الصوفية في ديوان -كأنه فرحي- محمد ضمرة

رائد الحواري
2016 / 12 / 3

الصوفية في ديوان
"كأنه فرحي"
محمد ضمرة
دائما نقول بأن الاستمتاع بالقراءة الأدبية يعد أحدى أهم عناصر الأدب الجيد، وهذا الاستمتاع ينتج أما من خلال الفكرة التي يقدمها النص ، أو من خلال اللغة، أو من قدرة الكاتب على استخدم شكل خاص يقدم فيه مادته الأدبية، أعتقد باننا أمام نص ممتع يجمع ما بين اللغة والفكرة معا.
منذ بداية سبعينيات القرن الماضي و"محمد ضمرة" يكتب الشعر، لكنه متأني في كتابته، فما يكتبه وينشره يعد قليلا إذا ما قورن برفاقه من الشعراء، لكنه يبقى صاحب لغة خاصة، تميزه عن الآخرين، في هذا الديوان نجد مجموعة من القصائد، تمثل حالة التماهي مع الله، مع الشعر، مع الطبيعة، مع الذات، وكأن الشاعر يتملص/يهرب من الواقع إلى عالم هادئ، بعيد عن المنغصات التي تستحوذ على العديد من نواحي حياتنا، لكنه في قصائد أخرى نجد الواقع يشده إلى ما هو كائن/حاصل، فلا مجال للهرب، فواقعنا يبقى مؤثرا وفاعلا مهما حاولنا/عملنا على تجاوزه/التملص منه، فهو قدرنا.
يبدأ الشاعر ديوانه بقصدة "تجليات" والتي من عنوانها نستطيع أن نستنتج ما تحمله من أفكار ومضامين فكرية:
لغيرك ما سكبت خواطري
لحنا يرش النور والألقا
وعشقا قد تصفد
في زوايا الروح
من زمن
وظل ينوء بالأهواء منغلقا
وكنت إذا دعوتك
في رحاب النفس
تصعقني رؤى قلب
تشظى في فراغ
يبعث لحظة
والصمت وحي
هاتف كالظل
فوق الرمل
يثري حلما شبقا
يحاورني السكون
فينتش نبضي
كأن هواك في الأعطاف
قد خفقا
يثير سحابة
فأمدها ما تكثف
من بخار الران أو علقا" ص7 و8 و9، يتماهى الشاعر مع الذات الله، فنجد غالبية الألفاظ المستخدمة في المقطع السابق تعطي دلالة الفضاء الرحب والبياض الناصع، "النور، عشقا، الروح، الاهواء، رحاب، يبعث، وحي، هاتف، يثري، يحاورني، فينتشي، الأعطاف، خفقا، ساحبة" كل هذه الألفاظ تنسجم مع الفكرة الصوفية التي تسعى نحو الفضاء/البياض/السكون/التوحد/الراحة، وإذا ما استثنينا لفظ "تصعقني، تشظى" التي جاءت للتناسب حالة الفراغ التي يعيشها الراوي إذا ما ابتعد عن الحبيب/المخلص/الله، نكون أمام نص مطلق البياض، منسجم بين الالفاظ والفكرة المراد طرحها، وهذا الأمر يشير إلى حالة التوحد والانسجام بين الشاعر وما يكتبه/ما يشعر به.
ونجد هذه اللغة في قصيدة "كأنه فرحي":
"ساءلت نفسي في زوايا البوح
عما يطفيء الشحنات
في الروح يزنرها الغرام
كمعطش لندى الطهارة
أستحل نصاعة القطرات
تحت الضوء
أدخل في بياض القصد
حتى لا يؤرقني الحرام" ص13و14، التوق للوصل إلى الضوء والابتعاد عن الظلام، الأمل في نيل الصفاء والابتعاد عن التشويش، التقرب بالحب والهوى من الحبيب، وهجر البعد، بهذا الشكل يعمل الشاعر للوصول إلى مبتغاه، الخلاص من مأزق الواقع، والتقرب/اللقاء/الوصول إلى فضاء الخالق، فنجده يستخدم هذه اللغة الهادئة والناعمة والبعيدة عن الشدة والغضب، وهذا يؤكد على سيطرته على لغته الشعرية وعلى قدرته على الانتقال من حالة إلى أخرى وبشكل مبدع، فليس من السهل على الشاعر، أي شاعر، أن يتخلى/يخلع/يتجاوز واقعه، لما يحمله من مشاعر مرهفة واحاسيس رقيقة، يمكن لأي نسمة هواء أن تؤثر عليها وتخدشها، وهنا يكمن ابداع الشاعر.
ونجد اللغة الصوفية حاضرة أيضا عندما أراد الشاعر أن يتحدث عن الوطن، فيقول في قصيدة "ترانيم العبور":
"يا زينة الدنيا ودرة عقدها لك في القلوب مكانة تستأثر
فلأنت من بدء العصور محجة ولأنت في أخرى الحياة المحشر
فعليك يا أرض السلام محبة مني، وهذا الوصل منك مقدر
فخذي القلوب رهينة أبدية والشانيء المبغوض عندك أبتر" ص47،
هذه المقاطع تشير إلى تماهي الشاعر مع اللغة الصوفية التي استخدمها في بداية الديوان، وكأنها أصبحت لغته التي يتعامل/يتكلم بها في كافة المواضيع/الحالات، فاللغة والألفاظ التي يتعامل بها الشاعر تعطي دلالة إلى ما يحمله في العقل الباطن، من هنا نستنتج بأن الشاعر إنساني، رقيق، رهيف، هادئ.
كما قلنا يبقى الواقع فارضا/مسيطرا علينا، لكننا نستطيع أن نتجاوزه من خلال استخدام لغة ناعمة/هادئة، لكنها تقدم رؤيتنا عما نحمله من غضب إنساني، في قصيدة "ويبقى السيف" يتحدث الشاعر عن العراق، وعندما نقول العراق ـ خاصة بالنسبة للفلسطيني فنحن نتحدث عن همنا نحن، فالعراق والعراقي له مكانة خاصة واستثنائية، فما زالت قبور الجيش العراقي في جنين شاهدة على ما قدمه العراق لفلسطين، ولهذا لا يمكن لأي فلسطيني أن يتعامل مع العراق إلا كوطنه فلسطين، هكذا هو العراق والعراقي، اعطا ولم يأخذ، من هنا ما زالنا نحتفظ بذاك الجميل.
"سل بغداد في التاريخ حاضرة تنبئك أن زمان الحق ما غربا
فكيف رمت جيوش الغزو حاقدة هتك الثوابت تبغي اللب لا القببا
اعطاك ربك من الآئه هبة كي يجتبيك. فسبحان الذي وهبا
فنهر دجلة يجري في أعنته والنخل حولك هزا يسقط الرطبا" ص81، رغم همجية والشراسة العدو نجد الشاعر متمسك باللغة البياض/لغة الخير والأمل/لغة الإيمان، وهذا ما يؤكد إنسانية الشاعر، الذي يسعى نحو البناء وردع المعتدي، فهذا اللغة التي تتناقض تماما مع ما يقوم به المحتل من حصار وقصف للعراق، أرد بها الشاعر أن يقول بأننا نحن الإنسانيين، نحن من يمتلك الحضارة والثقافة الإنسانية، ولهذا نخاطب العدو الهمجي والوحشي بهذه اللغة التي لا نستطيع التخلي عنها، لأننا إذا ما استخدمنا لغة العدو المتوحشة والعدوانية نكون مثله، فاقدي لإنسانيتنا.
الديوان من منشورات دار الكرمل، عمان، الأردن، الطبعة الأولى 1999.