وقفات مع مقولات من كلام الصوفية -1-

إبراهيم الوراق
2016 / 12 / 3

وقفات مع مقولات من كلام الصوفية -1-
يتبع
في زمن غير قصي، وهو ليس إلا لحظة تدنو بأمل دوي، ثم تذوب بين غائلة عراك دني، زارني خلان من ‏عشاق الروح، وراقني ما تجاذبت معهم من معاني الدوح، وغاضني ما التوت عليه الأعطاف من سؤر ‏السوح، فلم أرني بعد جلوة المبنى، وصحوة المعنى، إلا مطلوبا بحكاية صمت الصدى، لعله يملأ بزفيره المدى، ‏فأكون قد وفقت في إسماع الكلمة، لمن التوى عنده المعنى على نفحة، وانطوى فيه العشق على نسمة. ولهذا ‏سأقف وقفات مع مقولات من كلام الصوفية، لكي أبين بعض المفاهيم التي تراءت لي صياغتها في حقيقتها ‏الجامعة. وهي قولهم: الصوفي ابن وقته. وقولهم: الطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق. وقولهم: من عرف نفسه، ‏فقد عرف ربه.‏
الوقفة الأولى: الصوفي ابن وقته.‏
في غمرة الوجع الذي يبدو مريبا لكل من نظر إليه بنظرة حادة، وهو يـحدس فيه كيف يربو على عواتقنا المثقلة ‏بأرزاء زمن رديء الكسوة، يفجع من رأى في عمقه سموا بين المناكب، ويفزع من تفرس في سبله صفاء ‏المجالب، ويرزي كل من ابتغى فيه ما يغذي حريته، ويزكي عتقه، وارتجى فيه ما يرشفه من خمره، وما يناله ‏من سكره، لا أراني إلا مستثقلا بما يهجرنا من معان عشقنا خلودها، وورغبنا في بقاءها، ومستلبا لما ينأى ‏عنا، وهو منا، ونحن حيارى في تقفي آثاره، وتتبع خطواته، وكأننا لا نملك شيئا سواه، ولا نعرف أحدا غيره، ‏وهو بالقدر الذي يرانا مشدودين إليه، ومغرمين به، يفر منا، ويهرع إلى الأمام في مجاري أقدامنا، ثم يتوفق ‏فجأة، فيجرنا وراءه بقسوة، ويجذبنا نحوه بغرة، ونحن أحوج ما نحتاج إلى رحمته، وأقرب ما نقترب إلى شفقته، ‏فقد تعبنا من ألاعيبه، وضجرنا من أكاذيبه، فلا هو قد وفى بالوعد، واحتفظ على العهد، ولا نحن قبلنا منه عقد ‏الذمة، وارتضينا منه ولاء البراءة، لأننا ومهما اغتررنا به، فإننا قد أدركنا خداعه، وشممنا خباثته، فكيف ‏سنصدقه، وهو لم يف بحق أحد، ولو وفى بما يدبره من كبد، لما جار علينا بالبدد. فهل نحن في لعبة يجر مركز ‏دائرتها مارد طائش.؟ ‏
‏ أجل، هكذا تبدو لعبة الحياة التي نعيش اختلال موازينها بألم، وخيبة، ونحيى بين مواجيدها الملتبسة بالحزن، ‏والحسرة، ونذوب بين أوضاعها التي لم توجد بنا، وإنما صنعت لنا، ووضعت لئلا يكون لنا في مجاراتها خيار في ‏التفكير، ولا رأي في التقدير، ولا قرار في التدبير. شيء مفجع في الحقيقة، وهو أن تكون بالشيء طبيعة، لا أن ‏تفقد ذاتك فيه إرادة، وقدرة، لأن إحداث الفعل في صيرورتنا، هو الذي يميزنا، وهو الذي يحددنا، وإذا فقدنا ‏تمام هذا التعريف، فلن يفي أي معنى باسمنا الذي فجره الآباء بين المعنى اللطيف، لأننا سنكون بلا أسماء تدل ‏علينا، ولا أفعال تنتهي إلينا. ومن الغرابة أن تموت الأسماء الكلية التي تجمعنا، وتبقى حسرات هذه الأسماء التي ‏تفرقنا، لكي تبني عالما متنافرا، وكونا متناحرا. كلا، لقد أمات الغدر لفظ الإنسان، وأجهز على آدم في ضريحه ‏الشاحب البنيان، وهدم كل المعابد التي تمنحنا آية، وسمة، ومزق كل الريات التي نرفعها علامة، وشية، ثم ‏أهال التراب على التاريخ، والحضارة، لكي نبقى بلا أسماء تعرفها الأجيال القادمة. فهل سينفعنا اسم يعرفنا بلا ‏حدود.؟ وما قيمة كون فقدنا فيه الإنسان، وحزنا في حضيضه وسم الدمار، والخراب.؟
هكذا يبنى الألم في أذواقنا، ويصاغ في أحكامنا، لأننا ومهما اغتلنا حس الوجدان، واغتصبنا شعور القلب ‏بالكتمان، ووثقنا بمقالب العقل في الخداع، وخنعنا لحيل التفكير في الضياع، واستسلمنا لنزوح الأنظار نحو ‏المساحات البعيدة، وانتظرنا شروق الأحلام بما يتراءى لنا من وميض الأمداء الرحيبة، فإن ما نسرح فيه من ‏خيال طازج بالمعاني اليائسة،وما نغوص بين أمدائه من الجراح الدامعة، ما هو إلا تلك الصورة المهذبة للواقع ‏الذي بنيناه بفنوننا، ورفعناه بعلومنا، أو ما هو إلا تلك النسخة التي كتبنا عليها حياتنا، ورسمنا فوقها غايتنا، لأن ‏أقبح وضع ننتقل إليه حين نكفر بالواقع، ونؤمن بالمتوقع، أننا لا نصنع من مجرد جحودنا كمال المثال المتخيل، ولا ‏نبدع من مطلق نفورنا جمال صورة الغد بالأمل المتوسل، بل نتوه فيما نحن عليه من مغبة أوضاع تتوالى بالمحن، ‏وأوضار تتعاقب بالفتن، لكي نخرج منها حقيقة معدلة للفكرة البسيطة التي نشأت في أذهاننا منذ طفولتنا البريئة، ‏وما زالت في وجومنا هي اللحظة الهاربة، والحلقة الغائبة. ‏
ومن هنا، فإن المثال لا يستجلى إلا من حقيقتنا التي نعيش بين ضروب غموضها حيارى، ونقف حيالها غرثى، ‏ولا يستظهر إلا من تلك النهاية التي وضعناها لكليات لا نملك فيها حق الصياغة، ولا تركيب الغاية، ولا الغنم ‏بالنتيجة. وقليل منها في القدرة، وبعض منها في الإرادة، هو الذي نهذبه، وهو الذي نشذبه، وربما نتعارك من ‏أجله، ونتقاتل في سبيله، وكأنه في غربة الأشواق، وانكسار الأتواق، هو لب الوجود، وإكسير الخلود. إذن ‏هكذا نكون ضحايا لفعل لم نخبُره، ولأمر لم نسبره، بل لم نستشر في حقيقته، ولم نستهد إلى دليل دامغ في ‏إدراكه، ولم نستند إلى برهان قوي في إحرازه. ولو كنا نمتلك حق أن نختار معه، لابتغينا في شدة جهدنا أن ‏نفارقه، ولأحبنا في رغبة الوصل أن نصارمه، لعل الوجع يسكن غوره، والجرح يندمل عمقه، والأنين يخف ‏صوته. لكن هي أقدارنا التي تحبك في لعبة الحوادث مؤامرة افتتاننا، أو مكيدة اغترابنا، وتنسج في متعة الذوات ‏غصة تسجن أنفاسنا، وتحبس أرواحنا. وما دمنا لا نمتلك لها رسما يستوفي معناها، وهي جزء من صريح ‏متاعبنا فيها، فإن ما نستوثقه في أعماقنا، ونستيقنه في أذواقنا، أن واقعنا الذي نترنح فيه سعداء، أو نتعاوى ‏عليه أشقياء، ما هو إلا الحد الأعلى الذي نخطط به لتمام الحاجة في حياتنا المرغوبة، وكمال الضرورة في لذاتنا ‏المحبوبة. ‏
كثيرا ما أتذكر هذا الوجع المقرور فينا ألمه، والمزموم فيها أوده، وأقبض عليه، وأعصر بعضه، لعلي أدرك من ‏عنب خمرته غمرة نشوته، وغِب غايته، لكنه سرعان ما ينفلت من يدي، فيضج ساخرا بي، وربما يبدو لي ‏معاندا، وأحيانا مناديا، وكأني به يقول: يا أحمق، أليس من البله فيك أن تواجهني، وأنا الأشرس فتكا في ‏حقيقتي. وأحيانا يبدو لي، وكأنه يقول: يا غافل، أليس من العيب أن تركن إلى منازلتي، وأنا هو أنت في ‏تلهفي، فلو اتفقنا لتعانقنا، ولو توفقنا لتآلفنا، ولو اقتربنا في الآمال، لكنا أكسب لحظنا في الوصال. وهنا يبدو لي ‏الوجع متألما، ويصير الوضر متبرما، لأنه أنف أن يكون مغرينا، وأن يغدو معذبنا، بل صار من شدة حرارة ‏شقاوة الذوات ألين عودا في الهمسات، وألطف جنابا في الكلمات، لأنه ما أن صاحبنا زمنا حتى شربنا حميا ‏معناه، وسكرنا بدبيب مأتاه. وحينئذ تمازجنا، ثم خبت الغفلة فتصاهرنا، وسار بسيره، لا بسيرنا. إذ سيره، هو ‏ما أفت العضد، وأهان الهمة في الورد، وأرغم الأنف على الانحناء، وأحجم العقول عن النقاء. وأي انحناء ‏أعظم من أن تشعر بالغربة في غربتك.؟ ‏
أجل هو مجهل في مجهولات الإنسان، ومهمه مغبر بين الأكنان. فأين سياتي الضوء من بين الأمداء الحسيرة.؟ ‏قد يكون كلام الوجع ناصحا في بعض الأفكار، أو عاذلا في بعض الأسرار، لكن لا يجوز لنا أن نعقد معه صك ‏المعاهدة، ونرضى فيه بالمحاصصة، ونحن في جلية الأمر لا نبرم عقد الحياة إلا على طرق الموت، ولا نبني بيتا إلا ‏على خراب. إذ ما يستطيع الفجع أن يفعله بنا، ويرغمنا عليه في أخبارنا، هو ما نراه من صدور تنتحب، ‏وعواطف تنتكب، وديار تخرب، وآفاق تبدد، ووأعنة تلبد. فهل هذا شيء غريب في طبعه.؟ ربما لم يبك ‏الناي إلا ببكاء عاشقه، وما ناح إلا بنوح عازفه، إذ لو صفا المصدر، والمورد، لكان صوته لحنا يرتشف من ‏الآفاق، والآماد، لكن قدره في منبته، وغبنه في محتده، لم يصرفه إلا إلى أيد متألمة، وشفاه متغضنة. فلا غرابة ‏إذا نزف بالأنين، أو مزقه الحنين، وهو لا ينتظر إلا نقاء المعنى، وهيام المنى، لكي يكون صوت الحقيقة، لا ‏حدو الطبيعة. هذا الانتظار، وهذا الانحسار، هو اللحن الأصم، كلا بل هو فاتر الألم، ألم الاشتياق إلى زمن ‏توضع فيه الأحمال، وتزول منه الأثقال، فيكون نحس الأنواء سعدا، وحباء، وشقاء الديار أملا، ووقاء، ‏وكدورة الآفاق عونا، وصفاء.‏
هكذا نعيش مأدبة الحياة القاسية، وسواء فينا من ينوح بالأتراح الجائرة، أو من يبكي على الأطلال الشاحبة، ‏أو من يتأمل الأشجار الخانعة، أو من يتذكر الأيام الخالية، أو من يعظ بالقواطع الزاجرة، أو من يضحك ‏بالأحاجي الفارغة، أو من يمرح بالأحلام الباسمة، أو من يغني بالأنغام الصاخبة، أو من يسخر بالهمم العالية، ‏أو من تاه به الحلم الجانح، فلم يدر هل يعيش معنا بمكتوم الجوارح، أو يعيش خارجنا بالألم البارح. فنحن سواء ‏في وصف الحياة التي لا تقضى فيها حاجة إلا بترك حاجات، ولا تنال فيها رغبة إلا بزوال رغبات. ومهما حاولنا ‏أن ننسى الأواصر التي تربطنا بالمعاناة التي تغلنا بأوجاعها، لكي نحدث في الواقع فواصل تحجبنا عن بعضها، ‏وتمنعنا من أن نشترك فيما يكمن وراء الستار الحاجب لنا، فإن الألم كامن فينا، ومقرور بنا، ولو قلنا بأن ‏اللذات لا ألم لها معنا، وزعمنا أننا لا نفتر عنها إلا بكسبنا لها، فنحن لا نملك إلا ذوقا محدودا لا نحيد عنه في ‏نسج صيغ الأحكام على الأشياء، ولا يتوافر عندنا إلا ما شربناه من أحلامنا الكأداء، ولا نعرف إلا طريقا ‏واحدا يجمعنا في النهايات، ولو اختلفت البدايات، وتعددت أسباب الغايات. وما لم نأكل من موفور المرارة، ‏فإننا لن نحس بممنون الحلاوة. فالأمر مركب من ضديه، وممتزج في فصيه، ولا استغناء لأحد منهما عن الآخر، ‏بل كلاهما قائمان فينا بالأمر، وواقفان عند الباب التي نستفحه بيد شلاء، وعين عمياء. وهل نحن إلا مجموعة ‏رسوم سرقت بهجتها بين بحار المعاناة، وبراري المقاساة.؟ إذ لا يمر علينا زمن إلا وأدركنا عجزنا عن المعرفة ‏الكاملة بالماضي، وجهلها بالحاضر المتداني، وأحسسنا بالندم على مافات من عمر انجدل وقده بلا قيمة، وزمن ‏يمر تافها بلا فائدة، وأيقنا بالهزيمة بين الوقائع التي تدهمنا بلا إشعار، وتدهسنا بلا إنذار.‏
إذا أيقنا بأن الحياة مقام لمن اصطاد الوجود على صهوة العناء، ومتن الفناء، ومحل لمن رام السعادة في ذهول ‏الشقاء، ودهشة البلاء، فإننا سندرك في الأشياء المفارقة لنا معنى غير الذي ينبني عليه حلم من اعتقد الخلد ‏مع بقاء أعيان الحاجات بين يديه، وتلهف بنوال ما تعرى ساقه من أشجار الرغبات الممزوجة به، لأننا ومهما كنا ‏متميزين في تركيب الصور المخضرة معانيها بين أذهاننا، وترتيب كثير من أفعالنا على بساط غاياتنا، فإن ما يخطر ‏علينا بين الديار من أفكار حسيرة، ولحاظ كئيبة، يتعب أبداننا، ويربك أنظارنا، فنغدو سائرين بين الدروب ‏بلا نسق يهبنا هدوئنا، ولا سياق يجمع آراءنا، ولا مآلات تجرنا إلى سعادتنا، ولا غايات تحكم أفعالنا، وربما ‏من شدة وهَننا تبدو لنا صور ضعفنا، أو معالم انهيارنا، فنرِد من الأقوال ما لا معنى له في ناموسنا، ونلغ من ‏الأفعال ما يصرفنا عن حقيقتنا. إذ ما نحن قائمون به من تأليف جشع في طبيعته الكاشحة، وما نحن واقعون فيه ‏من أدوار قاسية، لا يمنحنا تلك القدرة التي نمتلك فيها الأشياء بحيازة مفاتيح أبوابها، ولا يمتعنا بتلك السعادة ‏التي تبني عروش آمالنا بين براح أفنيتها، بل نحن في كثير من عماء الرؤى أوهام غير محررة، وأحلام غير ‏محددة. ‏
وهنا نشعر بالعدمية التي تقتلنا، وبالعبثية التي تدفننا، ونحس بصروف الزمن الذي يمر علينا بلا أمل في البناء، ‏ولا رجاء في الجزاء، لأن فقدان المعنى بين الذوات المتألمة بكدر ديارها، لا يأتي إلا من تحريف نظرها إلى ما ‏يقوم بها كيانها في الواقع من أخلاق فاضلة، ومثل خالدة. ومن هنا، فإذا احتمل الصدق جريمة الكذب في ‏الخليقة، وتخلت الأمانة عن محالها لخبث الخيانة الوضيعة، واتبع الحق دهاء الباطل بين دواهي الخديعة، فما ‏الذي سيتطاب عطره بين الأكوار، ونحن لسنا إلا رميم عظام تسري فيها دماء الأسرار.؟ ومن الذي سينقذنا ‏في هذا المحيط الهادر بمعاني الشهوة، ومباني اللهفة.؟ أجل، نحن لا نملك فضل زمن لنفتت صخرة الألم في ‏الأعماق، ونمزق جبة الحزن بين الأذواق، ولا مزيد جهد لنستدرك ما فات مما بقي من عمر قصير في صحيفة ‏الأرزاق، ونستهدي بمصباح العشق إلى دوحة الأشواق، ولا كبير أمل لننفض عنا غبار حياة مثخنة بالجراح، ‏وننهض بهمم تسمو عن الذوات المتعبة الجوانح، ولا عظيم رجاء ننال به لحظة تذوب فيها المعاني بين حياض ‏البقاء، وتسوح فيه الآمال الرابضة بين حدائق الوفاء. ‏
‏ شيء يفسد النظر إلى الحقائق التي ترغمنا بصعقتها على الاستيحاش من المقام، ويبعدنا عن تلك اللحظة التي ‏نسرح من ورائها متولهين بطيفها السائم، وهي تبتعد عن الدرب، وتنأى عن الطلب، وتنحني بين المهاد، ‏وتنزوي بين الوهاد، ثم تبدو لنا صوتا عميقا بين أطلال الرغبات المستحرة بالصبوة، والمستعرة بالغلمة، ‏فنلامسها غفلة، وتلمسنا خدعة، ثم تهرب من باب غير الذي تعانقنا عليه، وتواعدنا عنده، وكأنها ما واصلتنا إلا ‏لتأليمنا، وما وافتنا إلا لتعذيبنا، وما فارقتنا إلا لإغرائنا، وما شاكستنا إلا لإغوائنا، لأنها ما كانت وفية لما ‏تغتصبه من فطرتنا، وما كانت أملا لما نهدمه من صروح خصالنا، بل من شدة شؤمها أننا لا ندرك فيها شيئا ‏من المتعة، ولا نحصل فيها على لحظة المنة، إلا وتخلفت فينا بالفجع، وتمددت فيها بالفزع. والأغرب أننا نحس بها ‏طيفا يفتن قلوبنا، أو سرابا يسخر من عقولنا، إذ لا نكاد نحدق فيه حتى يعرض عنا، ويختفي فينا، لكي يودعنا ‏بين مهمه غائر الأكدار، ويتركنا أشلاء يعوي فيها غراب الأوضار.‏
‏ تلك العدمية التي أنتجت إحجام الأنظار عن الآفاق المبحوثة أغوارها بوهج الانتظار، وعشق الانتشار، لا تأتي ‏في صوغ محدد البداية، ولا في نسج مطرز النهاية، بل هي كل حياة الإنسان الذي نزف منه الجلد، ورشح منه ‏الفقد، ولم يدر كيف يداوي علته، ولا كيف يداري كمده، ولا كيف يخاطب الأشياء المحسوسة له، ولا كيف ‏يتوسل إليها بأعباء ذاته، فتحادثه بما كمن فيها من نعم، أو ما غاض فيها من نقم. فهل استقل بهذا أحد دون ‏الآخر.؟ لو قلنا بهذا، فقد وضعنا الحدود غير المتآلفة بين حقائقنا، وصغنا مركبا غير متناسب في طبائعنا، لأن ‏وجود التعاسة على الجدران الكاشحة، وظهور الأحزان على مرآي الدروب الحالكة، ما هي إلا كلام الجاثمين ‏ورائها، وزفير المتألمين بينها، فلو انكشفوا لنا بما هو موجود في قاعهم من جفوة، وبرزوا أمامنا بما يخفون من ‏وحشة، لكانوا صورا لشعور منكوشة، ولحى مجرورة، وعيون ذابلة، ووجوه كالحة، وأجسام نحيفة، وثياب ‏رثية. لكن قدر الوجود في حياة لا تعطي سؤرها إلا لتمنع شرابها، ولا تهدي رديئها إلا لتبخل بجيدها، لم يسمح ‏بنشر المعايب، وكشف المثالب، لأن ظهور المعنى الأصغر مانع لسمو الأكبر، وسموق الغصن الأدنى حاجب ‏لعلو الأظهر، إذ الإنسان في غوره، ليس إلا نسخة محرفة لواقعه، أو مزيفة لحياته. ‏