آخر الأصداء من فرنسا...

غسان صابور
2016 / 12 / 3

آخــر الأصــداء من فـــرنـــســـا...
مساء الخميس الماضي, بأول شهر ديسمبر ـ كانون الأول 2016 أعلن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند François Hollande, بأنه لن يجدد ترشيحه للرئاسة بشهر أيار من السنة القادمة... بعد أن فصل بأثنتي عشر دقيقة مباشرة على القناة الثانية من التلفزيون الرسمي.. عناوين سريعة لما عمله.. وما لم يستطع عمله...
من أول أيام إقامتي بفرنسا, وحصولي على جنسيتها.. شـاركت كليا بحياتها السياسية والاجتماعية والفكرية.. كما تابعت دراساتي الشخصية لتوسيع إمكاناتي بهذه المجالات الثلاثة الهامة... وبجميع الانتخابات من رئاسة الجمهورية, حتى ابسطها من الانتخابات المحلية, كنت أختار وأساهم بمساعدة أكثر المرشحين ميلا لمبادئ يسارية وإنسانية. واعترف أنني كنت من أشد المتحمسين بأيار 2012 للرئيس فـرانـسـوا هــولاند.. لا لقناعتي بأنه الأفضل يساريا واجتماعيا.. إنما لأنه المرشح المقابل لترشيح نيكولا ساركوزي للمرة الثانية... هذه الشخصية التي لم أستطع تحمل سياستها لا فكريا ولا سياسيا ولا اجتماعيا.. وخاصة كل سياسته وتصرفاته وعلاقاته بالدول النفطية العربية.. وعدائه لسوريا والسوريين, وانخراطه بالمخططات السعودية والقطرية ضدهما.. وخاصة مسلسل فضائحه الليبية, والتي ما زالت تترأس عناوين غالب الصحف بأيامنا هذه.. مما أدى إلى عدم إمكانه الترشح لرئاسة جديدة.. بعملية الاختيار التي قام بها حزبه الجمهوري.. والتي فاز بها رئيس وزرائه السابق السيد François Fillon والذي سوف يكون مرشح الجمهوريين LR بشهر أيار 2017... معركة سوف يخسرها اليسار ــ مع الأسف ــ نظرا لتفككه وتعدد مرشحيه.. والسياسة المتأرجحة التي قام بها هولاند ورئيس وزرائه فالس بهذه الأيام الأخيرة... وخاصة كتاب التصريحات الشخصية التي أدلى بها الرئيس هولاند بنهاية السنة الماضية وبداية هذه السنة, إلى صحفيين من جريدة Le Monde الفرنسية.. كان بانتظار أن ينشر كتابهما بعد نهاية الانتخابات الرئاسية القادمة.. ولكنه نشر من شهرين.. وأثار عديدا من الفضائح والأسرار.. وأظهر الرئيس هولاند كإنسان متردد, لا يريد أن يغضب رفاقه وأصدقاءه.. واستغل الإعلام المعارض هذه الصورة.. حتى اضطر لإعلان انسحابه من إمكانية ترشيح نفسه.. مرة ثانية البارحة مساء على القناة الثانية من التلفزيون الرسمي الفرنسي...
أعتقد أنه هذه هي المرة الأولى التي أخذ بها قرارا آنيا صائبا.. لا حاجة بـه لأية شجاعة... لأنه نظر إلى قائمة آخـر إحصائية لمن يرغبون أيضا التصويت بحال إجراء إحصاء اختياري, لشعب اليسار.. كما فعل اليمين الأسبوع الماضي.. وكانت النتيجة 4,5%... وهذا ما دفعه كاملا ودمغ قراره النهائي للانسحاب من الترشيح اليساري, للانتخابات الرئاسية بشهر أيار ــ مايو 2017... فاتحا بهذا الانسحاب جميع الأوتوسترادات العريضة لرئيس وزرائه مانويل فالس, والذي اعطته إحصائيات اختيارات اليسار واليمين الفرنسي البارحة مساء 20%... ولكنه بالتأكيد لن يحصل أبدا على صوتي.. لا اليوم ولا غدا ولا بعد غد... لأن كل مسؤول فرنسي من اليمين أو اليسار أو الوسط الفرنسي السياسي.. أو كل من شارك بحكومة شاركت بدعم ما سمي ألف مرة خطأ المعارضة السورية, والتي فتحت جميع الأبواب والنوافذ والخنادق والمزاريب, لأية من التنظيمات الإرهابية, والتي حملت جميع الأنواع من التسميات الإلهية والإسلامية التي شاركت بتفجير الوطن السوري, وروعت الشعب السوري.. وخربت مدنه وحياته وأمنه وفككت اقتصاده ومستقبله... لا يمكنني أن أعطيها صوتي.. كما أعلمت العديد من أصدقائي الفرنسيين أو السوريين ــ الفرنسيين الذين يشاركون بمختلف الانتخابات.. أنهم لن يبقوا أصدقائي إن صوتوا لهم... رغم تمسكي بـحـريـة الرأي, مهما كانت الدوافع.. ولكن هذه آخر ورقة أملكها لمساعدة هذا البلد الذي ولدت بـه ويحتاج للدعم والحياة اليوم... بالرغم أن ذكريات رابطتي معه أيام فتوتي وشبابي.. لم تكن سهلة أو ممتعة.. بل كانت من أعتم الذكريات. ومع هذا أضحي بالبعض من قناعاتي ومعتقداتي الراديكالية من أجله... ولكنني بالمقابل سوف أطالبه عندما يشفى من الأمراض العتيقة العديدة التي تغلغلت بشروشه وجذوره وتفرعاته.. خلال العقود الخمسة الماضية.. وخاصة خلال سنوات الحرب الستة الغبية الآثمة الماضية.. والتي لا نعرف حتى اليوم كيف ومتى سوف تنتهي.. سوف أطالبه, ضمن إمكانياتي كمواطن عالمي يحمل الجنسية الفرنسية منذ أكثر من خمسين سنة.. ومن جذور وولادة صعبة سورية.. أن يعلن الديمقراطية والعلمانية الحقيقية الكاملة.. كنظام سياسي اجتماعي.. وتعدد الأحزاب ومساواة المرأة بالرجل بجميع المجالات.. دون أي استثناء... وحينها أصرخ : يحيا الأمل.. وتحيا الحياة.. ولــتــحــيــا ســـوريــا................
***********
رأي...
رغم خلافي الكامل مع الرئيس فرانسوا هولاند.. معه شخصيا.. بهذه الأيام الأخيرة.. وخاصة مع حلقاته المقربة أو ما تبقى منها... ولكن.... بإعلان انسحابه من ترشيح نفسه للانتخابات الرئاسية القادمة.. أعتبر هذا حركة ديمقراطية صحيحة كاملة.. لم يقم بها أي من رؤساء الجمهورية الخامسة سوى الجنرال Charles De GAULLE والذي لم تجد له فرنسا مثيلا منذ الحرب العالمية الثانية, وبعد انتهائها.. وحتى هذه الساعة.. بواقع الحدث.. ولكن لا يوجد أي تشابه بالعظمة وقدرة الشخصية وقوة القرار.. ومع هذا أحي قرار فرانسوا هولاند وأحترم خياره وقراره.
***************
عــلــى الــهــامــش :
ــ مـــاذا تــبــقــى؟؟؟!!!...
كلما تقدمت بالعمر... وكلما طالعت مختلف الصحف الصباحية, والنادر من الصحيح الذي تبقى منها.. لا أرى بالأفق ما يعارض أو يداوي تشاؤمي الإيجابي... ماذا عن الديانات؟... ماذا عن السياسة؟؟.. ماذا عن الصداقة؟؟؟.. ماذا عن المثل والقوانين الاجتماعية؟؟؟؟.. واليوم ماذا عن الرياضة؟؟؟؟؟!!!... موقع Médiapart الفرنسي يعلمني هذا الصباح أن لاعب كرة القدم Cristiano Ronaldo البطل واللاعب العالمي ونجم Real Madrid أخفى عن الضرائب مائة وخمسين مليون أورو. ومثله مئات وآلاف اللاعبين والمدربين والمدراء الذين يديرون تجارات الرياضة بالعالم.. مثلما تفعل الشركات الرأسمالية العالمية المتعددة الجنسيات, والتي تربح سنويا مئات المليارات وآلاف المليارات من الدولارات والأورويات.. ومع هذا تسرح الآلاف والملايين من عمالها وموظفيها.. وتفجر حياتهم وحياة عائلاتهم.. وتستغل عمالات واليد العاملة بالبلدان الفقيرة.. وحتى الأطفال...
حتى الأعمال الإنسانية والخيرية تحولت إلى مافيات مالية... آخر تقرير من جهات أممية أمنية عن اللاجئين, صرح أن المافيات التركية التي تهتم بتهريب اللاجئين إلى أوروبا ربحت السنة الماضية وهذه السنة عشرات المليارات من الأورويات.. ولها علاقات وطيدة وتغطيات وحمايات بأعلى درجات السلطة... كما أن آلاف المقاتلين الإسلامويين الذين حاربوا بأفغانستان واليمن والعراق وليبيا وسوريا.. قد تسللوا ودخلوا أوروبا وغيرها.. مع قوافل اللاجئين الهاربين, والتي نظمتها نفس هذه المافيات... وكم مليار يــدر تهريب المخدرات التي تجتاح أوروبا كلها سنويا؟؟؟... هذا الوباء السرطاني العالمي العولمي الذي فجر الطاقات والقيم الإنسانية.. وأضــاع جميع أساسات المجتمع...
كم كنت أود هذا الصباح أن أنقل إليكم أخبارا سارة تشرح الصدر.. وترفع المعنويات المتعبة... كم كنت أود أن أقول لكم أن مدينة حلب السورية التاريخية المتفجرة المتهدمة الحزينة.. قد تــم تحريرها بالكامل.. وأن سكانها بدأوا يعودون إليها.. وأن الضحكة قد عادت على وجوه أطفالها.. ولكنني أعتذر منكم.. لأنـه ليس عندي أي شــيء من هذا... وخــاصـة هذا الصباح... كلي اعتذار.. كلي اعتذار.................
بــــالانــــتــــظــــار........
للقارئات والقراء الأحبة الأكارم... هـــنـــاك و هـــنـــا... وبكل مكان بالعالم... وخاصة للنادر القليل ممن تبقى من الأحرار الذين ما زالوا يناضلون ويقاومون ــ على حساب حياتهم ورزقهم ــ من أجل الحقيقة الحقيقية والحريات العامة والعلمانية ومساواة المرأة والرجل وحرية الفكر والتعبير.. والمثل الصحيحة.. حفاظا على الإنسانية والسلام بين البشر... لهن ولهم كل مودتي وصداقتي ومحبتي واحترامي ووفائي وولائي وتأييدي الكامل.. وأصدق تحية طيبة إنسانية مهذبة...
غـسـان صــابــور ــ لـيـون فــرنــســا