وقفات مع مقولات من كلام الصوفية -2-

إبراهيم الوراق
2016 / 12 / 4

وقفات مع مقولات من كلام الصوفية
-2-

تلك الصورة تعكس هذه الوجوه الغاضبة، وتنقش هذه الملامح الحالكة، وكلاهما نتيجة زينها من سرق البهجة، واغتصب المسرة، فلم يكن ‏بها قويا، ولم يصر بها باقيا، بل في الديار عوى، وبين المعاهد غوى، فكان شرا على غيره ممن ينتسب إلى أعراقه اليافعة، وضررا في حياة ‏تستهوي أشواقها من عين المعاني الفاضلة. إذ لولا ما اختطفه الشطار من بسمات في كيس الإنسان المنصهر مع آماله الممنوعة، لما وجد ‏أحد باكيا على قبر جده بأشواقه المحصورة، وهو يتلو سور الغبن، ويحكي كدر الغين. فالمعنى إذن حين يفقد في الذوات المعذبة، وفي ‏المعاني المبسطة، وفي الأشياء المحورة، لا يكون ذا أقرب من ذاك في الإحساس بضياعه، وغيابه، ولا ذاك أولى من غيره في حياطته، ‏وحمايته. إذ لا سعادة للأغنياء إذا لم يسعد الفقراء، ولا طهارة للفقراء إلا إذا لم يتنظف الأغنياء. وما دامت هذه العلة مشتركة في تقريب ‏الأنظار، وتسويغ الأقدار، فإنها ستكون محل صراع بين الإرادات، ونزاع بين المرامات.‏
‏ ربما قد يدعي بعض أننا تحررنا بين بيادر الحياة بما أنتجناه في دروب العودة من طعام ممنون، وشراب مغبون، وكساء مرهون، ودواء ‏مأفون، وسلاح مسنون، ونظام مخنون، وعدل مضنون. لكن هل يصح هذا الرأي الذي يذيقنا مر السكينة المخنعة، ونحن نخب بين ‏أطلال الديار المفعمة بروائح الأشلاء المتفحمة، والمترعة بنوح الجماجم المتحللة.؟ أليس للشيطان حظ من صميم دمائنا، ونصيب في هشيم ‏أجسادنا.؟ هل يمكن لنا أن نفهم معاني الأشياء من غير أن ندرك حقيقتها في ذواتنا.؟ ألا يجوز لنا أن نصحح بعض المفاهيم التي نحارب ‏بسلاحها في ملحمة الوجود، لكي نؤسس لفعل إنساني بعيد عن لغط العصبية، وغلط التطرف، وحمق الطائفية، وخطل العنف.؟ أسئلة ‏كثيرة نطرحها عند كل حديث نجهر به في فراغ الزمن من النسمات، وخلو المكان من همس النفحات، ونغرد به حين نستبين ألغاز الحقيقة ‏بنظر آخر يحدد آهات سيرنا المعتل بأنين المكين، وهنين المكان، وحنين الآمال إلى طهر الألوان، وقدس الأكوان، عساه أن يكون دليلا ‏على إحساسنا جميعا بالألم الذي يعانيه هذا الكوكب الأرضي، وبرهانا على تضايقنا نما آثره من هوى صرفه عن حقيقة هذا الكائن ‏البشري، وهو نسمة فيض من الكون الإلهي، ونفخة روح في هذا الوجود الأزلي. وسواء فينا من نطق بهمه، أو من سكت عن غيه. ‏لأننا في حقيقتنا لا نعيش فرادى بين الديار المتكاثفة، بل تآلفنا في جماعات متوافقة، وصار ما يجري عليها من أحكام شاملا لنا، وعاما ‏فينا. ‏
ولذا، فإن كثيرا من آلامنا الجسيمة، وأحزاننا العميقة، لا تعيش فينا إلا لكوننا تساكنا معها، وتعانقنا فيها، وغدت من شدة المكث علة ‏لازمة، وخدعة لازبة، لا ننتظر لها علاجا، ولا شفاء، ولا نرقب معها أملا، ولا رجاء. هكذا نفكر في غالب أحوالنا، وهكذا نوقن في كثير ‏من أوضاعنا. وسواء ذا، أو ذاك، فكلاهما يؤمن بوجود عناء أفقد الأشياء لذتها، وعراها من لبس أمانها، لكن من يقتني من سؤر ‏المعاناة إدام ذاته، ودسم حياته، لا يرى ما يُفيض كاسُ شقائه في الأعماق إلا سيرا محتوما على البشرية، لا يقوم الصدود عن طوارقه ‏المحتمة، إلا فيمن رفض حقيقة الحياة التي هي في أصلها لم توجد إلا للصراع بين الطبقات، والاختلاف بين الدرجات. و هنا يكون مثل هذا ‏الكلام وخزا للآلام في جعبة القلب، لأن اختلافنا في لغة الجلب، لا تدل إلا على أننا تآلفنا وسط بؤرة حقيقة نبحث عن معناها في أرض ‏الشتات بلا كلل، ونفتش عن حل ألغازها بين غموض عبث الدور بلا ملل، ونهتف بشعارها بين أصوات هيجها البكاء، والنحيب، ونرفع ‏ألويتها بين ديار نكسها الخوف، والهلع الحزيب. وما دمنا كذلك، فإن استقلال أحد بادعاء القدرة على طي ما يستعر في أسحارنا من ‏خطب جلل، أو استفراد فرد منا بالإخبار عن نهاية ما يجثم علينا من علل، أو استقواء ضعيف فينا بأنه الأرحب صدرا فيما يعترينا من ‏زلل، لن يكون إلا تطاولا على أنظارنا التي نستلهم بها من ذواتنا ترياقا نداوي به أغوار جراحنا، وأنجاد طعاننا، ولو كان الدواء جرعة ‏بسيطة تصرف عنا غمامة الأحزان، وغياثة الأضغان، وتهبنا لحظة تنجلي فيها سطور الحياة العنيدة، وتتضح بها رؤية الآفاق البعيدة. ‏
قد ولج الناس في معمعة هذا العناء أصولا، وفروعا، وهاموا بين أعماء غرائبه فرقا، وجموعا، وخبوا بين آجام دواهيه نزولا، وطلوعا، ‏وخاضوا غب غمرات سدفه ذهابا، ورجوعا، ولكنهم كانوا أقدر على اختبار ما تفتق في أحوالهم من سبة الكروب، ومعرة الدروب، ‏لأنهم صارحوا الذات بما توطنها من أوصاب، وعانقوها بما اختفى فيها من أسباب، فنالوا شرف تهذيب النفوس، وتخليص الحواس، ‏وتنقيح الهواجس. فلا غرابة إذا استهدينا بمقامهم، واقتدينا بحالهم، لأنهم دونوا تاريخ الشقاء في الكون، ووطدوا لمعالم الخلاص في الزمن، ‏ولخصوا ما أكد الإنسان منذ بداية دوره على كوكب الأرض، وإلى ما نهلوه في دائرتهم من بضض، فكان ما تخلف عنهم تراثا يحكيه ‏المحرومون، ويرويه المعذبون، وآثارا تدل على علل التفاف الأحراج بين خبايا الأرواح، ومعاني تفصح عن طرق قيام حضارة الأقراح ‏على رياض الأفراح. ولذا يكون ما قالوه دليلا على وجود العناء، لا حجة على انتهائه بزمن من الأزمنة الغراء، لأن ما ورثناه بعدهم من ‏غوامض الأرحام، وما غرسوا فينا من جسيم الأروم، لن يتركنا نصدق بوجود وقت بدون أتعاب يضجر الإنسان لها، وأمراض يفجع بها، ‏وأوضاع يهرع منها، إذ ما يعانيه اليوم من تهيام في المستحيل، وتطلاب للممكن الاحتمال، ما هو إلا هو سبب حيرته في تحديد المرامات، ‏وترتيب المقامات، وتدبير المجالات، وتحصيل المآلات. ولولا ذلك، لما أنتج العلم فنونا جميلة تجيب الإنسان عن أسباب أدوائه، ومكامن ‏أوضاره، وتدنيه من ملامح جسده، ومعالم كيانه. ومن هنا، فإن أخبار الأمراض والأموات والجوائح والكوارث والحروب الغضة بآلامنا، ‏تقض أوصالنا، وتقط أعضاءنا، وتفل أعضادنا، وتشل أفعالنا، وتربك سير آمالنا بين سجف المصائب التي تدهمنا، وتوقف سرح أنظارنا ‏عند سدَم النكبات التي تعترينا، لأننا جنس لا نعشق الفوت، ولا نرغب في الموت، بل نهاب هجمتها، ونخاف بغتتها، ولو أتينا بصريح الأدلة ‏على حبنا لها، ورغبتنا فيها، لأنها مهيبة، ولكنها مُهينة، وإن أيقنا بأنها معبر نحو لقاء الحقيقة، ومجاز إلى لحظة التسامي بالطبيعة.‏
‏ أجل، لم نخف الموت في كل الاعتبارات التي يحرص فيها الإنسان على الذود عن حجيرته، والصون لحوزته، إلا لكوننا نخشى أن تنتهي ‏الحياة من غير أن نظفر فيها بفائدة، ولا أن نحصل فيها على عائدة، لأننا إن لم نخف الموت لهذا السبب الذي نتشاركه على صفحة الرغبة ‏بالطبع، أو نتنافسه على بساط الحياة بالوضع، فإننا لن نكون واعين بدورنا في الحياة البارعة الأثر، والناعمة الخبر، ولا قادرين على ‏السير بهمة بين ملمات الدهر، وفواجع الظهر. لأن الخوف لا يأتي إلا من اتساع مدى البصر، وانتظار ما خفي عن النظر. ولذا يصير ‏خوفنا مبنيا على كوننا نخشى الضياع بين بحار المعلول، ونهرع من الفراغ بين أمداء المجهول، وهو أجلى شيء يبنى صرح شقائه في أذهاننا، ‏وأغبن حظ نناله في صريح أذواقنا، إذ لو قسنا بين الحالين في وزننا، وحددناه بما وضعناه من قيودنا، فإننا سندرك يقينا أن المقام غض ‏بالمخاوف الجمة، وثر بالمآتم الفجة، لأن معدن الخوف في ذواتنا، وموئل الفرع بين أعماقنا، قد تهيأ مكانه حين رغبنا بحدة في أن نستثمر ‏الأرض للأصلح، ونعمرها بالفلاح الأربح، ليكون له البقاء الأتم، ويزول غيره بالفناء المحتم. تلك هي رغبتنا التي نموت في سبيل تحصيل ‏متعها، وتوفير لذتها. ونحن حين نجر الذيل بين الدور الصارخة باليتم، والاغتراب، ونخب بين السبل المتوحلة بالنفي، والاحتراب، لا نتذكر ‏إلا فراغنا من ذلك المعنى في جهدنا، وغيابه في صوننا. وإذا تذكرناه في زمن أفقدنا سر الامتلاك لعقل الطبيعة، شعرنا بأننا مهددون ‏بالحرمان من مفتاح الحقيقة. هكذا تركبت فينا عقدة الموت بين لواعج صدف شهواتنا الآثمة، وولَّدت فينا مكامن قابلة لكل أوجاعنا التي ‏نعانقها بضجر، وملل، وسآمة. ‏
وإذا كان هذا سببا في استكناه حقيقة الذوات، واستخراج ما كمن فيها من رجات، فإننا لا نقصد سوى أن نستدل على وجود هذا الألم، ‏وضرورته في وصل مراحل السير إلى الأمام، ولزوميتة لمعرفة ما يؤول إليه فعلنا في التمام، لكن ما يقع موقع الرفض عندنا، ويوضع ‏موضع الهجر فينا، هو ادعاء يرد علينا في كثير من الأحاديث التي تقنعت بقناع الثبات، وهي تحكي عن كون لا وجود فيه للأنات، وتخبر ‏عن واقع لم يتدنس بسبة الرغبات، ولم يتنجس بشرة الشهوات. لو قيل بأن هذا العالم الذي تحاك حوله الحكايات، وتنسج حوله ‏الروايات، لا وجود له في موقع الأرض، وإنما عالمه سماوي في الافتراض، ولا خبر عنه إلا في العلم الأزلي، لصح المقول في الصوغ ‏البشري، ولكنا أقرب إلى صوغ القضية بأقيسة جديدة، وأبعد عن الالتفاف حول الخرافة القديمة، لكن أن نقول بوجود كمال هنا، وهو ‏مقام تكامل، فإننا نهدم المدار الذي يرمق فيه العقل الحقيقة بضرب الأقوال فيما بينها بالتقابل، لكي نرخي العنان لسوانح الخيال الطافح ‏بتهويم اليقظان، وتخبيل الوسنان. أجل، لم يكن القول بالجمهورية الفاضلة إلا برهانا على وجود تعب تزفر به القرية، وتعنو به البادية، ‏فاقتضى العقل المدرك أن يبني مدينة محصنة بأسوارها، ومستقوية بجيوشها، وأن يرفع أوتاد مجد مخوف جنابه، ومهيب جلاله. وهنا تاهت ‏اللحظة عن الحقيقة المفجوعة الدوال، وذابت بين ألوان الظلال، لكي يكون ذلك الطيف الهارب نهاية الأحلام في المدن المغلفة بالدخان، ‏والضجيج، والصراع، والمغلقة على السراب، والتيه، والضياع. ‏
وهكذا نفخنا في الخيال إحساس الفقد، ونفحنا في الصور أحكام الوجد، فانطوى المعنى على مركب ممزوج بذوات تستوهب جمال حياة ‏مخمورة بالآمال الحانية، وتستذري كمال كون مشمول بالخلال الخالدة. لكن هل تم ذلك في تجربة الحياة البشرية، ولو فيما صنعه الخيال من ‏أفياء عروش سمو يغرد بالفخار، والعزة الإنسانية.؟ أم انحرف القصد عن الجهة، وتاه الشوق في أرض الصغار، والذلة.؟ قد يكون هذا ‏السؤال محيرا لمن شنق عقله بصور رسمها بذوقه، ونقشها بعقله، ولكنه في وضع روحه بين معانيها، لم يكن حفيا بما صنعه فيها، ولا بهيا بما ‏ناله منها. لأننا لو درينا قيمة ما نهفو إليه، ونعدو نحوه، لأيقنا بتعدد الآيات الموصلة إلى المطالب، وتنوع الطرق المفضية بنا إلى المشارب. ‏إذ إحساسنا بضرورة وضع رسم محدد للحياة المأمولة، لا يعني شيئا سوى أننا نقدس المعنى في المحسوس لطبائعنا المحدودة، ونبجل الصورة ‏في المعقول لإدركاتنا الممدودة. ‏
ولذا يغدو الطلب عسرا، والرغب وعرا، لأن حكم الإحساس على الأشياء بالنفي، أو الإثبات، لا يفيد إلا في نقل الصورة من الخارج إلى ‏الداخل بلا التفات، ولا يعين إلا على غرس بذرة الأشياء بين رغام المباني، وزرع حنطة الحقيقة بين حطام المعاني، لعلها تبسق في روضة ‏الذات، فتنتفي بها هوامع العلات، وتنتهي بها هوامل الزلات. وهنا نضيع بين حقيقتين متعانقتين بعلاقة الجوار، ومرتبطتين بآصرة الحوار، ‏وكل واحدة منهما ضرورية للتنزه في بساتين المعرفة، والترنح بين واحات الحقيقة، لأننا إن لم نطق أن نفرق بين الصورة والمعنى في ذات ‏الشيء المعني، فإننا لن نقلب ظاهر المعنى لباطنه في حصيف الرأي الجلي، ولن نبعثر الحقائق الساذجة لصياغة جوامع المعنى السخي، إذ ‏الصورة حاصلة في الشيء المحسوس قبل حيازته في الذهن الذكي، والمعنى كذلك نافذ في الغور قبل حدوثه مع الشيء السوي، فهو قابل ‏للأثر الذي تضيفه ضرورة التحايل على الزمن إلى ذواتنا المطبوعة بأحلام متحيرة، وآمال متغيرة. ولذا، فإن تغيرها، وعدم ثباتها، هو الذي ‏يجعلنا نبني، ونرمم، ونخرب، ونهدم، لكي نرفع عماد الحاضر من الماضي، والمستقبل من المجهول الآتي. و هنا نكون أمام صورتين، وحيال ‏معنيين، وكل واحد منهما ناشئ عن الآخر، والثاني أتبع للأول في االأثر، لأن الصورة الباطنية القصية، والمعنى المسكوب في الألفاظ ‏الحَرِية، ما هي إلا مجمل الأفكار والآراء والأفعال والأعمال التي لها حقيقة ذاتية في الواقع الظاهري، وهكذا المعنى في بعده البشري، فهو لا ‏يعكس إلا مجرد طريقة إدراكنا للشيء المغروس سره معه، ورغبتنا فيه، وكبدنا من أجله. ‏
وهنا تكون المعاني ذاتية في الإنسان، وأصيلة في اللسان، يعبر عنها بأصالة لغته، وبيانه، وسمات دلالاته على حقيقته، ومجازه، وصور ‏إشاراته إلى تجاربه، ورحلاته، وطرق استفهاماته للوجود، والكون، والحياة فيه. ولذا، لا نستغرب إذا ظن الناس أن المعنى الواحد، هو ‏الذي يقربهم لكي يجمعهم، أو هو الذي يسوقهم لكي يفرقهم، أو أن الصورة الكاملة هي التي تظهرهم لكي تبقيهم، أو أنها هي التي تخفيهم ثم ‏تفنيهم، لأن استكناه الحقيقة، لا يتأتى في مرتبة واحدة، ولا يتهيأ في مكانة معينة، فيصير القول بثبات المعنى وافر الحظ في الرضى، ‏والقبول، بل تتعدد المراتب باختلاف الاستعداد لقبول الحياة المفعمة بالعنف، والمأساوية، والغلول، لأن معنى السعادة لا يترفق بنا إلا ‏لحيازة باب الألم، والشقاء، ولا يعن لنا إلا بوارد التمييز، والصفاء. لكن أليس من البلاهة أن نكره المفارقات، ونبغض المتناقضات، وهي ‏التي تتوجنا من غموضها بمعان تستوعب كل فرضيات العقل البشري، وتستحوذ بغرابتها على كل أدواره في الفكر، والوعي الذاتي.؟ إن ‏نشوء الحقيقة فينا، لا يتلاءم وضعها إلا إذا استوت الموازين في تربية النفس، والعقل، والذوق المعبر عن مرآة ذواتنا، واعتدلت المكاييل ‏في بناء اللغة والمعنى والمفاهيم المحررة من جبث الأوهام فينا، واستقامت الأفعال في الآثار والغايات المحصلة للآيات المحركة لذواتنا في ‏سماء يقيننا. ولذا لا يجوز لنا أن نغفل عن كيفية بناء هذا المركب المتكامل كماله، لئلا نضيِّع غنائية وجمالية الكون المتواصل عطاءه، فنتيه في ‏عبثية وغثائية الحياة المترعة بالفواجع الكاسرة، لأننا ومهما أسرفنا في كسب صفة المطلق الذي نحتجب من ورائه حين نحس بالعجز عن ‏صياغة الحقيقة السامية، فإننا لسنا إلا آثارا مشوهة لمعان لم تكتمل في بنائها، ولم تنته في صوغها، وأعيانا مشدوهة إلى شيء يتحدد في ‏مشاعرنا الحزينة بصور شاحبة المنظر، وكاسفة المخبر. ‏
يتبع