حلوى المولد والبيض الأرجنتيني

فاطمة ناعوت
2016 / 12 / 4


حلوى المولد والبيض الأرجنتيني


“السُّكر غِلي/ وأنا أحلّي بإيه/ وفي قلبي حِلي/ طعمه كده ليه؟" أغنية شهيرة خفيفة الظل من الفولكلور المصري. وأظن أن السكّر المقصود في الأغنية مجازيُّ المعنى، يغازل به الشاعرُ البناتِ الحسان ويعاتب نُدرتهن أو تدللهن على العشاق. لكن الواقع المصري اليوم حوّل مجازية الأغنية إلى واقع "مُرّ" نعيشه نحن المصريون مع صعوبة الحصول على "السكر"، مادة التحلية، وارتفاع سعره على نحو مستفزّ، بل وغيابه من الأسواق واحتكاره في مخازن بعض التجار الجشعين. والمولد النبويّ الشريف على الأبواب، وعروسة المولد من الطقوس المصرية المحبّبة للمصرين بالإضافة لأطباق حلوى المولد الشهيرة التي تتبادلها الأسرُ المصرية في هذه المناسبة الطيبة. لهذا وصلت أسعار أطباق حلوى المولد لأرقام عجيبة تصل إلى 700 جنيه مصري للعشرين قطعة!
تتزامن أزمة السكر مع الغلاءُ الفاحش لجميع أنواع السلع والخدمات بعد انخفاض القيمة الشرائية للجنيه المصري، عطفًا على جشع التجار. ولكن، مَن الذي علّم التاجرَ الجشَعَ؟ نحن. لأن وراء كل تاجر جشِع، مستهلكًا غير واع. الهَدرُ آفةُ المجتمعات الرجعية. نلعن الغلاء وجشع التجار ولا نعترف أبدًا أننا أحد أسباب الغلاء وجشع التاجر والتضخم وعجز الموازنة. وإن نظرنا إلى سلة مهملات بيوتنا قبل أن يحمل عاملُ النظافة ما بها من صنوف طعام مغدورة لم تؤكَل، سندرك حجم هدرنا.
دعوني أحكي لكم قصة حقيقية عن وعي شعب لا يشبه شعبنا بكل أسف، علّنا نتعلم منهم كيف نروّض جشع التجّار بترويض أنفسنا.
في أحد النهارات، ذهب مواطن أرجنتيني إلى السوبر ماركت ليشتري بعض احتياجاته. لاحظ أن سعر طبق البيض مرتفعٌ عن الأمس. سأل البائع؛ فأجابه بأن شركة الدواجن رفعت سعر البيض 1 بيزو! بهدوء أخذ المواطن الأرجنتيني علبة البيض وأعادها إلى مكانها قائلا إن هناك ما يعوضه عن البيض. حذا حذوه كلُّ المواطنين وقاطعوا البيض دون حملات تعبوية ولا رسائل.
ماذا كانت النتائج؟ في اليوم التالي: جاء مندوبو الشركات لإنزال انتاج اليوم في محلات السوبر ماركت كالعادة؛ فرفض بعض الباعة أن يأخذوا أي جديد لأن إنتاج الأمس لم يُبع، والبعض الآخر طلب تبديل إنتاج الأمس بإنتاج اليوم. توقعت الشركات أن المقاطعة ستنتهي خلال أسبوع وبعدها سيعود الناس للشراء، لكن الأمر لم يختلف. مازال الشعب الأرجنتيني على موقفه بعد مضي أسبوعين وشركات البيض تخسر. الشركات تخسر لإطعام الدجاج، والإنتاج لا يتوقف لأن الدجاج مازال ينتج بغزارة. فتراكمت الخسائر على تلك الشركات وتضاعفت. اجتمع أصحاب شركات الدواجن وقرروا إعادته لسعره السابق. وتواصلت مقاطعة الشعب الأرجنتيني للبيض، والشركات تكاد تفلس والمسؤولون يجن جنونهم لما يحدث. فاجتمع التجار مرة أخرى وقرروا ما يلي:
تقديم اعتذار رسمي للشعب الأرجنتيني عبر جميع وسائل الإعلام.
تخفيض سعر البيض عن سعره السابق إلى ربع القيمة السابقة.
إنها ثقافة شعبٍ ووعيه. ثقافة الاستغناء حين يعمُّ الغلاءُ، وثقافة عدم الهَدر حين تضيقُ ذاتُ اليد.
تقول الإحصاءاتُ الدولية والمراقبون الاقتصاديون إن الدول الأكثر فقرًا هي ذاتُها الدولُ الأكثرُ هدرًا. بينما الدول الغنية لا تعرف تلك الثقافات الشكلانية المرضية التي تجعلك تشتري ما لا تحتاج إليه. مَن سافر إلى دول أوروبا وأمريكا وغيرها من دول الغرب يعرف أن المواطن هناك يذهب إلى السوبر ماركت فيشتري عدد واحد ثمرة برتقال، دون خجل، وعدد واحد عنقود عنب وعدد 2 شريحة بطيخ ملفوفة في غلالة بلاستيكية شفافة أنيقة، دون خجل، وثلاث حبات من ثمر الخوخ دون أن ترتعد فرائصه وهو يفكر في نظرة الكاشير وماذا سيقول عنه. لن يقول عنه شيئًا لأنه مثله ينتهج السلوك المحترم نفسه، ولا يشتري إلا ما يحتاج إليه، وفقط. قاوموا الغلاء بالاستغناء. وقاتلوا الجشع بالوعي وعدم الهدر. دعونا نستمتع بالمولد النبوي الشريف دون أطباق حلوى، ولتكن حلوانا صدقاتٍ طيبة نخرجها للفقراء والمرضى والمعوزين. وكل عام ونحن أكثر طيبة دون سكر.