الموت بالماء

سلام إبراهيم
2016 / 12 / 5

الموت بالماء

قبل أن أبلغ العاشرة ذقت طعم الموت في الماء.
كنتُ مجنونا بنهر الديوانية. ودكان عمي –خليل- الحلاق الذي أخدم فيه في العطل وبعد المدرسة لا يبعد عن النهر سوى عشرين متراً.
مقابل مقهى اللواء في شارع الصيدليات.
صيف تموز والنهر يعج بالأطفال العراة، وعمي يتركني وحدي كل ظهيرة ليعود عصراً
أسد باب الدكان وأذهب للسباحة.
لم أتعلم العوم بعد، فكنت أعوم بالماء الضحل قرب الجرف.
وأكتشف أمري!.
شبعت ضرباً من عمي وأبي وأمي في البيت،
كانت أمي الوحيدة التي تشرح لي خطورة الأمر قائلة أثناء صفعي:
- كل سنة الشط يأخذ واحد ضحية،
وفعلا كان كل عام يغرق طفل أو أكثر. وتكمل:
- ما تعرف تسبح أش لون تسبح بالنهر، مو الماي ياخذك، أش راح يصير بيه لو رحت.
لم ينفع معي سيء لا الضرب ولا الكلام. فباتت العائلة كلها مستنفرة، أرهم وأنا أسبح يقفون على الرصيف مفتشين بين حشود الأطفال عني، لكن هيهات.
لكن في يومٍ رأيت أبي على دراجته وأمامه يجلس أخي الصغير "كفاح" الملتزم العاقل. أوقف الدراجة الهوائية ونزلا فصعد كفاح على حافة السياج العالي قليلا وراح يتصفح الأطفال، إلى أشار إلى موقعي. فأصابني الهلع ولما كنت لا اعرف العوم، خرجت من الماء وحملت ردائي الأبيض وركضت من الجسر الخشبي الرابط بين شارع علاوي الحنطة وشارع الصيدليات باتجاه سينما الحمراء والمحكمة الحديثة الآن. أركض عاريا إلا من لباسي الداخلي، ليس ثمة لباس سباحة وقتها. أركض مفزوعا لاهثا. وأبي يضع أخي الصغير الجاسوس "كفاح" وعمرة لا يتجاوز السادسة أمامه على الدراجة "هذا الجاسوس الملتزم الصغير سيصبح شيوعيا ويموت تحت التعذيب في عمر الثالثة والعشرين دون أن يشي برفاقه" . كنت محاصراً بين الماء وأبي، شديد الفزع فهذه أول مرة أمسك بها متلبساً. فالضرب الذي كنت أتحمله كان على الظن. أتذكر تفاصيل صغيرة حرقت قلبي، كنت وقتها مدلها بجمع نكتف الصور السينمائية راحت تتساقط وأنا أركض من جيوب ردائي كنت لا أستطيع الوقوف لجمعها فسيقبض علي، ولشد ما أحزنني ذلك الأمر، حتى أني أحس بحرقة قلبي بالرغم مرور أكثر من خمسين عام على التجربة. ركضت عبرت المحكمة وسينما الحمراء ومتوسطة الديوانية والشاطئ أقفر فلا أحد يسبح هنا. وحالما صرت مقابل مقر المستشفى العسكري للفرقة الأولى ضاق الساحل حتى تلاشى إذ صار ماء النهر يصطدم بسياج النهر فوقفت حائرا لا اعرف هل الماء ضحلاً أم عميقاً. وكنت أحب الحياة منذ ذلك الوقت جدا، وأخاف على نفسي فوقفتُ منتظراً مثل طيرٍ وقع بشبكة الصياد. أمسكني أبي "عبد سوادي" وكان مجنونا من شدة حرصه وتعبه من عنادي وإصراري على السباحة. أجلس "كفاح" على مقعد الدراجة الخلفي. ووضعني أمامه عاريا يصفعني بكفه الممتلئة على ظهري كل مترين فأشتعل ألما حارقاً، ويا لتلك التجربة الفادحة. ضرب أبنٍ عارٍ مستسلمٍ ضربات ولا سعير النار جعلتني لاحقا أحلف أن لا أمس أطفالي بكفٍ أبداً.
هل كففت عن الماء؟!.
لا.. لا.. أبدا!.
ما أن أبقى وحيدا في الظهيرة الحارقة، متعرقاً وعلى مسافة عشرين متراً الأطفال عراة يلقون بأنفسهم من سياج الجسر الخشبي إلى الماء، حتى أنسى كل النصائح والضرب والتجارب، فأغلق باب الدكان وأهرع إلى الشاطئ ألقي بردائي وأتسلل إلى الماء الضحل شاعراً بلذة فريدة لازالت تنتابني حتى الآن كلما دخلت بحرا أو مسبح.
فأذاقني رعب العقاب ولذة الماء طعم الموت بالماء.
في يوم تالٍ عقب مسكي تكررت التجربة، لكن حينما لمحت أبي يوقف دراجته على الرصيف ويستعين بأخي الذي يصغرني سنوات ثلاث "كفاح" كي يشخص وجودي، أصابني الهلع وبدلاً من الخروج والتخفي على الشاطئ جعلت أنحدر إلى الماء العميق معتقداً بأن ذلك سيجعلهم لا يروني. دفعت طين الشاطئ الضحل حتى عامت ساقيّ في الماء ووجدتني أغطس عميقا، نسيت كل شيء وشعرت بالماء يتسرب إلى رئتي ثقيلا، لكن الماء دفعني إلى العوم، فصرخت بأولادٍ كبار كانوا يسبحون قربي:
- عمي..عمي غرقت!.
وسحبني الماء مرة أخرى، فأحسست بالماء يتدفق شديد الثقل إلى جسدي ويكاد الهواء يضيع. رفعني الماء مرة أخرى إلى سطحه. صرخت وأنا أجود بنفسي باحثاً عن منقذ يدفع بي إلى حافة الحياة، قبل أن أغطس مرة ثالثة أحسست فيها بخدرٍ يسري في جسدي خفيفا لذيذا، لكن الماء أرحم من البشر رفعني مرة أخرى لثانية، فشعرت بأحدهم يدفعني نحو الشاطئ الضحل الذي لا يبعد سوى مترين فتنفستُ الحياة، كان الشاب المذهول يردد موجها كلامه لزملائه:
- هذا صدكـ كان يغرق!.