قسوة المضمون في -الساعة الواحدة صباحا- مالك البطلي

رائد الحواري
2016 / 12 / 4


الساعةُ الواحدةُ صباحًا
ما عاد الّليل يوجعني
ومرضكِ الغبيّ لا يوجعكِ بل يوجعني
لم يسألني أحدٌ
حتّى أنا لم أسأل نفسي
إنْ كانت لديّ رغبةٌ بالقدوم إليّ
أنا كأنّني طفلٌ معوقٌ أعمى يبحث عن أمّه
بين انفجارٍ وآخر
كأنّ الطريق شبيهٌ بشعرها
بكثرة التواءاته وتساقطه قربَ انفجار الخيبة
أصمتُ مع نفسي
وها إنّي أشعر ببرودة الموت
لأنّ عزرائيلَها يحبُّ الدّفء

قسوة المضمون
مالك البطلي
نص طازج/جديد ما زالت تفوح منه رائحة الدم والجثث والخراب، بعثه الصديق "مالك البطلي" بعد أن انهى كتابه مباشرة، وكأنه يريد أن يقول هكذا نحن العراقيين، نكتب بدون تجميل أو تزويق، فواقعنا ينضح بهذه الأوضاع، ولكم أنتم القراء أن تتحدثوا كما شئتم، تقيموا ما نقدمه لكم حسب ما ترونه.
سأحول أن نربط العبارات بالمضمون، لكي نصل إلى داخل نفس الكاتب، إلى عقله الباطن، فهو يحدد لنا الزمن، الواحد صباحا، لحظة الانتقال من يوم ماضي إلى يوم جديد، لكن الليل هو سيد الموقف، فهذا الصباح وتلك الليلة هما في حقيقة الأمر شيء واحد، الظلام ما زال واقع، وأثره حاضرا وفاعلا، فلا فرق بين الصباح ـ في هذا التوقيت، الواحدة صباحا ـ وبين الليل في مساء اليوم الفائت، من هنا وجدناه يقول:
"ما عاد الليل يوجعني"، لكن هذا التكيف ـ إن جاز لنا القول ـ مع الظلام والخراب لم يقتصر على الوقت وحسب، بل تعداه إلى ما هو إنساني، إلى من هو قريب/صديق الراوي، ولهذا أتبع عبارته بقوله:
"مرضك الغبي لا يوجعني بل يوجعني" فالراوي تجاهل ـ من كثرة الخراب والموت ـ إن من بخاطبه هو إنسان، قريب منه وعليه، من هنا صحح قوله: بقوله "بل يوجعني"، وهذا يشير إلى حالة الاضطراب والارتباك والقسوة التي يمر بها الراوي.
بعدها ينقلنا الراوي إلى عالم آخر، عالم "لأنا" فيحدثنا عما يعاني نفسيا، فهو يشكو عدم وجود من لا يسأل عنه، من يحدثه بنا يشعر من ألم ووجع، إن كان على صعيد الهم العام أم الهم الخاص:
"لم يسألني أحد" بما أن الراوي يحدثنا بانسيابية فهو يكمل هذا الخبر بخبر آخر:
"حتى أنا لم أسأل نفسي" وهذا يؤكد أن ظرف ووقت الكتابة كان في حالة ألا شعور، فهو يكتب من خارج العقل الواعي، ولهذا نجده يستدرك العبارات بإلحاقها بعبارات مكمله لها، تصححها أو تضيف عليها ما هو جديد.
بعد هذ يحدثنا الراوي عما يحمله من ألم داخلي، فيصف لنا حالته بهذا الوصف:
"أنا كأنني طفل معوق أعمى يبحث عن أمه
بين انفجار وآخر" تشخيص حالته بالمعوق والأعمى يشير إلى حجم المأساة التي يمر بها، وعندما ذكر "يبحث عن أمه" كان يشير إلى ما يحمله في العقل الباطن اتجاها، فهي من لا يتركه/يستغني عنه/يهجره مهما كانت الأحوال والظروف.
من المشاهد المتشابكة/المتداخلة التي يحملها الراوي عن أمه وصف شعرها، فرغم أنه أسود، وهذا يشير إلى أنها ما زالت تحتفظ بجمالها وصباها، إلا أنها لا تهتم بهذا الشعر الأسود، بعدم تمشيطة، فهي امرأة بلا زوج/بلا رجل، لكي تزين نفسها له:
"كان الطريق أشبه بشعرها
بكثرة التواءاته وتساقطه قرب انفجارات الخيبة"، يعود بنا الراوي إلى ذكر مأساته المتمثلة "بالانفجارات" التي جعلت حياته جحيم لا يطاق.
ويختم الراوي نصه بهذا القول:
"وها أني أشعر ببرودة الموت
لأن عزرائيلها يحب الدفء" حتى في آخر فقرة نجد الراوي يكتب من خارج العقل الواعي، فلماذا كتب "عزرائلها" ولم يكتب "عزرائيل"؟ أعتقد بأن لأم التي فقدها، والأصدقاء والأهل والمكان الذي يخرب أمام ناظريه جعله يعود إلى حضن الأم التي يفتقدها، من هنا نجده يتجاهل كل ما حاوله ويركز على أمه دون سواها، فهي المفقود الأهم في مثل هذا الظرف.