8 لا تلازم بين الإيمان بخالق والإيمان بدين

ضياء الشكرجي
2016 / 12 / 4

8 لا تلازم بين الإيمان بخالق والإيمان بدين
ضياء الشكرجي
dia.al-shakarchi@gmx.info
هذه هي الحلقة الثامنة من مختارات من مقالات كتبي الخمسة في نقد الدين، ونحن ما زلنا مع مقالات الكتاب الأول «الله من أسر الدين إلى فضاءات العقل».

هل للكون خالق؟
ربما كان يجب أن تتقدم الإجابة على هذا السؤال على بحث ما يوجب العقل الاعتقاد به.
سؤالنا: كيف كانت كل هذه الكائنات، أو أُكينت كل هذه المُكانات، أو كيف وُجِدَت كل هذه الوجودات، أو أُوجِدَت كل هذه الموجَدات؟
من أجل محاولة الإجابة على هذا السؤال، أو قبل عرض الاحتمالات، لا بد من الفراغ من حقيقة أن هذه الوجودات التي نجدها في أنفسنا وما حولنا، إنما هي وجودات حادثة، وليست أزلية، وبالتالي فهي وجودات ممكنة، وليست واجبة، وهذا ما يؤمن به الإلهيون والماديون على حد سواء، حتى لو اختلفوا في التعبير عن هذه الحقيقة بحسب أدبيات كل من الثقافتين.
نرجع إلى سؤالنا: كيف وُجِدَت؟
1. الفرضية الأولى: كل كائن كوّن أو أكان نفسه بنفسه.
بتعبير آخر: كل موجود أوجد نفسه بنفسه.
أو: كل مخلوق خلق نفسه بنفسه.
2. الفرضية الثانية: بعض الكائنات كوّنت أو أكانت بعضها الآخر.
بتعبير آخر: بعض الموجودات أوجدت بعضها الآخر.
أو: بعض المخلوقات خلقت بعضها الآخر.
3. الفرضية الثالثة: الطبيعة هي التي كونت أو أكانت الكائنات.
بتعبير آخر: أوجدت الموجودات.
أو: خلقت المخلوقات.
4. الفرضية الرابعة: قوة خفية غير معلومة هي التي كونت أو أكانت وأوجدت وخلقت.
واستخدام فعل (أكانَ، يُكينُ، إكانَةً، فهو مُكينٌ لثمة مُكانٍ)، إلى جانب فعل (كَوَّنَ، يُكَوِّنُ، تَكويناً، فهو مُكَوِّنٌ لثمة مُكَوَّنٍ) بمعنى فرض الإكانة بدفعة واحدة، أو التكوين المتدرج، كما يقال عن الإنزال والتنزيل مثلا. ولا تعارض بين المصطلحين، فالإكانة صحيحة بمعنى انبعاث الإرادة في كؤون كائن ما، والتكوين صحيح بمعنى إيجاد مقدمات الكؤون لكائن ما، وبعثه من العدم إلى الوجود على وفق قانون التطور والتدرج والتكامل، مع إنه يصح القول بأن أصل الانبعاث إلى الوجود (الكؤون) إنما يكون بدفعة واحدة، فيصح معنى الإكانة، أما التكوين التدريجي، فيتوجه إلى الماهية وتحولاتها، وليس إلى أصل الوجود. ومن هنا فإن كل وجود يرجع وجوده إلى تاريخ ولادة المادة الأولى، كون المادة لا تخلق من العدم، إلا خلقتها الأولى، أو خلقة الطاقة الأولى، إذا كانت المادة في الأصل عبارة عن طاقة ثم استحالت مادة. كما يمكن القول أن هذه المادة الأولى، وكل وجود انبعث منها لاحقا، أن كل ذلك قديم قدم العلة الأولى، وأزلي أزلية واجب الوجود، لا من حيث تحقق وجوده، وإنما من حيث وجود حقيقة أنه كان سيوجد في لحظة على خط الزمن، وذلك ما يعبر عنه بأزلية علم الله وإرادته بكون كائن ما سيكون.

مناقشة الفرضيات الأربع
الفرض الأول (كل موجود أوجد نفسه بنفسه): هذا القول مردود، لأن استحالته واضحة لاستحالة الدور. فالموجود المفترض فيه أنه هو الذي أوجد نفسه، ماذا كان قبل أن يوجد نفسه؟ إذا كان قبل إيجاد نفسه، وبالتالي قبل وجوده عدما، فالعدم لا يملك أن يخلق نفسه أو يخلق غيره، فالمعدوم معدوم القدرة، ومعدوم الإرادة، ومعدوم العلم، مما يمثل كل ذلك من شروط واجبة للخلق، وفاقد الشيء لا يعطيه، والعدم لا يملك أن يفيض وجودا على شيء، لا على نفسه ولا على غيره. أما إذا افترضنا أنه كان قبل وجوده، أي قبل إيجاده لنفسه موجودا، فالتناقض واضح في ذلك، حيث أننا إذا افترضنا حالة لما قبل وجوده، فلا تخرج هذه الحالة من أن تكون عدما، فكيف يجتمع الوجود والعدم في شيء واحد، وفي وقت واحد؟ أما افتراض أن وجوده أزلي، وإنما تلبس بماهيات مختلفة ومتطورة من طور إلى آخر، فهذا واضحة سفسطائيته ولَغْويته، ولا أعرف أن أحدا يدّعيه.
الفرض الثاني (الموجودات الممكنة أوجدت بعضها بعضا): وهذا مردود، لأنه يوجب كون بعض الموجودات أزلية في وجودها، وبالتالي تكون كل تلك الموجودات الأزلية والخالقة لغيرها واجبة الوجود، وتعدد واجب الوجود ممتنع، كما سنثبت، ونفيه ثابت للإلهيين وللماديين على حد سواء، عند الأولين لاستحالة تعدد واجب الوجود، وعند الثانين لعدم إيمانهم أصلا بوجودٍ واجبٍ وأزلي.
الفرض الثالث (الطبيعة أوجدت الموجودات): إذا قلنا أن الطبيعة هي التي خلقت، فما هي هذه الطبيعة الخالقة؟ هل هي نفس المخلوقات، أم هي شيء آخر؟ إذا كانت نفس المخلوقات، فيفترض إما أنها خلقت نفسها، أو خلق بعضها بعضا، وهذا ما رُدَّ عليه في الافتراضين الأول والثاني. أما إذا كانت شيئا آخر، كما هو في الفرض الرابع، أي إنها طاقة ما، أو قوة خفية، فنرد على ذلك بمناقشة الفرض الرابع. ومحاولة الدارونية (evolution) في تفسير ذلك محاولة مع كونها متينة وعلمية، إلا إنها تشتمل على ثغرة عقلية لا تملك جوابا لتفسيرها، بل كل ما في الموضوع، تنفي نظرية الخلق الدينية المتعارضة مع الدارونية [والراجح صحتها، إضافة إلى أن قصص الخليقة فيما يسمى بالكتب المقدسة على النقيض من الحقائق العلمية عموما، سلّمنا بالدارونية، أو لم نسلم]. وهذا ما سنحاول مناقشته بشيء أكثر من التفصيل.
الفرض الرابع (قوة خفية مجهولة أوجدت الوجود): فإن هذه القوة الخفية، التي لا يدرك العقل كنهها تفصيلا، لا بد لها أن تتوفر على شروط، لا تكون إلا بها تلك القوة الخالقة، ومن هذه الشروط:
1. أن تكون قوة عاقلة.
2. أن تكون قوة عالمة.
3. أن تكون قوة حكيمة.
4. أن تكون قوة مُريدة.
5. أن تكون قوة قديرة.
6. أن تكون قوة غنية.
7. أن تكون قوة مستقلة في كل قواها.
8. أن تكون قوة، هي علة لكل شيء، ولا علة لها.
9. أن تكون قوة، لها قابلية منح كل الكمالات النسبية، فلا بد أن تكون كاملة كمالا مطلقا.
10. أن تكون غير محدودة في أي شيء.
11. أن تكون غير حادثة أي أزلية.
فبانتفاء أي شرط من هذه الشروط، سوف لن تكون هذه القوة الخفية المحيطة بكل شيء، والتي لا يشبهها شيء، والتي هي مصدر كل شيء، قادرة على الخلق، أو بتعبير آخر على أن تكون العلة الأولى للوجود.
ونكون بذلك قد اتفقنا على حقيقة وعلة وسر الوجود، فهذه القوة هي إذن: الخالق الأول، واجب الوجود، علة العلل، والذي نسميه نحن الإلهيين «الله» جل جلاله وتقدست أسماؤه وتألق جماله، ويسميه آخرون «طبيعة» أو «طاقة»، والخالق واجب الوجود هذا يثبت حتى مع ثبوت الدارونية والانفجار الكبير الأول، وثبوت الثاني يكاد يكون قطعيا، وثبوت الأول راجح على الأقوى.
[بكل تأكيد هناك للماديين (أعني المادية الفلسفية) وبالتالي اللاإلهيين تفسيرهم وفهمهم لبداية الوجود، وهناك نظريات متعددة ومتطورة في هذا المجال، ولها متانتها. لكني أريد أن أتناول موضوعة الدين مع من يسلم مثلي بوجود الخالق الأزلي، لأثبت أولا عدم الوجوب العقلي للدين، مع الإيمان بالله، وذلك على مستوى المفهوم المجرد، ثم امتناع صدق المصاديق لهذا المفهوم، أي الامتناع العقلي لصدورها عن الله.]
مع وجود الله، هل وجود الدين واجب أم ممكن أم ممتنع؟
إذا ثبت لنا وجود الله سبحانه وتعالى، يأتي السؤال: هل هناك بالضرورة شيء اسمه دين؟ أي هل أنزل الله فعلا وحيا من السماء، وكلف أفرادا من نوع الإنسان لتبليغ هذا الوحي وهذه الرسالة إلى بقية الناس، فجعل ذلك ملزما لهم اعتقادا وسلوكا؟ بتعبير آخر، إذا ثبتت لدينا حقيقتان؛ حقيقة وجود الله (التوحيد)، وحقيقة الحياة الأخرى (المعاد) [حسب المصطلح الديني، والحياة الأخرى حسب المصطلح المحايد]، فهل تثبت (النبوة)، وبالتالي يثبت الدين كلازم لهما أو لإحداهما، فتكون واجبة عقلية كوجوبهما، أم تبقى ممكنا من ممكنات العقل، وخاضعة لاختبار صدق التحقق؟ هذا ما يجب دراسته دراسة فلسفية محضة، فالفلسفة ميدانها الحقيقي، وليس ميدانها العلوم الدينية ولا العلوم الطبيعية، نعم يمكن ضم علم التاريخ كميدان ثان ومعضد للفلسفة، سواء تعضيدا للإثبات أو تعضيدا للنفي، أو قد ينتهي البحث الفلسفي إلى تساوي إمكان التحقق وعدمه، فيستعان بالبحث التاريخي للحكم بالإثبات أو النفي. [علاوة على فحص تفاصيل كل من عقائد وشرائع الدين المدعى صدوره من الله على ضوء مبادئ العقلية والعقلانية، ومثل الإنسانية والأخلاق والعدل الإلهي.]

الحقائق العقلية المستقلة قبل التثبت من النبوات والأديان
قبل هذا نرجع إلى بقية ما افترضنا فيه أنه مما يمكن أو يجب أن يتعقله العقل مستقلا، وهو: كمال الله، عدل الله وحكمته ولطفه، الحياة ما بعد الحياة، الجزاء ثوابا أو عقابا في تلك الحياة.
كمال الخالق
من خلال التأمل في نظام الكون وسعته وعظمته وجماله وإتقانه وجميع كمالاته، نجدنا مضطرين إلى الإذعان لوجوب اتصاف خالق هذه الكمالات بهذه السعة، وبهذا الإتقان، وهذا الجمال، أن يكون أكمل من كل الكمالات، أي متصفا بالكمال المطلق. وهذا الاستنتاج متأت من حقيقة أن الكمالات في عالم الإنسان خصوصا، بل وفي عموم عالم أو عوالم الإمكان متفاوتة، وبالتالي نسبية، ففوق كل كمال ما هو أكمل منه فيما هو كامل فيه، ولذا فإن المفيض على الوجودات الكاملة كمالا نسبيا ومتفاوتا ومتصاعدا، لا بد أن يكون الأكمل منها جميعا في العظمة والقوة والقدرة والإرادة والعقل والعلم والحكمة والعدل والرحمة والخالقية والإبداع والجمال والاستقلال وغيرها. وعندما يكون الأكمل منها جميعا، لا بد أن يكون الأكمل من كل ما هو موجود، وكل ما وُجِد، وكل ما سيوجَد، أو من كل ما يكون ممكن الوجود حتى على نحو الافتراض، أي بقطع النظر عن التحقق الفعلي أو عدم التحقق. وهذا لا يكون، إلا إذا كان هذا الخالق الكامل كاملا كمالا مطلقا، ولا يكون للنسبية محل ولا معنى عنده، وهكذا هو الأمر لأي حد من الحدود. هذا إضافة إلى أن الكمال المطلق من لوازم واجب الوجود، الذي بدونه ما كان ليكون ثمة وجود، لاستحالة تسلسل العلل تراجعيا إلى ما لا نهاية، أو الأصح إلى ما لا بداية. ومن لوازم الكمال المطلق العدل والحكمة والقدرة والعلم والإرادة والحرية.
عدل الخالق
العدل أمر لازم للكمال، فلا يمكن أن نقر بكمال الخالق، وننفي عنه العدل أو الحكمة، لأن نفيهما، أو نفي أحدهما، أو جعلهما نسبيين، غير مطلقين، وبالتالي ناقصين، يتنافى مع ضرورة كماله الواجبة عقلا.
الحياة الأخرى
وقد أوجزنا بهذا العنوان كلا من وجود حياة بعد هذه الحياة [سواء بعدها بفاصل زمني بين الحياتين، أم بدون فاصل]، ووجود الجزاء فيها ثوابا وعقابا لكل من يستحق، ومن أي منها، بالقدر الذي يستحق. وتجنبت قاصدا مصطلح «المعاد»، أو «البعث»، أو «القيامة»، لأن مصطلح «الحياة الأخرى» أكثر حيادية، بقطع النظر عما إذا كانت بصورة إعادة الحياة أو بعثها من جديد، أو بصورة التحول في لحظة الموت الجسدي من صورة للحياة إلى صورة وطبيعة أخرى للحياة. فواضح أن الحياة ما بعد هذه الحياة أمر لازم للعدل، فمن غيرها يكون خلق هذه الحياة التي تسميها الأديان بالحياة الدنيا أو تُسمّى بعالَم الشهادة أو عالَم المحسوسات، منافيا للعدل ومنافيا للحكمة، فيكون ظلما أو عبثا أو كليهما، وفاعل الظلم ظالم بالضرورة، أي فاقد لكمال العدل، وفاعل الفعل العبثي عابث بالضرورة، أي فاقد لكمال الحكمة.
العنوان الصالح لمسؤولية الإنسان
إذن عندما يعلم الإنسان - سواء مع افتراض بلوغه شيء من وحي السماء، أو عدم وجود ثمة وحي من السماء - بأن هناك ربا خالقا مُبدئا مُعيدا عادلا مجازيا مثيبا معاقبا، فلا بد له من أن يختار لنفسه ما يقره عقله وضميره، وما فيه نجاته في الحياة الثانية المرتقبة، وأن يكون العمل الصالح، أي السلوك الإنساني، هو الخط الذي يتخذه مسارا لحياته، وهذا ما يُعبِّر عنه النص القرآني [بقطع النظر عن كونه وحيا إلهيا أم صياغة بشرية]: «مَن آمَنَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا، فَلا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ». إذن هذه العناصر الثلاثة، التي يمثل الأولان منهما عنصر الإيمان، والثالث عنصر العمل أي:
1. الإيمان بالله.
2. الإيمان باليوم الآخر أو لنقل بالحياة الأخرى.
3. العمل الصالح.
هي التي تعبر عن علاقة الإنسان بربه، وعلاقته بإنسانيته المتمثلة به هو وبقية أفراد جنسه الشركاء له في عمارة الأرض. ولكن المصطلح المحايد دينيا، والملتزم فقط بلوازم العقل لما بعد هذه الحياة، كما ذكر آنفا، هو الحياة الأخرى، أو الحياة ما بعد هذه الحياة، وليس بالضرورة (المعاد) كمصطلح خاص بالإسلام، والذي يعني البعث روحا وجسدا، والذي هو من الممكنات العقلية، كصيغة من الصيغ الممكنة للحياة ما بعد هذه الحياة. ثم هذان الإيمانان هما من ضرورات العقل الفلسفي، ولو بعد إمعان النظر وإعمال العقل، والعمل المترتب عليهما من ضرورات العقل الأخلاقي، وكل ذلك لا يحتاج بالضرورة إلى تبليغ من رسول مرسَل، بل قد يكفي ما سمي بالرسول الباطني، ألا هو عقل وضمير الإنسان، أي كل من ملكتَي التمييز بين الصواب والخطأ، والتمييز بين الخير والشر. ولكن يبقى الأساس العنصر الثالث أي العمل الصالح أي السلوك الإنساني القائم على أساس العدل الذي لا يتحقق إلا بشرط الحد الأدنى، وهو معاملة كل للآخر بمثل ما يحب أن يُعامَل به. لأن عدم إدراك النظرية الحق يمكن أن يكون لقصور في الذهن أو لغفلة، والقاصر والغافل لا يُحاسَبان بمعايير العدل على قصورهما وغفلتهما، طالما كانت القضية تدور مدار النظرية، إنما الذي يحاسب هو المقصر في حقوق الآخرين. [ويبقى العنصر الثالث أي العمل الصالح، أو التأنسن، هو الأهم للإنسان، وهو الأثقل في ميزان الله، سواء آمن الإنسان الصالح بالله والحياة الأخرى، أو آمن بالله ولم يؤمن بالحياة الأخرى، أو لم يؤمن بأي منهما، فـ(مَن عَمِلَ صالِحًا فَلا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ)، أو الأصح لغويا (الَّذينَ عَمِلوا صالِحًا فَلا خَوفٌ عَلَيهِم وَلا هُم يَحزَنونَ) أو (مَن عَمِلَ صالِحًا فَلا خَوفٌ عَلَيهِ وَلا هُوَ يَحزَنُ).]
الله بين حقيقة التوحد والتوحيد
الفرق بين التوحد والتوحيد، أن التوحد الذي يشمل معنى عدم التعدد وعدم التجزؤ، أو الوحدانية أو الأحدية أو التفرد يمثل حقيقة مجردة، آمن بها الناس أم لم يؤمنوا، ورتب من آمن بها الأثر العملي على ذلك الإيمان أم لم يفعل، بينما التوحيد يعني الموقف النظري والعاطفي والعملي للإنسان المؤمن تجاه هذه الحقيقة. فالتوحيد النظري هو الإيمان بواحدية ووحدانية الله، أي استحالة تجزؤه واستحالة تعدده. والتوحيد العاطفي هو استشعار الحب والخشوع والتوكل والثقة والرضا والتسليم تجاه الله، بما يناسب عظمته وجلاله وجماله وكماله، وبالمستوى الذي لا ينافسه به غيره. أما التوحيد العملي أو السلوكي، فبمعنى الطاعة لله في أوامره ونواهيه التي يتعرف عليها الإنسان بعقله وفطرته، أو بتبليغ مُبلِّغٍ خارجي، إن وُجِد، أيضا بالمستوى الذي لا ينافسه به غيره. والطاعة بمعناها الفلسفي لا الديني، هي انسجام الإنسان مع حقيقة إنسانيته، والسعي المتواصل في استكمالها في مسيرة تأنسن متواصلة ومتكاملة وكادحة. وبتعبير آخر هي تحول الإنسان من حقيقة عبوديته التكوينية الجبرية إلى واقع عبوديته السلوكية الاختيارية، أو من العبودية إلى العبادة، أو من البُنُوّة غير الواعية أو البنوة العاقّة إلى البنوة الواعية البارّة [أو من كونه إنسانا فسيولوجيا إلى إنسان أخلاقيا]. ورُبّ غير عارف لله عابد له بتجسيده لإنسانيته، خير من عارف عابد شكلا لا جوهرا، قد ابتعد عن الله رغم عبادته الشكلية له، ذلك بابتعاده عن إنسانيته. [ومثل هذا يكون السيئ منه أسوأ، والقبيح أقبح، بسبب إيمانه وعبادته كحجتين إضافيتين لله عليه.]