أو طريقا من الطرق التي تكسب بها المعرفة المقدسة للبشر ‏من الأشياء القابلة للأحكام المختلفة، ‏والأعراض المتباينة. وإذ ذاك، ‏سيتضمن في عمقه نمطا من التشريعات التي تعاد غايتها إلى تحقيق ‏واجب العبودية في دائرة متزنة بأخلاقها ‏الدينية، وآدابها السلوكية. ‏وعلى هذا سنكون أمام تصوف يحد الحقيقة بحد معين في النهاية المطلوبة، ‏وهو وجود طرفين في عملية الصراع ‏القائم بين الذات، والموضوعات ‏الخارجية، أو بين الذات، والعرض المصاحب لها في وضعها الظاهري، ‏وكلاهما يترجى أن يصل إلى حقيقة ‏محددة في التقدير الذاتي، وهي الأمل ‏الذي يصير به الإنسان كاملا في رسوم الطبيعة، ويغدو بها قويا في ‏المكاسب العرفانية. ‏
وما دام هذا الحد موجودا في بداية الطلب للأشياء المبحوثة بشرة، ‏وعنفوان، ومحدودا في النهاية التي تتحقق بها غاية التطهير لموارد ‏الأبدان، ‏ومعاهد الأكنان، وهو الحد المجرد في الذهن قبل العثور عليه بين المعاني ‏المتكاثرة مع تنوع التجارب البشرية، فالإكثار من الجلب ‏لإظهاره على ‏الحقيقة المصوغة له في التفكير المندفع إلى استكشاف المعاني المتباينة، هو ‏إضاعة للوقت المتوافر لغايات أخرى يحددها وضع ‏الحقيقة المتعالية، ‏وإسفاف بحق الباطن في اختبار النفَس المستفتح لأبواب السماوات ‏العلية، وإحجام لرغبة الظاهر في معايشة المتناقضات ‏التي تنسج خيوط ‏روابطها بين برزخ المعاني الجلية. ولذا، فإن التجربة اقتضت أن ‏تتعدد حياضها، وتتولد عنها الكثرة في وحدة تتمدد عليها ‏فرشها، لكي ‏تتشكل كل أنواع السير الذي ينطق بألم الإنسان في الوصول إلى اللحظة ‏المقدسة، وتشتمل على كل ما بسطه القدر بين ‏أمدائها من العلامات ‏المطهمة، وتكتمل بها دورة الحياة في نقطة الوصال المعتقة. وهنا نكون أمام ‏خيارين في الاعتبار، ونغدو بين تيارين ‏يفجران الصراع حول المعنى المراد ‏في الاختيار، لأن الأول يريد أن تكون الجماعية دليلا تاما على مجرد ‏الحقيقة، وبابا نافذا إلى ما وراء ‏المعنى من أسرار الطبيعة. وحينئذ يكون ‏التصوف وسيلة في سياق بناء كيان مشترك الهوية، وغاية للشعور ‏بالفكاك من آثام الأخلاق ‏الرديئة. والثاني يرى الفردانية الدالة عنده ‏على مطلق الفرد أوضح الطرق في المعرفة الأزلية، وأيسرها في بلوغ ‏مهيع الأنوار القدسية. ولذا أكثر النكير هنا من لم يفرق بين الأذواق، ‏ولم ‏يميز بين الحقائق، فحسب الفردانية قتلا للجماعية، أو نفيا لها في ‏القضية، وزعم أن وجود أحدهما مستلزم لعدم الآخر بالضدية، لأن الطريق ‏‏عنده لا يقبل الثانئية، ولا تحبذ السير براحلة الأنفاس المنتشية فوق مرمر ‏تختلف حوله الواردات النازلة بفيضها على طاقة الذوات المتباينة. ‏وهذا مبني على نظر معتبر في دائرة معينة، لها شروطها في بناء الحقيقة ‏الدينية، لكن هل يمنع وجود الضد من الوصول ‏إلى المأمول من الكمالات ‏البشرية.؟ أو لنقل: ألا يجوز للطرق أن تتعدد، وسواء فيمن قام به الحظ ‏على اعتبار النهاية هي ما ناله من ‏رضوان، أو فيمن رأى القرب أسمى ‏المراتب في البيان.؟ إذا قلنا بالأول، فما حجدنا أن الهدف هو الشيء ‏الذي نكون به وجودا في ‏الحظوة، وذلك لا تنبني عليه ضرورة التسليك ‏بمنهج معين في القدوة، لأن الأصل فيه، هو النتيجة معه، لا القول بفرضه ‏على السالك إلى ‏مقامات الإيمان، ومرامات اليقين. وإذا قلنا بالثاني، ‏فما ألزمنا أحدا بوجوب الوصول إلى نقطة محددة في المعرفة، لأنها تتعدد في ‏طرق ‏التحصيل عليها بين معاني الكثرة، لأنها عبارة عن جهدك في ‏إيجاد تلك الصورة المعبرة عن كبدك الباطني، ودلالة على ما يعتمل في ‏الباطن ‏من معان تحرك الذات نحو العشق السرمدي. ومن هنا، فإن ‏المعنى الثاني، ولو افترض الذاتية في الحقيقة، لم يخرج عن الكليات ‏التي تجمع ‏جزئياتها في الطبيعة، وإلا، انتفى التصوف في الوصل، ‏والإيصال، وحكمنا عليه بالزيغ، والضلال. ‏
يتبع‏